زخات المطر والجو البارد والرياح الشديدة, لم تستطع ان تمنع المسيرات الجماهيرية الحاشدة من الخروج للشوارع في كل المدن السورية.. وبطريقتها المميزة حولت الجماهير السورية الحدث السياسي الى احتفال شعبي يشارك فيه الجميع .. الوزراء يرقصون الدبكة مع الناس في الشوارع, والمطربون ينشدون الاغاني الوطنية في السرادقات التي اقيمت في كل الميادين, ولغة الخطاب هي المبايعة, والمناسبة هي التجديد لولاية خامسة للرئيس الاسد. بلغة السياسة تم طرح قضية التجديد على انها استثناء لا يقتصر على شخص الرئيس الاسد, ولكنه يمتد ليشمل المبادئ التي حكمت التحرك السوري على كل المسارات الدولية والقومية والداخلية, والسياسات التي تم تطبيقها على مدى ثلاثين عاما قاد فيها الرئيس الاسد سوريا وسط ظروف صعبة للغاية, وكانت السنوات العشر الاخيرة ـ كما قال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ـ هي الاصعب في تاريخ سوريا الحديث, حيث واجهت تحديات هائلة, ومع ذلك استطاعت الصمود رغم ضغوط الظروف العالمية التي يحكمها قطب واحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الحليف الذي وقف الى جانب سوريا في السنوات السابقة, رغم ضغوط الظروف الاقليمية والعربية.. من حرب الخليج المدمرة, الى محاولات تصفية القضية الفلسطينية, الى فرض التسوية الاسرائيلية والهيمنة الصهيونية على المنطقة, الى لبنان والدور السوري الكبير في ساحته المليئة بالتناقضات, الى ازمة النظام العربي, الى الهم التركي الذي كاد يشعل المنطقة بحرب مدمرة نجحت سوريا في تفاديها. الاستفتاء كان على الموقف السوري من كل تلك القضايا التي حكم التصرف السوري فيها التزام قومي, روعي بالظروف المحيطة, مع مرونة سياسة هائلة مكنته من التعامل مع هذه التحولات والمتغيرات بما يحقق المصلحة السورية والعربية. قضيت اياما قليلة في دمشق لمتابعة الاحداث خلال اسبوع الاستفتاء الذي تحول الى اسبوع سياسي ساخن, فخلال ايام تتابعت الانباء من دمشق ان تحذيرات امريكية لموسكو بعد انباء عن صفقة اسلحة متطورة لسوريا, الى اتهامات اسرائيلية عن تهديدات سوريا للاردن تحاول استغلال اضطراب الاوضاع الذي صاحب نقل وراثة العرش من الحسين الى عبدالله, الى رحيل مفاجىء للملك حسين وتحرك سوري سريع عكس كل التوقعات.. فبينما كان العديدون يرجحون مقاطعة سوريا لجنازة الملك أو تمثيل على مستوى منخفض في احسن الظروف, اذا بحافظ الأسد يذهب الى عمان ويشارك في وداع الملك حسين, ثم يجتمع بالملك عبدالله في مفاجأة كاملة رافقتها مفاجأة اخرى باجتماع غير متوقع مع الرئيس الامريكي كلينتون حاولت اسرائيل استغلاله بالترويج عن حل خلال هذا العام واتفاق سلام مع سوريا والاردن, نفته دمشق على الفور. هذا الاسبوع الساخن عكس بعض الملامح الاساسية للسياسة السورية التي تستطيع ببراعة ان تجمع بين التمسك بالمبادئ وبين المقتضيات العملية بحيث تترك لنفسها حرية كاملة في الحركة وتبقي كل الخيارات مفتوحة امام تحركاتها. من ناحية هناك اصرار على تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني, والجهود في هذا السبيل لا تتوقف, ورغم التهديدات والضغوط الامريكية فان التحرك السوري مستمر في هذا الصدد, فسوريا لا توجه فقط قضية ارض محتلة تصر على تحريرها, ولكنها تواجه ايضا التهديد بالعدوان في أي لحظة ومن أكثر من جهة. ومن ناحية اخرى فسوريا تدرك حجم الخطر في اوضاع الاردن, وهي تدرك ان اسرائيل تريده وطنا بديلا للفلسطينيين, وتناور وتتآمر لتحقيق هذا الغرض. ورغم الخلافات بين دمشق وعمان التي تصاعدت بسبب الصلح الاردني الاسرائيلي, فان سوريا تدرك ان الامر الآن يتطلب تحركا عربيا لمساندة الاردن وتطويق المحاولات الاسرائيلية لابتلاعه. ويلاحظ هنا ان دمشق كانت حريصة على اعلان عدة اسس لتحركها الجديد تجاه عمان.. اولها ان غضبها لم يكن من اجل معاهدة الصلح الاردنية الاسرائيلية, في حد ذاتها رغم اعتراضها عليها, ولكن الغضب كان من اجل تسارع اجراءات التطبيع وحميمية العلاقة مع تل ابيب بما يضر المصالح العربية, وثانيا هناك الاعلان عن ان العلاقة مع شعب الاردن لم تنقطع يوما رغم الخلافات مع النظام. وثالثا هناك التأكيد على ان سوريا مستعدة للقاء مع الدول العربية الشقيقة في كل مالا يتعارض مع مبادئها, والمساحة هنا واسعة, والمهم ان اللهجة السورية الجديدة تركز على حق كل قطر عربي في ان يتخذ ما يشاء من سياسات على ان يتحمل نتائجها, وبشرط الا يترك للآخرين ايضا حريتهم في اتخاذ القرارات.. والشعوب في النهاية هي الحكم والرقيب. ايضا فان الرد على مزاعم نتانياهو عن اتفاق قريب مع سوريا كان الرد عليه تجسيدا للسياسة السورية.. فمن ناحية كان هناك التأكيد على اصرار سوريا على موقفها المبدئي باستعادة الارض والحقوق العربية, ومن ناحية ثانية كان الاعلان عن ادراك سوريا بأن هذه التصريحات ليست الا لعبة انتخابية, ومن ناحية ثالثة تركت دمشق الباب مفتوحا.. فاذا كان نتانياهو صادقا فليعلن التزامه بما تم الاتفاق عليه مع الحكومة الاسرائيلية السابقة على الانسحاب الكامل من الجولان ليستأنف المفاوضات من حيث توقفت دون لف أو دوران. **** والشارع السوري الذي كان مشغولا بقضية المبايعة للرئيس الاسد, لم يفاجئه شيء من هذه التحركات كل ما حدث ان التظاهرات الجماهيرية توقفت ليومين بعد تأجيل موعد الاستفتاء واعلان الحداد لوفاة الملك حسين, انشغل فيها الناس بمتابعة سفر الاسد الى عمان وردود افعال هذه الخطوة التي وصفها الكثيرون في دمشق بأنها (ضربة معلم) من الاسد نزعت فتيل ازمة كانت اسرائيل تخطط لافتعالها, وبدأت طريق مصالحة مع عمان تأمل دمشق ان تؤدي الى تغيير في السياسة الاردنية يوقف الاندفاع في طريق التطبيع مع اسرائيل. وربما كانت الكلمة الدقيقة لوصف هذا الموقف هي (الثقة) في اكثر من اتجاه وفوق كل الاحداث الجارية. هناك ثقة في النفس بين الجميع, فالكل يدرك ان تضحيات الماضي لم تذهب هباء, وان المواقف المبدئية لا تعني الخسارة او الجمود او التجمد, وان كل ما وقع في المنطقة يؤكد صحة الموقف السوري. وما حدث على الجانب الفلسطيني يعطي الدليل على ذلك, فالتنازل تلو التنازل ادى الى وقوع القيادة الفلسطينية رهينة للتصورات الاسرائيلية الامريكية, وافقد قضية فلسطين بعدها القومي والاسلامي, لتتحول في النهاية الى قضية قطرية, ثم الى قضية تتحكم فيها ارادة شخص بدلا من ارادة أمة, وليصبح الصراع على شارع في الخليل بعد ان كان صراعا على وطن اسمه.. فلسطين! سوريا واثقة من نفسها, وتدرك ان المهمة الاساسية امامها ان تصمد للضغوط والاغراءات وان تتحمل التضحيات والمصاعب, وبعدها سيتم الاقرار بكل الحقوق العربية, وتؤمن دمشق ان السنوات الصعبة قد مرت وان التغيرات في العالم وفي المنطقة يمكن ان تكون في مصلحة العرب, اذا احسنوا التعامل معها, فالتسوية المنفردة قد ثبت فشلها, والنفوذ الامريكي ـ رغم كل شيء ـ في هبوط, فقد كانت واشنطن قبل سنوات تأمر فتطاع, والان لم يعد الامر كذلك, والعالم يتغير, وقوى جديدة تصعد, والسياسة الامريكية في المنطقة تثبت فشلها, ومسيرة الهرولة توقفت, والتطبيع لم يعد شعار المرحلة, والصراع ممتد وتعديل موازين القوى هو المهمة الاساسية امامنا. الثقة في النفس هو الشعور الذي تلقاه عند القيادة السورية, فقد صمدت وانجزت, ولم تتنازل عن شيء ولم تخضع لضغوط, وتمسكت بالثوابت القومية فلم تخسر شيئا. وهذه الثقة هي التي تجعل القيادة السورية تتخذ قرارات قد تبدو بعيدة عن الشعبية عند اتخاذها, وقد ضرب فاروق الشرع وزير الخارجية السوري امثلة لهذه القرارات في السياسة الخارجية.. مثل قرار معارضة حرب الخليج الاولى, وقرار دخول لبنان, وفي الحالة الاولى لقي القرار معارضة كبيرة داخليا وعربيا, ويقول الشرع ان الجميع الان يعترفون بصواب القرار, وفي لبنان كانت هناك الخشية من غرق سوري يجعلها كما فيتنام بالنسبة للامريكان, ولكن سوريا اصرت واثبتت الاحداث صدق رؤيتها كما يقول الشرع, فتم انقاذ لبنان مما يدبر له, وهو الآن اكثر عروبة واكثر امنا واستقرارا من أي وقت مضى. هذه الثقة في النفس هي السمة البارزة في الظاهرة السورية هذه الايام, ومعها ثقة من الشارع في قرارات القيادة التي نجحت في اجتياز الايام الصعبة, وثقة من القيادة في مساندة الشارع التي عبرت عنها ايام المبايعة التي تحولت الى مهرجانات سياسية وشعبية نادرة. *** ومع الثقة.. هناك الحديث الدائم في دمشق عن المستقبل, فالكل يدرك حجم التحديات التي يفرضها عصر التحولات الكبرى والعولمة الثقافية والاقتصادية وضرورة الاستعداد لمواجهة هذه التحديات. والملاحظ هنا ان التركيز شديد على الجانب الاقتصادي فالحاجة شديدة لمضاعفة الجهد وجذب الاستثمارات والتعاون العربي المشترك, هكذا يؤكد كل مسؤول تقابله خاصة وان الكل يدرك حجم العبء الذي يمثله انخفاض اسعار البترول على الميزانية السورية المثقلة باعباء التنمية واعباء المعركة التي لم تنته لاستعادة الارض المحتلة وردع العدوان الذي يطل برأسه من أكثر من جانب. وهنا ايضا تتجلى النظرة العملية للسياسة السورية, فالكل يعترف بالصعوبات الهائلة التي تعترض العمل العربي المشترك بما في ذلك التعاون الاقتصادي, ومع ذلك فالتفاؤل كبير والجهود متصلة في هذا الطريق, والتفاؤل ينبع من ان الكل اصبح يدرك خطورة الوضع ويفهم عبء العولمة على العالم غير الاوروبي ـ امريكي, ويضرب المسؤولون السوريون المثل على تفهمهم لهذه الاوضاع بالاتفاق مع لبنان الذي سيخفض الجمارك بين البلدين خلال اربع سنوات فقط وبمعدل 25% كل عام, ويعلنون استعدادهم لخطوات مماثلة مع بلاد عربية اخرى. والحديث عن المستقبل يرتبط بالحديث عن الشباب, واظن ان الايام المقبلة ستشهد دورا اكبر للشباب في اطار تحديث اساليب العمل في المجالات المختلفة, وفي ضوء الايمان فان الشباب سيكونون الاقدر في التعامل مع المستقبل واستكمال الرسالة وزيادة الفاعلية في كل القطاعات. والكل يدرك ان وجود الرئيس الاسد لولاية جديدة يوفر الفرصة المناسبة لهذه المهمة الصعبة, وتحقيق المعادلة التي تضمن ثبات الاهداف, والالتزام بالمبادئ وتنوع الاساليب وصولا الى هذه الاهداف, والمزج بين الخبرة الهائلة والمصداقية الكبيرة التي يتمتع بها الجيل الحالي الذي يتولى مقاليد الامور والطموح والافكار الجديدة لدى اجيال الشباب الصاعدة. و.. لنا عودة الى أيام دمشق الحبيبة