بعض الشخصيات التاريخية تتكرر بشكل يعيد الى الأذهان بعض الأفكار عن مسألة التناسخ التي لا يؤمن بها فقط سكان العالم المتخلف هربا من التفكير العلمي , بل يؤمن بها أيضا عدد كبير من سكان العالم المتقدم, ويعقدون حولها الجلسات العلمية وغير العلمية, ولكن مسألة التكرار أو التناسخ بالنسبة للشخصيات السياسية لا تشبه ذلك التناسخ الذي تشير اليه الحكايات الاسطورية, وهو ما يشير الى التساؤل في كثير من الاحيان عندما يتعلق الأمر بشخصية غير معروفة تقفز الى صفحات التاريخ قفزا, ويناط بها دور تلعبه في حياة شعوبها والشعوب المجاورة لها, عندما يبرز التساؤل, ويعاد طرح النظريات المختلفة بما فيها نظرية التناسخ. برز هذا التساؤل في الحياة السياسية الدولية عندما بزغ فجأة نجم الضابط الانقلابي السابق هوجو تشابث, الذي انتقل من السجن الى شوارع فنزويلا ليحوز على ثقة الجماهير, وتختاره رجلها المرشح لقيادة بلاده للدخول الى عالم القرن الواحد والعشرين, الذي أصبح يشكل هوسا بالنسبة لبعض السياسيين الذين يريدون دخول التاريخ بمجرد ذكرهم كحكام لبلادهم عند الانتقال من قرن إلى آخر, وليس مهما بعد ذلك نوعية هذا الانتقال. ما أن صل الكولونيل هوجو تشابث الى مقعد الرئاسة في فنزويلا حتى برز محللو كل تلك النظريات, وأكثر النتائج حماسة كانت تشبهه بالجنرال الأرجنتيني الراحل (خوان دومينجو بيرون) , الشهير باسم زوجته (ايفيتا بيرون) التي تحولت الى اسطورة, تشابث يشبه بيرون في أفكاره وطريقة تحقيقه الوصول الى كرسي السلطة, فإذا كان الكولونيل السابق ورئيس فنزويلا منذ الرابع من فبراير الجاري هوجو تشابث بدأ حياته في سلك العسكرية, ودشن مسيرته السياسية بانقلاب عسكري عام 1992, فإن الجنرال بيرون يشبهه في هذا تماما, حيث بدأ حياته عسكريا ليقود بعد ذلك انقلابا ضد نظام بلاده السياسي. الدوافع للقيام بالانقلاب العسكري ودخول المعترك السياسي بعد ذلك تكاد تكون واحدة, فالكولونيل هوجو تشابث أعلن منذ البداية انه رافض للأحزاب السياسية في فنزويلا, وحملها مسؤولية الحالة الاقتصادية المتردية التي تعيشها البلاد, الأمر نفسه كان أيضا دافعا للجنرال بيرون عندما قام بانقلابه الأول معلنا انه جاء ليقيم حياة سياسية بعيدة عن الأحزاب التقليدية, التي لا هم لها سوى التمتع بالسلطة, واهمال مصلحة البلاد. لجأ كل منهم الى (الديماغوجية) في تعامله مع الشارع السياسي في بلاده, ووجد كلاهما جماهير تبحث في يأس عن منقذ لها من تلك الأحزاب, ولقي كلاهما نجاحا في جذب تلك الجماهير, بل ان اعلان الكولونيل هوجو تشابث يوم توليه منصب رئاسة فنزويلا انه جاء ليبقى على الأقل لعشر سنوات, تحت ستار تجديد الحياة السياسية من خلال اقامة نظام يعتمد على أفكار جديدة لم تعد تمثلها, أو تستطيع ان تتمثلها الأحزاب القائمة حاليا يشبه تشبث بيرون برئاسة الأرجنتين. فاز كلاهما بثقة الجماهير في الانتخابات الأولى التي خاضها مع وجود الفارق الزمني, وحتى الجغرافي, فالجنرال بيرون فاز بأغلبية مطلقة على تحالف الأحزاب التقليدية التي جرت في الارجنتين عام 1946, فيما فاز الكولونيل هوجو تشابث بأغلبية واضحة ضد مرشح الاحزاب التقليدية في الانتخابات التي جرت مؤخرا في فنزويلا, وهذا يمثل تشابها آخر. اذا كان الجنرال بيرون قد استخدم زوجته (ايفيتا) وحولها الى اسطورة ساعدته على البقاء في السلطة, والعودة اليها عندما انقلب عليه عسكر بلاده, فإن زوجة الرئيس الفنزويلي الجديد هوجو تشابث قررت ان تسير على الطريق نفسه, وذلك بصبغ شعرها باللون الأشقر باعتباره لونا محببا في فنزويلا التي تعتبر أما لتفريخ جميلات الكون. كل من هوجو تشابث وبيرون عندما جلسا على مقعد السلطة لم يكونا على وعي اقتصادي, وهنا يكمن الاختلاف بين الوضع في فنزويلا عندما تولى رئاستها الكولونيل تشابث قبل أسبوعين, حيث تعيش أزمة اقتصادية حادة لا تقبل بأي نوع من أنواع التجريب بين الأشكال والنظريات الاقتصادية المختلفة, بعكس الأرجنتين على عهد بيرون, والتي كانت تعيش حالة اقتصادية منتعشة, واستطاعت ان تصدم للتجارب الفاشلة التي خاضتها في زمن ولايات الجنرال بيرون. أيضا كان الوضع في زمن بيرون مختلفا عن الوضع الحالي الذي يعيشه العالم كله نتيجة لنظريات العولمة, التي تحاول ان تقيد من حركة الاوطان وتربطها في عربة كونية تصعد مع صعودها وتهبط بهبوطها. لكن المحللين لايرون في هذا فارقا كبيرا, خاصة بعد أن تحول أكثر من رئيس دولة في أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة ما بين نظرية وأخرى على الرغم من افتقادهم للخبرة عند وصولهم الى كراسي السلطة, وهذا حدث مع (آلان جارثيا) و(فوجيموري) في البيرو, والرئىس (كارلوس منعم) في الارجنتين. بل أن الرئىس البرازيلي الحالي يعتبر نموذجا بارزا في التحول من نظرية اقتصادية الى أخرى, فقد كان كتابه الذي كتبه عن الاقتصاد خلال فترة توليه وزارة الاقتصاد في بلاده إنجيلا لكل الاحزاب اليسارية, التي رفعته الى ما يقرب من تفكير ماركس وانجلز, وعندما تولى رئاسة الدولة تحول تحولا من الصعب التفكير في حدوثه لدى أي شخصية سياسية أخرى, وهو الأمر الذي يجعل بعض كبار الصحافيين في أمريكا اللاتينية لا يستبعدون حدوث هذا مع الرئيس الفنزويلي الجديد, واشار الكاتب العالمي جابرييل جارثيا ماركيز الى ذلك في مقال له, أكد فيه أننا عندما نقف أمام هوجو تشابث فإننا نقف أمام شخصيتين متناقضتين. قبيل تولي السلطة حاول الرئيس الفنزويلي المنتخب هوجو تشابث الهروب من المقارنة بين صور الانقلابيين في امريكا اللاتينية وصورته السابقة كضابط انقلابي سابق حاول ان يصل الى السلطة من خلال الانقلاب العسكري الذي قاده عام 1992, لذلك قام بعد فوزه في الانتخابات مباشرة بتسويق صورة جديدة لشخصيته خلال زيارة قام بها الى عدد من الدول الاوروبية, بدأها في اسبانيا التي تعتبر المعبر الرئيسي لأي مسؤول امريكي لاتيني يحاول فتح حوار مع اوروبا الغربية, قدم خلال تلك الزيارات مشروعه الخاص للخروج ببلاده من الفساد العام المستشري الى عالم ديمقراطي يتكون من مؤسسات سياسية جديدة تحت شعار إقامة (الجمهورية الخامسة) . وبدأ في الدعوة الى نوع من الافكار تقوم على اسس التحرر (البوليفارية) سيمون بوليفار مؤسس حركة تحرير امريكا اللاتينية الاولى وهو ما حاولت الاحزاب التقليدية ان تؤكد ان وراء هذه الدعوة (البوليفارية) تكمن الشخصية الدكتاتورية الحقيقية للرئىس هوجو تشابث. واكد دائما على أن الثابت في مشروعه الانتخابي, البحث عن نقاط للقاء بين السياسة الامريكية التي يعترف بهيمنتها عالميا والتكتلات السياسية والاقتصادية التي بدأت تنشأ في منطقة امريكا اللاتينية, مثل تجمع (ميركوسور) الذي يضم الارجنتين والبرازيل والاورجواي كأعضاء اساسيين, وكل من التشيلي والبارجواي كشركاء, وايضا تجمع الانديز الذي تتزعمه البيرو, معللا بأن زياراته الاولى خارج بلاده كانت لكل من البرازيل والارجنتين وكولومبيا والمكسيك, للتأكيد على هذا التوجه. هذا الاعتدال الذي يحاول الكولونيل الانقلابي السابق أن يجمل به صورته امام العالم, وبشكل خاص الولايات المتحدة, يقتصر فقط على ما يمكن ان تكون عليه سياسته الدولية بعد توليه السلطة, مما يعني انه لن يدخل تعديلات جذرية على تحالفات فنزويلا القائمة بعكس ما كان مفهوما من شعاراته السابقة, لانه يعرف تماما الخطر الذي يمكن ان يتعرض له من جانب القوة الرئيسية في تلك المنطقة, التي لن تسمح بأي حال من الأحوال بأي تغيير يعرض مصالحها للخطر. إذا لم يستقر الرئىس هوجو تشابث على وضعه الحالي متعلما مما يمكن ان تفرضه عليه الاوضاع الدولية, فإن احتمالات ان يتحول الى (الليندي) أو (فيدل كاسترو) أو إلى (دانييل اورتيجا) قائمة ايضا, فنحن ــ كما يقول جابرييل جارثيا ماركيز ــ امام شخصية تملك التحول في أي اتجاه. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا