فوجئت بوجود طبق لالتقاط المحطات الفضائية (دش) منصوباً فوق غرفة الخادمة في منزل احدى القريبات, واستنكرت ان تكون هذه واحدة من الامتيازات الجديدة التي اصبحت حقاً مشروعاً للخدم هذه الايام , لكنني عرفت بأن هذا (الدش) ليس سوى رفاهية خاصة وفرتها الخادمة لنفسها بعد استئذان ربة المنزل. ان وجود (الدش) لا يشكل مفاجأة تستحق التوقف في مجتمع كمجتمع دولة الامارات, وفر له الرفاه المادي واقتصاد الطفرة مسلكيات مادية ذات قفزات غير طبيعية قياساً بالمجتمعات الاخرى, واينما كنت وفي اية بقعة فإن وجود (الدش) من طبيعيات الامور ان لم نقل من البديهيات, سواء كان في احياء الفقر المدقع, او في مناطق تجمعات العمال ذات الخدمات المتدنية, او القرى النائية, او المناطق الجبلية, تماماً كما في احياء الرفاهية وغرف الخدم ايضاً! وبعد ان صار في كل بيت (دش) صارت كل بيوتنا مخترقة, ومفخخة بسبب ما تقدمه هذه القنوات المشفرة ــ وغير المشفرة احياناً ــ من (خدمات) اقل ما يمكن ان توصف به انها قنوات رذيلة عابرة للقارات! نقول ذلك ونحن نعلم انها خارج نطاق الرقابة نهائياً, وذات توجهات واهداف مشبوهة, وتعتمد كلياً على نوعية معينة من البرامج والافلام والمذيعات اللواتي يمتهن ترويج الابتذال على الهواء مباشرة وبشكل مدروس ومتقن. حينما سألت الخادمة عن سبب وجود الدش او اهميته بالنسبة لها اكدت بأنه نوع من الاطباق رخيصة الثمن تلتقط بواسطته مجموعة قليلة ومحدودة من المحطات التلفزيونية التي تبثها منطقة (كيرلا) في الهند باللغة التي تتحدث بها, كما تذيع اخبار بلادها حسب تعبير الخادمة الصغيرة. اذا كان هذا هو السبب الحقيقي وراء تكلفها شراء (الدش) وتركيبه, فإن هذه الخادمة تتمتع بحس ثقافي حضاري تحسد عليه فعلاً, يكفي انها ذات بناء ثقافي لم تخترقه ثقافة العولمة بمحطاتها الفضائية وانتشارها الفني والسينمائي, فهي رغم المامها بانجليزية متوسطة الا انها تفضل ان تقضي المساء مع فيلم باللهجة المحلية التي تنتمي لها لا مع فيلم امريكي او انجليزي, ولذلك لم يكن مهماً لها ان تجلب نوعا من الاطباق يمكنه التقاط قنوات الافلام الامريكية او الغربية عامة. سلوك هذه الخادمة البسيطة اثارني فعلاً, وجلست اتأمله طويلاً فهو حالة جميلة من الانتماء والالتصاق بالثقافة, وعدم الاحساس بالدونية تجاه المنتج المحلي, او الثقافة الخاصة في مواجهة المنتج الغربي والثقافة الامريكية. تمنيت لو اننا استطعنا كشعوب تنتمي للعالم الثالث المستعد دوماً للانهيار امام اقتصاد وثقافة وانتاج العالم الغربي, تمنيت لو امكننا ايجاد افراد يتفاعلون مع منتجات الحضارات الاخرى, ويستخدمون (اشياء) هذه الحضارات دون ان يسقطوا في ابهارها حتى الرمق الاخير, ودون ان يستهلكوها بهذا الفهم البشع والمدمر للذات اولاً ولكل قيم الانتماء والخصوصية والولاء.. مجرد امنية. * عندما عاد أحد الشباب من امريكا بعد سنوات الدراسة الطويلة امتعض من قنوات التلفزيون العربية (عربسات) فكان اول ما فكر فيه اشتراك في (اوربت)!!