جنازة الملك حسين شيعها اكثر من اربعين من الرؤساء والملوك والزعماء ... ولاشك ان الذين شاهدوها شعروا بالدهشة لرؤية اربعة من رؤساء امريكا بين المشيعين في الصف الاول وتساءلوا عن السر الذي جمع الاحمر على الاصفر على الابيض على الاسود ... والاردن دولة صغيرة محدودة الموارد .. لكن تصادف وجودها عند ملتقى الاصدقاء والاعداء العرب وعلى خط النار من الوجود الاسرائيلي فكانت محضنا للمشاكل والتصادمات من كل جانب وملتقى للعداوات والصداقات .. وقد خرج الملك حسين من هذا المأزق بأن خص الذئب الاسرائيلي بخالص مودته وبكى على مقتل رابين واحتضن ارملته في مشاركه انسانية ودودة وجعل من نفسه قطب التفاهم ومعقد المصالحات بين الاطراف المتشابكة وبين العدو الاسرائيلي الذي حوله الى صديق حميم. وبهذه الخصوصية في التودد صنع جنازته وجمع مشيعيه الذين اختلفت الوانهم وتضاربت مواقفهم .. من قبل ان يموت بزمن طويل ... فكل طرف اصبح يشعر ان الملك حسين هو رجله وهو مندوبه المفوض للتعامل مع نزوات اسرائيل ... واسرائيل اصبحت اكثر حرصا عليه .. ولم يأت الى الجنازة من اجل الملك جاء من اجل عيون اسرائيل. ولسان حال اسرائيل يقول لكل العرب .. من اراد لنفسه جنازة مثل هذه الجنازة المهيبة فليقدم الي عربون حب كالذي قدمه المرحوم .. ومن يجيىء الي سوف اجيىء له بالعالم فأنا اسرائيل جالبة الأمجاد لكل من يمجدني .. وقد مضى المرحوم شوطا بعيدا في تأييد جمال عبد الناصر وحارب معه حرب 67 وخسر نصف مملكته ومضى شوطا ابعد في مؤازرة صدام حسين وخسر كل العرب .. وكان رجل التنازلات في كل تصادم .. ومن اجل هذا اجتمع حوله كل هذا الجمع المتنافر .. وقد خلف لوريثه تركة صعبة من العسير ان ينافسه فيها .. ونمطا من السياسة من الصعب ان يقلدها. ولن يستطيع اي سياسي عربي ان يكون الملك حسين. ولن يستطيع اي سياسي عربي ان يقدم لاسرائيل من المودة القلبية ما قدم الملك حسين. واسرائيل تكره كل ماهو عربي وتكره كل ماهو اسلامي وهي لاتضمر لنا الا العداوة برغم كل مابذل الملك حسين من خالص الود .. وعداوتها لنا تاريخيه ومتأصلة وحقيقية. وما صنعه الملك حسين غير قابل للتكرار. وهذه الوجوه المتباينة والمتنقاضة التي اجتمعت في جنازته هي من طرائف التاريخ التي لاتحدث مرتين. ان هذا اللاعب الرشيق الذي استطاع ان يلعب على كل الحبال ويسقط ليقف من جديد في خفة ويتسلل الى كل القلوب ويغازل الصديق ويناور العدو وينحني للعاصفة ويمني الطامع ويصانع صاحب المصلحة ويؤاخي صاحب السلطان .. ويعيش هذه الأحوال في بساطة ووداعة وطبيعية وكأنها احواله الشخصية فيقنع كل طرف بأنه يعني كل كلمة يقولها ويمضي الجميع وراءه حتى آخر الشوط وحتى آخر حرف في كتاب العمر. وقد لايوافق البعض على لعبة تبديل الكراسي التي اتقنها الملك الراحل .. ولكن هل كان من الممكن ان يفعل شيئا آخر ؟؟ وهل كان من الممكن لبلد صغير مثل الاردن يعيش في مهب الاخطار محاصرا بالعداوات والاطماع من كل جانب ان يفعل شيئا آخر؟؟ من الواضح انه لم تكن هناك خيارات اخرى من البداية وكان رجلنا من الحكمة والتعقل والواقعية بحيث لم يطلب لنفسه أية زعامة دون كيشوتيه ولم يشطح به الخيال الى بطولات وهمية واكتفى بالواقع يحاول ان يخرج منه بأفضل ما فيه. وكانت حياة الرجل درسا لكل صنوف المغامرين الذين حفلت بهم خريطة الشرق الأوسط من حوله. ومن ملف الملك حسين الى ملف صدام حسين بون شاسع وفارق كبير بين عقل وجنون وبين حكمة وتهور وبين صفقة ومقامرة وبين تفاهم ومخاطرة. وفي مقامرات صدام حسين قدم المقامر العراقي شعبه رهينة الى اللاعب الأمريكي واللاعب البريطاني وقدم بلده فريسة للاذلال والاحتلال والتدمير في مقابل شعارات وهمية لا تعشش الا في رأسه وبطولات زائفة يمليها على صحفه وجرائده... ولا أحد يستطيع ان يسائل صدام حسين فهو الأوحد والملهم والمفوض من العناية الالهية لانقاذ العالم من شرور الاستعمار.. ومن يعلن مخالفته للزعيم الملهم يقتل لفوره رميا بالرصاص وبهذه الوسيلة السريعة تخلص صدام حسين من جميع منافسيه وانفرد بالسلطان على كافة مقدرات العراق.. ولا يعلم الا الله كيف ستكون نهايته أو نهاية العراق. وتحرص أمريكا على حياة صدام وعلى استمراره لأنها تستثمر أخطاءه وتتنفع بجنونه كمبرر لتدخلها الاجرامي من وقت لآخر.. وتدمير العراق وتكسيحه وتبديد ثرواته هدف أمريكي صهيوني. وبين عقلانية الملك حسين وجنون صدام نجد كل ألوان الطيف في سياسات المنطقة ونجد أمثال نتانياهو في اسرائيل كنموذج وسط بين العقل والجنون.. وتحمي نتانياهو أمريكا بكل ثقلها وتحميه المجموعة الصهيونية بأموالها وعلاقاتها واعلامها.. والشرق الأوسط حقل ألغام بالنسبة لأي حاكم.. وأي قرار غير عاقل يمكن ان يفجر لغما ويمكن ان يؤدي الى خسف أرضي يبتلع أبرياء لا دخل لهم بما يحدث. ولو سئلت عن تصوري للمستقبل لاعترفت بعجزي عن الرؤية الواضحة فكل العوامل في حالة سيولة وغليان وفوران وتبدل دائم.. وأطماع الأطراف أكبر من امكانية المصالحة.. والمواجهة حتمية ولابد ان نبني استراتيجيتنا على هذا الاحتمال. وبذهاب الملك حسين اختفى عنصر مؤثر من عناصر المصالحة وعلينا ان نعد أنفسنا للأخطر دائما وهذا قدر لحكامنا لا يحسدون عليه وليس صحيحا ان العالم الذي نعيش فيه عالم يحترم العدالة ويطبق القانون.. فمذابح كوسوفو وجرائم الصرب والمقابر التي تمتلىء بالجماجم في البوسنة تشهد على عجز المؤسسات القانونية التي تحكم هذا العالم.. وحلف الأطلسي الذي لم يتخذ قرارا واحدا حاسما لعقاب القتلة وعجز الأمم المتحدة أمام الغارات الأمريكية البريطانية المتكررة على شعب العراق الأعزل شهادة أخرى بعقم هذه المؤسسات.. واليهود الذين يملأون الدنيا عويلا وبكاء على الهولوكوست هم أنفسهم الذين أطلقوا الرصاص على جنودنا العزل المقيدي الأيدي والأرجل في سيناء ودفنوهم أحياء. اننا نعيش في عالم مجرم وظالم وأوروبا وأمريكا لها معايير مزدوجة في الحكم على قتلانا وقتلاهم وهم يستبيحون دماءنا في قوانينهم ويملأون الدنيا صراخا اذا قتل لهم فرد واحد.. ويصابون بالبكم والصم والعمي اذا حصدت رشاشاتهم المئات منا. انها غابة تقطر بالدم نابا ومخلبا ولا يسلم فيها الأمر الا للأقوياء وعلينا ان نفهم هذا جيدا ولا تخدعنا الشعارات والمواثيق.. وعلينا ان نتعامل مع هذه الدنيا بقانونها.. وان نكون أقوياء مسلحين مثلما هم أقوياء مسلحون مزودين بالعلم مثلما هم مزودون بالعلم جاهزين بحلفائنا مثل ما هم جاهزون بجمعهم.. فلا عذر للضعفاء ولا مكان للعجز في هذه الغابة التي اسمها الدنيا. ونحن وإيران في قارب واحد فالاسلام مستهدف والعدو واحد وهو الصهيونية بخيلها ورجلها والذي يفرق بيننا وبين ايران يهدم قوانا ويشتت عزمنا وعلينا ان نوثق روابطنا بالصين فالصراع سوف يأخذ أبعاداً عالمية وعلينا أن نستقطب البعد الآسيوي, وخطورة آسيا أنها أسواق وعمق اقتصادي لا تستطيع أمريكا أن تعيش بدونه. ولا أحد يريد الحرب ولا أحد يخطط للحرب .. ولكن ماذا لو اقتحمت علينا الحرب أبوابنا. وإشعال الحروب هو دأب اليهود بطول التاريخ. (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) (المائدة - 64) . وهذا ليس كلامنا بل كلام الله الذي خلقهم. ولأن الله فضح جرائمهم في قرآنه فانهم يحاربون هذا القرآن ويحاربون أهله وسوف تحدث الحرب حتما فعلينا أن نتأهب لها. وقد كان الملك حسين يعالج هذه المواقف بالدبلوماسية وبالدموع التي يذرفها على رابين وبالمودة التي يبذلها لأرملته وباليد المبسوطة دائما بدون شروط وبالسياسة وبالملاينة. وقد ذهب الملك ولم تعد بحار الأرض دموعاً بالكافية لاغراق هذا الحقد الصهيوني الذي يحيط بنا وهذا قدرنا. ولا حول ولا قوة إلا بالله