هل تستحق صفقة تحسين طائرات ميج 21 التي تملكها كرواتيا تلك الضجة التي أثارتها اسرائيل والدوائر الصهيونية العالمية؟ ترى ما هي الأسباب التي أحدثت تلك الضجة؟ وماذا تعني صفقة من هذا القبيل مع طرف مثل (كرواتيا) لا يكاد يمثل قوة دولية لها وزن ثقيل ؟ هذه بعض التساؤلات المثارة, وربما تثار غيرها. ولكن القدر المتيقن ان هذه الصفقة رغم تواضعها من ناحية, وتحقيقها جدوى اقتصادية لاسرائيل من ناحية أخرى, لا تأتي أهميتها ولا قيمتها بمقدار حجمها, وإنما للرمز الذي تعبر عنه. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن لتلك الضجة صلة قوية بالثوابت التي تشكل الدولة اليهودية وبمصالحها الاستراتيجية, والمنطلقات التي شكلت أهداف المشروع الصهيوني الذي انطلق منذ أكثر من مائة عام. ولا نرى أية مؤشرات, فضلا عن وجود أدلة, على تغيرها أو تردد الصهيونية, ممثلة في دولة اسرائيل, بشأنها. ولو استعرضنا أهداف تلك الدولة التي تمثل ذلك المشروع لوجدناها تتجسد في بسط السيطرة والسيادة الكاملة على الأراضي المحتلة, وتهجير الشعب الفلسطيني إلى المنافي والشتات, والسعي الفعلي نحو تحقيق الحلم الصهيوني في اقامة اسرائيلة الكبرى بالاضافة إلى الهيمنة الاقتصادية في المنطقة. ولا يغير من تلك الحقائق ما يجري في الواقع من الحديث عن السلام والتطبيع.. وما إلى ذلك من المصطلحات الشائعة في هذه الأيام. فما جرى تحت هذه المسميات لا يتجاوز المظاهر إلى الحقائق التي تتمثل في حق تقرير المصير, واستعادة الحقوق, وممارسة السيادة (الحقيقية) على الأرض. والذي يهمنا في شأن الصفقة الاسرائيلية ــ الكرواتية ان هناك دروسا يمكننا الاستفادة منها. خاصة إذا تعرفنا على المزاعم الصهيونية التي صاحبت تلك الضجة التي أشرنا إليها. فحسب المصادر الاسرائيلية واليهودية, فإن كرواتيا لا تستحق أن تتعاون معها اسرائيل, لان قواتها ــ أي القوات الكرواتية ــ قد اشتركت مع النازية في المذابح التي استهدفت اليهود في الحرب العالمية الثانية, وان أياديها ملوثة بدماء اليهود (الأبرياء) . وتستدعي تلك الخلفية ــ بطبيعة الحال ــ وقفة خاصة معها لانتزاع اعترافها بذلك, واعتذارها عنه, ومن ثم تمهيد الطريق نحو المطالبة بتعويضات عن تلك المذابح والمجازر بعد اثباتها. تدافعت القوى السياسية والدينية في اسرائيل إلى الاسهام في تلك الحملة في الاسبوع الماضي. ولوحظ ان كافة الاتجاهات التي تمثل تلك القوى قد شاركت في تلك الحملة. وتبين بذلك انه لا خلاف في اسرائيل حول العديد من الثوابت التي تشكل أساسا لمصالحها الاستراتيجية وقد لقيت تلك القوى كذلك دعما اعلاميا غربيا هائلا, خاصة من قبل الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا. وعملت الصحف الغربية ومحطات التلفزيون هناك على بث صور ضحايا النازية في محاولة لاثبات ذلك وتأكيده في ذاكرة المشاهدين. مع عرض لقطات لوزير الدفاع الكرواتي الذي وصل إلى اسرائيل للتباحث بشأن تلك الصفقة. وقد شاهدت برنامجا حافلا بتلك المشاهد بثته محطة سي ان ان العالمية يوم الأربعاء الماضي 17 فبراير 1999. ولم تنس تلك الوسائل التذكير بتصريح الرئيس الكرواتي تودجمان, والذي أدلى به منذ عدة أعوام, وشكك فيه في حجم ضحايا الهولوكوست, مما أسهم في اشتعال تلك الحملة بعد اضفاء الصبغة الرسمية عليها من خلال الاستشهاد بتصريح رئيس الجمهورية التي كانت بصدد توقيع تلك الصفقة مع اسرائيل. ولم يشفع اعتذار تودجمان عن ذلك التصريح (الآثم) , والذي اضطر إليه بعد حملة سابقة استهدفته باعتباره شخصا معاديا للسامية. وهي التهمة الجاهزة لكل من يتجرأ على التشكيك في الرواية الصهيونية لضحايا النازية. والمصير المحتوم ــ في الغالب ــ لكل من يقع في (خطيئة) المساس بتلك الرواية, هو القضاء على الرصيدين السياسي والاجتماعي. الذي يستحق تتبعا في هذه الظاهرة ان هناك رصدا يهوديا عالميا لاحداث جرت قبل أكثر من نصف قرن, وما زالت لتلك الأحداث وتداعياتها آثار في سياسات الدولة اليهودية ومواقفها تجاه من تزعم انهم كانوا أطرافا لهم صلة بتلك الأحداث. وللتذكير فقط, فإن هناك أمثلة أخرى لتلك الأطراف التي وقعت ضحية للابتزاز اليهودي بزعم انها كانت مسؤولة عما جرى لليهود في تلك الفترة. ولعل أبرز ضحية في هذا السياق هي ألمانيا التي دفعت تعويضات هائلة لليهود قدرت حتى عام ,1997 وحسب تصريح رسمي أدلى به وزير خارجية ألمانيا آنذاك بنحو 60 مليار دولار. ليس هذا مجموع التعويضات التي ألزمت بها ألمانيا لانها مطالبة بالاستمرار في الدفع حتى عام 2030! ومنذ اقل من عامين في (يوليو 1997) اثير موضوع اخر له صلة بالشأن الذي نتحدث عنه, وذلك عندما فتح ملف البنك السويسرية التي اجبرت على الكشف عن موجودات وارصدة وارقام الكثير من حساباتها السرية, وذلك عندما اشتد الضغط الامريكي مع المجلس اليهودي العالمي على تلك البنوك لاجبارها على فتح سجلاتها, والمبررات التي ساقتها جماعات الضغط, وكما كتب الدكتور ادوارد سعيد في ذلك الوقت, لخصتها صحيفة نيويورك تايمز في 23/7/1997, وذلك عندما نشرت صفحتين كاملتين اشتملتا على اسماء اشخاص وحسابات بقيت غفلا منذ الاربعينات, وقدم شهود كثيرون معلومات عن حسابات في بنوك سويسرا تعود إلى يهود ذهبوا ضحية المحرقة النازية, ولهم ورثة لا يزالون على قيد الحياة مؤهلون قانونيا لتسلم المبالغ. تطور الامر بشأن تلك القضية إلى درجة ان عين الكونجرس الامريكي لجنة برئاسة بول فولكر, الاقتصادي المعروف والرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي, مهمتها الحصول على اكثر ما يمكن من المعلومات عن هذه الحسابات التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية, ونشر المعلومات, وبالتالي تحصيل الاموال للورثة, واثارت القضية اهتماما اعلاميا كبيرا في انحاء العالم, خاصة في الولايات المتحدة, وتصاعدت الضغوط على الحكومة السويسرية, واضطر عدد من المسؤولين إلى الاستقالة امام موجة الاستنكار الواسعة على ما اعتبر جشع السويسريين وتعنتهم. والذي حدث في نهاية المطاف ان تراجعت حكومة سويسرا عن موقفها السابق, وكشفت عن تلك الحسابات السرية العائدة إلى الحرب العالمية الثانية, وفي ذلك درس اخر دال على مدى التأثير الذي يمكن ان تحدثه دوائر الضغط اليهودية ومناصروها في العالم, غير ان الامر احدث ايجابية اخرى في الاوساط الغربية, كان بامكان العرب اغتنامها لاثارة الانتباه حول مأساة الشعب الفلسطيني والتذكير بحقوقه المسحوقة والمسلوبة بواسطة الطرف الذي ادعى الانسحاق والتضرر من الطرف النازي وحلفائه في الحرب العالمية الثانية. وقد نقل الدكتور ادوارد سعيد في المقالة ذاتها عن مجلة (ايكونومست) في يوليو 1997 انها نشرت تقريرا بعنوان (الشعب اللامختار) في اشارة إلى الشعب الفلسطيني, والمثير ان ذلك التقرير اشتمل على مناظرات جرت بين عدد من المؤرخين الاسرائيليين عن حجم مسؤولية اسرائيل وجيشها حيال عذاب الفلسطينيين, ويعلق الدكتور سعيد على ذلك بقوله: انه لا شك تطور مهم, لانها المرة الاولى منذ قيام اسرائيل التي يجري فيها اختراق جدار الانكار الرسمي والصمت عن كل ما جرى في العام ,1948 على رغم ان بعض المثقفين لايزال يصر على انكار الادلة الملموسة. الفرص التي تستدعي اثارة عربية بشأن (الهولوكوست الفلسطيني) حسب تعبير الاستاذ فهمي هويدي عديدة, ولها شواهدها الكثيرة عبر تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي حتى اليوم, بل ان مسيرة العلاقة بين الطرفين حافلة بالنماذج والأمثلة البائسة على الطرف العربي, ولا يمكن لضخامتها وهولها مقارنتها بما جرى لليهود خلال الحرب العالمية الثانية, لكنه وللاسف الشديد, لا يتم استثمارها على الطريقة اليهودية التي اثبتت براعة فائقة في سبيل تحصيل استحقاقات هولوكوستها. مدير جامعة زايد بالانابة