في طفولتي تصورت الموت شخصا جذابا.. مثيرا.. يلبس معطفا داكنا.. وينتقل بعربته الساحرة بين الحقول ليجمع الأزهار والثمار والأطفال.. ليدعوهم إلى نزهة في حدائق الله .. وكثيرا ما كنت أتخيل نفسي وقد تعلقت بعربة الموت الرمادية.. أو بمعطف الحوذي.. أو بحصانه ذي العنق الطويل والحوافر الذهبية. الأطفال لا يتصورون الموت بالبشاعة التي يعامله بها الكبار.. الأطفال والأنبياء والصوفيون يعاملون الموت معاملة الضوء.. أما الكبار فيعاملونه معاملة السموم القاتلة.. شر لابد.. ولا مفر منه. لكن.. يبدو ان موت الحكام والمشاهير شيء آخر.. مهرجان مفتوح في الهواء الطلق.. يتحرك الأبطال فيه على مسرح مكشوف.. يتكلمون لغات ولهجات مختلفة.. وإن اتفقوا جميعا على مظاهر الحزن.. وملامح التهجم.. وهو مشهد لا يمكن أن يفوت حملة الكاميرات الموصلة على الأقمار الصناعية ليبثوا العرض على الهواء مباشرة.. خاصة وان الذين يؤدون الأدوار على المسرح هم زعماء وقادة العالم.. فأي عرض يمكن أن يكون أكثر إثارة من هذا العرض؟. وليس هناك أدنى شك أن الثورة العلمية التي نعيش فورانها وغليانها ــ والتي استطاعت عبر عوالم التلفزيون أن تدخل كل بيت بوجوه وأصوات مشاهير وغير مشاهير ــ هي التي أدخلتنا إلى ما يسمى بعصر (النجوم اللامعة) .. وتسابق الساسة وغير الساسة من البارزين في شتى نواحي الحياة على استخدام هذه القوة الجديدة التي أصبحت تحت تصرفهم.. ولم يجرؤ أحد منهم على تفويت فرصة للظهور في أي مناسبة سياسية أو غير سياسية تتزاحم على تغطيتها الشبكات والأقمار مهما كانت مواقفهم من هذه المناسبات ومن أصحابها.. وعلى رأس هذه المناسبات جنازات المشاهير.. حيث تقمص الدمع والمغفرة والوفاء للفقيد أعلى درجات الدراما الإنسانية وأكثرها جاذبية للمشاهدين. إن جنازات الزعماء والمشاهير تبدو على شاشات التلفزيون أكثر تأثيرا من أفلام ومسرحيات شكسبير.. تبدو عروضا مبتكرة.. حية.. يختفي وراءها جيش من المخرجين والمصممين والمنفذين الذين يرسمون بدقة مسارها وطقوسها ويحددون أماكن الأبطال وأماكن الجمهور.. ومناطق الدراما والتوتر الفني.. وعناصر التميز والاختلاف... ومن ثم... كان عرض جنازة إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل ــ الذي خطفه الموت برصاص متطرف يهودي وهو يغني للسلام ــ يختلف عن العرض الذي قدمته جنازة الليدي ديانا التي قتلت في حادث سيارة غامض هي وحبيب القلب الأسمر بعد لحظات من العشق الذي حرمت منه.. وجاء عرض جنازة الملك حسين ليصبح أفضل العروض ــ بشهادة الجمهور والنقاد ــ حتى الآن.. ولا يبقى سوى انتظار جائزة من جوائز (الأوسكار) لأفضل الجنازات على الشاشة. ولعل سر جاذبية جنازة الملك حسين هو صاحبها فقط.. فهو قد ظل على العرش مدة تزيد عن الأربعين عاما.. مر عليه خلالها زعماء ورؤساء.. جاؤوا وذهبوا وهو في مكانه.. وجرت أحداث.. وتغيرت مصائر وخرائط وهو على ما هو عليه.. ثم ان حياته كانت مليئة بالمواقف الميلودرامية.. مؤامرات وصراعات وتحولات حادة من جانبه.. كان ينتقل فيها من النقيض إلى النقيض.. ومن الضد إلى الضد.. من القبلات إلى الطعنات. دون تفسير أو تبرير.. دون اخفاء أو تمويه.. دون كلمة اعتذار عن هذه التحولات والانقلابات الحادة.. فقد ذبح الفلسطينيين في أحداث (أيلول الأسود) في صيف 1970.. ثم احتضنهم في قطار التسوية السياسية.. وانحاز إلى صدام حسين في عملية احتلال الكويت وفي حرب الخليج.. ثم انقلب عليه.. وقبل ذلك كانت علاقته بجمال عبدالناصر نموذجا صارخا للتذبذب بين الأحضان والصفعات فيما سمي بالحرب العربية الباردة.. وهي الحرب التي لم تتوقف حتى الآن وأدخلت العرب إلى الشيخوخة.. وفشلت معها عمليات التجميل التي أجريت لهم.. فبقيت جلودهم مجعدة.. ونفوسهم مجعدة.. وسياستهم مجعدة.. ولم نعد في حاجة إلى جهد كبير لنكشف آثار هذه الشيخوخة في ضعف بصرنا وبصيرتنا.. وغياب شمس العقل واستيقاظ غريزة الثأر.. والدخول في جاهلية جديدة.. تفرض سطوتها على الجميع. إن البقاء مدة طويلة في الحكم قد يمنح الحاكم فرصة لتصحيح أخطائه وانتقاله من خانة المهزومين إلى خانة المنتصرين.. من الهامش إلى القلب.. ولعل طول العمر كان في خدمة السياسي البريطاني العجوز (ونستون تشرشل) ليقفز من زعيم مهزوم في حرب (البوير) إلى زعيم منتصر في الحرب العالمية الثانية.. لكن هذه الفرصة لم يمنحها القدر لجمال عبدالناصر الذي مات قبل أن يشهد لحظة العبور والنصر في أكتوبر 1973 بحوالي ثلاث سنوات.. على أن القدر منح أكثر من فرصة للملك حسين كي يموت في لحظة مناسبة.. ولم يمت في أوقات كان سوء الحظ وسوء السمعة من نصيبه.. ومن ثم كان مشهد النهاية سيكون مختلفا تماما.. وربما لن تكون فيه دموع وإنما حجارة. ومن جانبه هيأ الملك حسين المسرح لموته عندما قرر أن يشاركه العالم في أخبار مرضه الخطير.. ويوما بعد يوم.. وتقرير طبي بعد تقرير طبي أصبحت حالة الملك حسين الصحية حديث الناس ودراما مثيرة يتابعونها.. وهو ما جعل الناس تتعاطف معه.. وتشفق عليه.. وتطلب له الراحة من عذاب وشقاء المرض. ولا جدال أن ذلك جعل الناس يعتبرون تصرف الملك حسين تصرفا مسؤولا.. فقد صارح شعبه بحالته الخطرة.. ولم يعتبر صحته ومرضه من أسرار الدولة العليا.. أو من أسرار الأمن القومي.. يذهب من يكشفها أو يتحدث فيها وراء الشمس بتهمة الخيانة العظمى كما هو الحال في معظم دول العالم الثالث.. حيث لا يمرض الحكام إلا بالبرد والصداع فقط.. حسب النشرات الطبية التي تصدر عند اعتكافهم.. أو عند اختفائهم من نشرات الأخبار.. ولعل المثل الصارخ هنا ما نسب إلى الرئيس العراقي صدام حسين.. انه أصدر قرارا جمهوريا يمنعه ويمنع رجاله من المرض والعجز والترهل وظهور (الكرش) أو الشعر الأبيض.. والذي لا ينفذ هذا القرار مصيره الموت أو الطرد.. فالحكام في رأيه ليسوا بشرا يمكن أن يصابوا بالاسهال والسكر وتصلب الشرايين.. هم في رأيه أنصاف آلهة.. أو من النوع الخارق على طريقة (سوبر مان) أو (البيونك مان) . ولم يكتف الملك حسين بكشف أسرار مرض سرطان الغدد الليمفاوية الذي راح ينهش في جسده ويحطم خلاياه ويفترسها.. وإنما غادر مستشفاه الأمريكية وفاجأ أبطال اتفاق واي ريفر الأخير بين ياسر عرفات وبنيامين نتانياهو في واشنطن بحضوره التوقيع.. وكأن السلام في الشرق الأوسط أهم عنده من حياته وصحته.. وفي عصر سيطرت فيه الدراما على نشرات الأخبار وجد الملك حسين من يقدر ما فعل.. ومن ثم ازداد التعاطف معه.. وعندما عاد إلى وطنه ــ متجاوزا نصائح الأطباء ــ ليرتب الأوضاع بعد رحيله بدا أن بلاده وعرشه أهم من أيام اضافية يمكن أن يقضيها في الحياة.. ولم تنس عبقريته في التفاهم مع العالم بلغة (المديا) أو الاعلام المؤثرة أن تجعل الصورة التي استقبلته بها الكاميرات في مطار (عمان) هي صورته وهو يصلي على أقرب أرض أردنية وطأتها قدماه.. ولم ينس أن يقبل هذه الأرض.. وفيما بعد كان على صانعي الصورة الاعلامية الموحية والمؤثرة الاستمرار فيما صنعوه.. لذلك كان خبر حداد جواد الملك حسين ــ الذي بدا وحيدا ــ خبرا مهما في الصفحة الأولى في معظم صحف الدنيا. وليس تميز جنازة الملك حسين في تنظيمها أو في كمية الدموع والزهور أو في حركة الكاميرات في تغطيتها.. وإنما في هذا العدد الهائل من الزعماء والرؤساء والحكام الذين حرصوا بشدة على حضورها.. وقد وصل هذا العدد إلى ما يقرب من الخمسين شخصية.. هم الأقوى والأغنى والأكثر شهرة في العالم.. ولا أتصور أن تجمعا على مستوى العالم قد حدث من قبل على هذه الصورة.. إنها قمة سياسية من طراز فريد تجمعت في سرادق عزاء. لقد جاء الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ــ ومعه ثلاثة رؤساء سبقوه ــ ليلفت النظر إلى أهمية هذه الجنازة.. وكان حضوره اشارة البدء بتحويل الجنازة من حادث اقليمي إلى حادث دولي.. ولم يشأ منافسه الروسي ــ الذي يدوخ ويسقط كثيرا أمام الكاميرات ــ أن يترك هذه الثروة الهائلة من الأضواء.. فسارع بالسفر إلى عمان.. وعلى سلم الطائرة نسي أنه قادم للعزاء.. وراح يرفع يده بالتحية وكأنه في (ماتش) كرة.. وحتى تكتمل الصورة ــ بكل الظلال والرتوش ــ كان لابد من حضور القطب الأوروبي البارز جاك شيراك.. ثم راحت صفوف باقي الزعماء تتكون صفا بعد صف.. من ولي عهد بريطانيا إلى ولي عهد اليابان.. ومن ملوك وأمراء بلجيكا والدنمارك واسبانيا إلى حكام النمسا وألمانيا واليونان والهند.. وغيرهم.. ورغم ان لا أحد كان يضحك فإن الصورة كانت بكافة مقاييس الدهشة والتأثير.. (حلوة) . وجاء الحكام العرب في معظمهم.. المختلف قبل المتفق.. البعيد قبل القريب.. العدو قبل الصديق.. جاؤوا ليقولوا: ما أغرب الموت عند العرب.. ما أن يقع الموت عندنا حتى نفقد الذاكرة السياسية والتاريخية والانسانية.. وتصبح صفحة الراحل والفقيد فجأة صفحة بيضاء.. خالية من كل سوء.. ناصعة بكل خير.. وكأن الراحل الفقيد ولد ملاكا.. وعاش ملاكا.. ورحل عن الدنيا وهو يرفرف بجناحيه. لقد فشل العرب في عقد قمة تنقذ الحياة بمناسبة ما يجري في العراق من غارات أصبحت عادة ولم تعد تثير القلق أو الانتباه.. لكن الذين فشلوا في اللقاء على مائدة الحياة كان من السهل عليهم اللقاء في سرادق العزاء.. ففي السرادق كان ولي العهد الكويتي الشيخ سعد العبدالله وولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز.. وقد جاءا لينهيا أزمة العلاقات بين بلديهما والأردن والتي صنعها موقف الملك حسين المضاد في حرب الخليج.. بل ان دول الخليج لم تتردد في سرادق العزاء في أن تبدي استعدادها لتقديم الدعم المالي للأردن.. ووصف مسؤول سعودي الأردن بأنها العين والقلب بالنسبة لبلاده.. وعلى مقربة من حكام الخليج كان طه معروف نائب الرئيس العراقي.. لقد أتاح له الموت هذه الفرصة.. وهي فرصة لم تقدر على توفيرها الجامعة العربية.. ولا شعارات الاخوة العربية. وفي حضور الرئيس حسني مبارك.. كان الرئيس السوداني عمر البشير.. إن التصرفات السودانية التي تتسم بالتناقض بين ما يقال أمام الكاميرا وما يجري في الكواليس جعلت مصر يائسة من امكانية أن يسترد النظام السوداني وعيه وعقله وأن تكون تصرفاته بنفس حلاوة كلامه.. ومن ثم لم يعد مجديا أن تلتقي قيادتا البلدين.. لكن الموت أقوى من الحسابات السياسية.. وفي السرادق كان الرئيس الجزائري الأمين زروال.. لقد جعلت المذابح الدامية التي تجري بجنون غير مسبوق في الجزائر من الصعب على أي حاكم عربي زيارة الجزائر ولقاء رئيسها.. لكن الموت القادر على كل شيء في السياسة العربية حقق المعجزة.. والتقى الأمين زروال برفاقه الحكام قبل أن يترك الحكم.. وتحققت أمنية أتصور أنها كانت غالية. وكانت المفاجأة أو المعجزة في سرادق العزاء هي حضور الرئيس السوري حافظ الأسد.. إن اسرائيل كانت مصدر التوتر الدائم في العلاقات السورية ــ الأردنية.. ولم يكن أكثر المراقبين تفاؤلا يتوقع أن تصفو الأجواء الملبدة بالغيوم في سماء هذه العلاقة.. لكنها معجزة الموت على الطريقة العربية التي جاءت بالرئيس حافظ الأسد إلى عمان بعد أن أعلن تأجيل الاستفتاء على فترتة الرئاسية الجديدة.. ولم يكن من الصعب على المراقبين أن يلحظوا وجود الرئيس السوري في نفس سرادق العزاء الذي تواجد فيه أكبر الوفود وهو الوفد الاسرائيلي.. فقد ضم الوفد 32 شخصية من كافة المؤسسات الرسمية.. منهم رئيس الدولة عيزرا وايزمان ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ورئيس البرلمان (الكنيست) دان تيخون وزعيم المعارضة (العمالية) أيهود باراك.. بخلاف عدد من الوزراء والجنرالات والحاخامات.. لقد التقت أطراف ما كانت تفكر في اللقاء.. لكنها معجزة الموت عند العرب. ولو كان العرب قد نجحوا ــ بمعجزة الموت ــ فيما فشلوا فيه استجابة لإرادة الحياة وعقدوا قمة في سرادق عزاء لا في مقر الجامعة العربية فإن الأيام علمتنا أن هذا النجاح سرعان ما يذوب مع ذوبان الأحزان.. ولن يكون الموت سوى فرصة مؤقتة لذكر محاسن الفقيد.. تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه.. فقد انهمرت الدموع انهارا في جنازة جمال عبدالناصر.. ووحد سرادق العزاء ما بين الزعماء العرب.. ثم خرجت من تحت المعاطف والعباءات المدافع والخناجر.. وكان ما كان. ولعل ذلك ما جاء يفعله بعض زعماء العالم الذين جاؤوا إلى جانب العزاء ليضمنوا مصالحهم في المنطقة.. فالأردن رغم انه دولة صغيرة لكنه دولة تتمتع بموقف شديد الحساسية والخطورة في المنطقة.. فهي على بعد خطوات من اسرائيل.. ولو لم يكن فيها نظام حكم معتدل لتضاعف التوتر في المنطقة.. وهو ما يفسر وجود أربعة رؤساء للولايات المتحدة كان معظمهم طرفا مباشرا في عمليات التسوية السلمية في الشرق الأوسط.. وكان معظمهم ضامنا لأمن اسرائيل ولبقائها على قيد الحياة بغض النظر عن من يحكم جيرانها.. وبغض النظر عن طبيعة علاقاتها مع هؤلاء الجيران.. وهو ما يفسر وجود الوفد الاسرائيلي الكبير والمتنوع في سرادق العزاء.. لقد جاء الجميع من اسرائيل ليحسوا بأنفسهم ما يجري وليستشرفوا بدون وسطاء توقعات المستقبل.. ولا مانع من قليل أو كثير من الدموع.. فقد تعودوا على البكاء حتى أدمنوه.. وهم أسرع من يبني في أي مكان حائط مبكى. ولم يأت رؤساء الولايات المتحدة فقط من أجل اسرائيل وإنما جاؤوا أيضا من أجل العراق.. إن الأردن هو بوابة العراق منذ أن فرض عليه الحصار.. وهو الجسر الجغرافي والقبلي بينه وبين الخليج.. وليس من السهل تركه للرياح والعواصف بعد رحيل الملك حسين وقضية العراق لم تحسم ولم توضع في صياغتها الأمريكية النهائية. لقد جاء العالم إلى جنازة الملك حسين ليس فقط للعزاء وإنما أيضا لترتيب الأوضاع في المنطقة.. فعند البشر وكما في السياسة لا يجوز أن يكون الموت ويكون معه خراب الديار.. لكن هذه الفلسفة التي خرجت من أعماق تجاربنا الانسانية السحيقة استفاد منها الغرباء الذين يتحكمون في أقدارنا ومصائرنا.. ولم نستفد نحن العرب منها.. فكل ما تعلمناه على مدى الدهر أصبح بضاعة للتصدير.. لا للاستهلاك المحلي.. فنحن أقدم حضارة وأضعف ذاكرة. كاتب مصري