الدول الغربية تقوم بابتزاز الروس بواسطة ربط المساعدات المالية باجراء تغييرات في السياستين الداخلية والخارجية الروسية . هذا الاتهام ورد على لسان الناطق باسم يوري ماسليوكوف النائب الأول لرئيس الحكومة الروسية مؤخراً. والواقع ان اشكالاً لا حصر لها من الابتزاز الغربي باتت تتعرض لها روسيا منذانهيار الاتحاد السوفييتي السابق. وهي تبدأ من المطالبة بوقف التعاون العسكري بين روسيا وايران الى تعديل السياسة الروسية تجاه العراق الى مشكلة يوغسلافيا الى توسيع حلف الاطلسي ومعاهدات الحد من الاسلحة النووية. اما في السياسة الداخلية فإنها تتراوح بين التدخل في تشكيل الحكومات واقرار التدابير الاقتصادية والسياسية لاصلاح الوضع, الى تسهيل هجرة اليهود الروس الى اسرائيل وتصل حد تحذير موسكو من مغبة منع الجماعات الدينية الموجودة في الغرب من النشاط في روسيا. وهو تحذير وجهته وزيرة الخارجية الامريكية اولبرايت خلال زيارتها لروسيا مؤخراً, حين قالت (ان التضييق على حرية الاديان يتعارض مع الحصول على مساعدات امريكية) . واعتقد ان الروس لا يمانعون في التنازل عن بعض مواقفهم مقابل الدعم المالي الغربي. وهم اظهروا في السابق مثل هذا الاستعداد, بالنسبة لعدد من القضايا, سيما حين تبلغ عمليات الترغيب والترهيب الغربي اوجها. لكن المشكلة ان المساعدات الغربية على قلتها, تبين انها لا تذهب الى روسيا حقا, وانما الى دوائر الفساد والجريمة التي نمت مثل الطفيليات حول الكرملين منذ التغييرات الاصلاحية. وهي الدوائر التي دعمها ويدعمها الغرب بقوة, رافضاً ادنى مساس بها تماماً. ومن الواضح ان تلك الدوائر هي التي كان ولا تزال تمارس الضغوط والابتزاز على صانع القرار الروسي كي يذعن للشروط الغربية, وتحذيره من مغبة الرفض السياسي عبر تذكيره بالكلفة الاقتصادية لهذا الرفض. اما المشكلة الاخرى فهي ان المساعدات الغربية كانت مشروطة بصورة صارمة, بالقضاء على الانتاج الوطني وفتح السوق الروسية على مصراعيها للشركات الغربية. وقد ادت هذه السياسة المخطط لها جيدا, طوال العشر سنوات الماضية الى تدمير كل طاقة انتاجية او زراعية في روسيا. حتى ان موسكو باتت اليوم تعتمد على الغرب في تمويل مشترياتها من القمح والمواد الغذائية الاخرى. هذه السياسة تجعل من المستحيل على الروس الفكاك من ربكة الضغوط الغربية, على الاقل لسنوات مقبلة. اذ انهم غير قادرين على الاعتماد على انفسهم اقتصادياً بسبب الوضع المتردي من جهة, وفي الوقت نفسه غير قادرين على الاستجابة للمطالب الغربية, لكونها مذلة وهدفها هو ابقاء روسيا اطول فترة ممكنة في ظل هذا الوضع. ماذا يفعل الروس او تفعل حكومة بريماكوف ازاء هذه الحالة؟ اعتقد ان البداية الصحيحة لاصلاح الوضع لا تكمن في الاستجابة للضغوط الغربية التي لن تنتهي عند حد. وانما في قلب المعادلة رأساً على عقب, اي ان تقوم موسكو نفسها باستخدام نفوذها وثقلها الدولي في مجلس الامن, فضلاً عن خبراتها في العديد من مناطق العالم, للضغط على الغرب. في الوقت نفسه تعيد الاعتبار للسياسات الوطنية في الزراعة والصناعة وتشجيع الانتاج المحلي, عبر سياسات تصب في صالح العامل والفلاح الروسيين وليس المضاربين ورجال المافيا والعصابات الاجرامية. وقد لا يطول الوقت قبل ان نشهد توجها كهذا مع بدء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة, واختفاء يلتسين الذي كان رمزاً وعنواناً لمرحلة انحطاط روسيا. ان الامر ببساطة هو انه ليس امام الروس من خيار آخر للخروج من هذه الورطة التاريخية.