ذكرت في احد المقالات ان كل محاولات تمرير النموذج الاسرائيلي في الوجدان العربي فاشلة برغم كل ما يقال ويشاع عن السلام الاسرائيلي العربي ومشاريع التعاون الرسمية , وقد علق احد القراء بانه يخالفني في ذلك تماما فهو يعتقد العكس حيث اننا جميعا كعرب وكمسلمين نردد ليل نهار بان اسرائيل والصهيونية اعداؤنا, لكننا لانتوانى - يقصد كشعوب - عن التعامل معهم ومع منتجاتهم , وذكر مجموعة من المنتجات الغذائية وبعض المتاجر المعروفة بملكيتها التامة لليهود. ولان هذه القضية تخرج من اطار الاختلاف في الرأى, فقد كنت حريصة على اعادة طرحها والتأكيد عليها - انها قضية ثوابت نحتاج اليوم اكثر من اي وقت مضى لتأكيدها والتمسك بها, فالامر اخطر مما يبدو في ظاهره. وفي تاريخ الامم والشعوب, عرف الكثيرون قضية مقاطعة بضائع المستعمر كنوع من المقاومة, ولعل موقف الهنود في عهد غاندي مع الانجليز اوضح مثال, لكننا في الحالة التي نعايشها اليوم فالامر يختلف تماما, فنحن في تعاملنا مع المنتج اليهودي او الصهيوني انما نخضع لمنظومة اقتصادية عالمية متشابكة فرضت نفسها علينا بقوة وربطتنا اقتصاديا بشكل لافكاك منه, وحينما يشتري رجل الشارع العادي هذا المنتج او ذاك, فانما يتم ذلك دون وعي او تصميم منه على ترويج المنتج الصهيوني , ربما يتحدد الامر في مسائل الذوق والاعتياد وتأثير الدعاية, وحرفية المنتج و ... دون ان يعني او يترتب على التعامل مع هذا المتجر الصهيوني او المنتج اليهودي اي علاقة وجدانية ايجابية معهم. اذن فتعاملنا مع منتجات معينة ( مشروبات غازية او ماركة عطور او ملابس .. ) معروفة بهويتها اليهودية بفعل عوامل التربية وامور اخرى, لايجب ان يحكم عليها كمعيار لموقفنا من العدو الاسرائيلي, القضية اكبر من ذلك بكثير واعمق. وحين قلت ان كل المحاولات الرسمية كتمرير النموذج الصهيوني او المشروع الاسرائىلي في الوجدان والذهنية العربية, فاشلة, فانني كنت اتمنى ذلك لانني اراه وألمسه عند اية عملية فدائية ضد اليهود, وعند اية غارة على الجنوب اللبناني وعند اية مواجهة بيننا وبينهم .. الامر محسوم والعداء تراكم قرونا وليس وليد عام 1948 تاريخ ميلاد دولتهم اللقيطة على ارض فلسطين. ولاشك ان الاخ القارىء يعي تماما انه وهو يشرب زجاجة (الكوكاكولا) فانه لايمرر معها اية قيمة ايجابية للشخصية اليهودية او المشروع الصهيوني, حتى وان كان يشرب هذا المنتج منذ اكثر من 30 سنة, ان موقفه لن يتزعزع من اسرائيل التي ستظل في الذهنية العربية مجرد مشروع استعماري قائم على اجتثاث الآخر (العرب) واحتلال ممتلكاتهم وحقوقهم بقوة السلاح والتزوير والعنجهية. هذه مسلمات لابد من تكريسها في دواخلنا وفي وجدان ابنائنا لان هناك جيلا ينشأ اليوم في المدارس وامام شاشات القنوات الفضائية, وتحت مظلة العولمة, تخترقه آلاف الصور الدعائية والقيم المتناقضة والمتعارضة, هذا الجيل يحتاج الى رعاية والى تأكيد لهذه المفاهيم حتى لايشرب (الكولا) ومعها بالتدريج تتغلغل في داخله القيم الايجابية لهذا المشروع البشع. سؤال الاخ القارىء يؤكد ان الخيار العربي كهوية وانتماء يغدو طرحا ومطلبا مصيريا للوجود - الان وغدا - حتى لانحتسي المشروع الصهيوني مع المشروبات الغازية, وحتى لا نلبسه ونؤمن به مع قطع الملابس الفاخرة التي نشتريها من متاجرهم. مشكلتنا مع المشروع الصهيوني انه سرطان مصمم على التمدد بدون مساومة في الوقت الذي نصر نحن على افتقاد الارادة والوقوع في المساومات بسذاجة والبقاء على هامش الزمن لاطول فترة ممكنة.