عندما دعا تيودور هيرتزل لإنشاء الكيان الصهيوني كان يرى أن أقدر الناس على إنشائه جيش من البائسين, ومنذ نشأة هذا الكيان حتى الان يتلقى الأطفال المولودين فيه تربية عنصرية دموية ذات ديباجات دينية , وعلى هذا التراث نشأ هذا الجيل على أرض فلسطين المغتصبة وقضوا زهرة عمرهم يشاهدون حالة من العنف المستمر, فلم يعرف هذا الجيل سوى هذه الأرض وطناً ولم يعرفوا سوى العنف ثقافة, وقد كان من بين جيل المؤسسين من أقدم دون خوف على توقيع اتفاقات تسوية دول الجوار بعد أن شعروا أن ما أنجزوه للمشروع الصهيوني يمكن أن يكون مبرراً لفترة من التوقف عن القتال, ومن هنا كان سلوك بيجن ورابين وبيريز, ومع مجيء نتانياهو بدأ عهد جديد في تاريخ الكيان الصهيوني. تشكل المرحلة التي بدأت بتولي بنيامين نتانياهو رئاسة الوزارة في الكيان الصهيوني عهداً جديداً على مستويات عدة, فالجيش الصهيوني الذي يسرح ضباطه على أعتاب العقد الخامس من العمر يمد الحياة السياسية بشكل دائم بقيادات شابة دمغتها المؤسسة العسكرية بطابعها وشكلت اهم ملامح فكرها ومع تقلص الدور الذي لعبه (الآباء المؤسسون) من بن جوريون الى رابين ظهر جيل جديد لم يهبط على أرض فلسطين مهاجراً من وطن أصلي ولذا فإنه في علاقته بهذه الأرض ليس في حاجة الى قدر مبالغ فيه من الحنين الرومانسي [النوستالجيا] تجاه هذه الارض. وقد ترافق هذا العامل الجيلي مع عامل اخر عرقي كان له اثر كبير في تشكيل الكنيست الثالث عشر [1996] فالطابع الاشكنازي الفاقع الذي كان يميز المؤسسات السياسية في الكيان الصهيوني تقلص الى حد كبير بفعل تغير الموازين الديمغرافية لصالح اليهود الشرقيين الذين كانوا يشعرون دائماً بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ومع بداية عقد الثمانينات وبالتحديد في 1983 اسس السفارديم المتدينون حزب [اتحاد حراس التوراة السفارديم] المعروف باسم شاس, وبعد قيامه بقليل كان له في الكنيست ستة مقاعد فاز بها في انتخابات 1988 زادت الى عشرة في انتخابات 1996. ولم تقتصر التغيرات على العوامل الجيلية والعرقية فظهر في الكيان الصهيوني إحياء ديني واسع النطاق بدأ يترجم نفسه الى أرقام في معادلات القوة السياسية داخل الكيان الصهيوني, ويصف المراقبون هذا التغير بأنه حول التيارات الدينية من شريك متواضع في الحكم الى عامل حاسم, ويرى عالم الاجتماع الصهيوني سامي سموحا الاستاذ بجامعة حيفا ان الصعود الديني زاد تآكل الهيمنة الاشكنازية على مقاليد الامور اذ يشكل الاشكناز العمود الفقري للاتجاهات العلمانية بمختلف تشكيلاتها. الدولة والمستوطنون وبترافق هذه العوامل [الجيلي, العرقي, الديني] ظهرت بقوة الجماعات الاستيطانية المسلحة ووجدت انصاراً لها بين المتدينين من الفئات العمرية الأصغر سناً, وتسلحت بالفكر الصهيوني الديني العنصري لتشكل عنصر ضغط على القرار السياسي في الكيان الصهيوني, وقد بلغ خطر هذه الاتجاهات حد التهديد بخوض حرب ضد الدولة وتحريض جنود المؤسسة العسكرية على التمرد على أية تعليمات بالتخلي عن الأرض, وتصاعد الحديث عن احتمال تفجر الكيان الصهيوني من الداخل بفعل الاستقطابات العرقية والدينية الحادة داخله. ورغم وجود اتجاهات داخل الكيان الصهيوني تسعى للحفاظ على الوجه القديم للكيان الصهيوني ونخبته الحاكمة التي ظلت اشكنازية وعلمانية, فإن الخطر كان اكبر من محاولات الوصول لحل وسط, ويشكل تبني نتانياهو للمواقف المتشددة التي تؤمن بها النخبة الجديدة للكيان الصهيوني اجراء ضرورياً للحفاظ على بقاء الكيان الصهيوني صلباً متماسكاً, والاختبار الحقيقي الذي يتعرض له حكمه هو مدى قدرته على المواءمة بين الهدف الداخلي وبين الرؤية الامريكية للمسار الذي ينبغي ان يتخذه الكيان الصهيوني, ففي ظل وجود افتراق واضح بين الرؤيتين ــ ربما للمرة الأولى منذ نشأة الكيان الصهيوني ــ اتجه نتانياهو الى آلة الضغط الصهيونية داخل الولايات المتحدة الأمريكية لتضييق المسافة بين رؤيته ورؤية الادارة الأمريكية. وقد أغرى نجاح نتانياهو الكثيرين من أبناء جيله للسعي للوقوف في الصف الأول بعد أن أوشك جيل المؤسسين على الانسحاب من الحياة السياسية تماماً إما بالسعي لرئاسة الوزارة أو تأسيس أحزاب جديدة تكرس تفتت الاحزاب الاشكنازية التي ظلت لخمسة عقود تحكم الكيان الصهيوني, وتؤسس مشروعية جديدة في جوهرها مشروعية اعلامية تحل محل مشروعية الماضي العسكري التي أهلت الجيل السابق لمواقع القيادة في كيان يجتهد ليكون دولة في ظل تضاءل ملموس للخطر الخارجي وتعاظم مخيف للأخطار الداخلية. باحث مصري