لن يصدق أحد أن السلطات التركية وحدها هي التي نجحت في تعقب عبدالله أوجلان واصطياده, وأن ليس ثمة دور, يكبر أو يصغر, للمخابرات الأمريكية والاسرائيلية, فالمصالح والتعاون بين تركيا وكل من أمريكا واسرائيل أكبر من عبدالله أوجلان وقضيته الكردية, لذلك انتصرت هذه المصالح, على كل المبادئ, مما سنعود إليه لاحقاً . ورغم ان السلطات التركية تلوذ بالصمت ولا تزيد سوى ان هناك جوانب سرية في عملية اختطاف أوجلان ويجب ان تبقى سرية, فان الصحف في تركيا تجمع كلها تقريبا على دور مهم للمخابرات الأمريكية بفرعيها الـ (سي. آي. ايه) والـ (اف. بي آي) ولجهاز الاستخبارات الاسرائيلية الخارجية (الموساد) , فدقة التعقب ومفاجأة العملية وسريتها ونجاحها, دليل على تعاون استخباراتي واسع. أما عنصر المؤامرة أو بالأرجح الخيانة والتواطؤ, فلا أحد يستطيع ان ينكره أىضاً, سواء من قبل اليونانيين الذين أرادوا عملية الاختطاف والاعتقال بعيدا عن أراضيهم فزينوا لأوجلان السفر الى سفارتهم في نيروبي ليبعدوا عنهم الشبهة, أو من قبل الكينيين الذين وافقوا على هبوط طائرة أوجلان بطلب تركي ثم وافقوا على خروجه من أراضيهم أىضاً, وما بين هذا وذاك ثمة أدوار أخرى صغيرة تشير الى تواطؤ وشراء ذمم وتبادل مصالح وغير ذلك. طبعاً من أقدار الارهابيين والثوريين والمعارضين والمتمردين, أياً ما تكون التسمية أو النشاط الذي يقومون به, هو أن يسقطوا في النهاية في أيدي السلطات التي تتعقبهم لجرائم ارتكبوها في نظر هذه السلطات, ويزيد هذا القدر على هؤلاء ويحكم طوقه أكثر ليبعدهم عن انتصارهم هو تجفيف ما حولهم من منابع ومياه يسبحون فيها, حين يتخلى عنهم الأصدقاء, أو يصبح وجود هؤلاء الاصدقاء صعباً, لأن هؤلاء تحولوا أو لم يعد لهم وجود أكثر مما كان. هكذا سقط الارهابي كارلوس في السودان ليلحقه عبدالله أوجلان في كينيا, بعد اختفائه سنوات ومطاردته, لأن المنظمات الثورية والأحزاب التحررية التي كانت تقدم له العون والغطاء ويسبح فيها اما انها لم تعد موجودة وإما انها أضعف من أن تحمي نفسها, لينتهي كل منهم أسير حماية دول ليس لها أمان, وتضع مصالحها فوق كل اعتبار أخلاقي أو سياسي. والمفارقة انه اذا كانت اسرائيل ضليعة حقاً في اعتقال أوجلان الذي ينادي ويناضل منذ سنوات من أجل وطن قومي للأكراد وحقوق لهم, فانها تكون قد خانت ما قامت على أساسه أيضاً من شعارات ومبادئ وحقوق تزعمها, حين ساعدها الغرب وبقية العالم في اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين, وتستكثر اليوم على الاكراد أن يكون لهم وطنهم القومي, فتعتقل زعيماً لهم. والمفارقة نفسها نجدها في موقف الولايات المتحدة التي تدعي حماية حقوق الانسان وحقوق الأقليات, التي منها اليوم تنسيقها مع أكراد العراق واقامة منطقة آمنة لهم كمثال, وذلك بحكم كونها مجتمع أقليات في الأصل, وفي الوقت نفسه لا تتردد في المساهمة في اعتقال أوجلان لاجهاض ثورته, غير اننا تعودنا من الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل, ان المصالح فوق كل شيء, حتى لو كان الثمن المبادئ نفسها, فهذه نسبية وحسب المصالح!