العالم العربي يتوسط قارات العالم القديم المعمورة, آسيا, وأوروبا, وافريقيا, وهو في وسط العقد من تاريخ الإنسان الديني, والفكري, والثقافي, والاقتصادي, وحتى ثلاثة قرون مضت كان جزءا من النظم السياسية الإسلامية السلطات العثمانية, والصفوية, والمغولية التي هيمنت على السياسة الدولية , ثم كانت الطفرة التاريخية الكبرى التي اندفعت بموجبها أوروبا الى هيمنة امبريالية بسطت امبراطورياتها الأسبانية, والبرتغالية, والبريطانية, والفرنسية, والايطالية, والروسية, والألمانية السلطان على العالم. الامبراطوريات الأوروبية تناحرت واضطربت وعصفت بها الحربان العالميتان: الأولى (14 - 1918م), والثانية (39-1945م) والثورة البلشفية 1917م. وبعد الحرب العالمية الثانية انتهى التاريخ إلى قوتين عظميين, الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, دخلت الدولتان وحلفاؤهما في تنافس جسدته الحرب الباردة (45-1991م) التي أفضت الى انتصار المعسكر الشرقي والغربي فإن الأسرة الدولية أقامت تنظيما دوليا جماعيا هو عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية, ونظام الأمم المتحدة بعد ذلك. ان ميثاق الأمم المتحدة وجمعيتها العامة ومنظماتها المتخصصة مشدودة إلى مثل عليا نبيلة وعاملة بقواعد ديمقراطية, لكن مجلس الأمن منقوص الديمقراطية يعطي امتيازات دائمة للحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. إلى جانب الأمم المتحدة قامت منظمات اقتصادية دولية: البنك الدولي, وصندوق النقد الدولي, المؤسسات الاقتصادية الدولية خاضعة للأوزان الاقتصادية للدول. كان التوازن الاستراتيجي اثناء الحرب الباردة كفيلا بخلق تعادل في النزاعات الاقليمية والدولية وكان سببا في دفع معونات اقتصادية وعسكرية من القطبين الى الدول المحالفة لهما والمحايدة, وبنهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي تمدد السلطان الأمريكي ليفرض قطبية أحادية جعلت المؤسسات السياسية والاقتصادية الدولية أصداء للسياسة الأمريكية. خيارات الواقع الاستراتيجي الدولية النظام الدولي الجماعي بشكله الحالي لا يستطيع ضبط الحياة الدولية لأنه يتعامل مع أعضاء ذوي سيادة وقوة, وهو بلا سيادة عليها ولا قوة لذلك لايمكن أن يقوم الواقع الاستراتيجي الدولي إلا على أساس واحد من ثلاثة خيارات: الخيارالأول: دولة تتوافر لها من أسباب القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يمكنها ان تكون بمثابة الشرطي العالمي وتمنحها الأمم المتحدة شرعية صورية لأفعالها. الخيار الثاني: أن تصبح الوحدات المكونة للأمم المتحدة ــ الدول ــ متكافئة القوة العسكرية والاقتصادية وأن تجري اصلاحات ديمقراطية لنظام الأمم المتحدة على نحو ما هو الحال في الاتحاد الأوروبي حالياً. الخيار الثالث: وجود تكتلات عالمية حقيقية في توازن قوة بينها على نحو يفرض الاحترام المتبادل. ان وضع الولايات المتحدة اليوم أشبه بالخيار الأول, ولكن الدراسة الفاحصة لأوضاع الولايات المتحدة تظهر ان ثمة نقاط ضعف كثيرة سياسية, واقتصادية واجتماعية, وحضارية تحول دون بلوغ الولايات المتحدة موقع الهيمنة التامة المذكورة, لقد تناول هذه النقاط بدراسة مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبجنيو بريجنسكي في كتاب (الانفلات الدولي) وعدد ما يحول دون الهيمة الأمريكية العالمية التامة, ومهما اختلفت الرؤى النظرية, فإن مشاهدة الأحداث الدولية كافية فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تقوم بالدور الدولي القيادي في حرب الخليج الثانية (91-1992) ضد العراق, ولكن ها نحن اليوم في فبراير 1999 نشهد ان العراق يتحدى الولايات المتحدة وان التحالف الذي كان يقف الى جانبها لم يعد قائما! وصوت حلفاؤها الأوروبيون عدة مرات ضدها في مجلس الأمن, وتقف ضدها فرنسا في منطقة البحيرات العظمى في أواسط افريقيا, وتضطر ان تقبل مواقف اقتصادية يابانية وسياسة صينية تتعارض مع موقفها. الخيار الثاني ممكن لو ان الدول متكافئة على نحو ما هو الحال في دول أوروبا الغربية, ولكن هذا غير صحيح, بل ان التطورات الاقتصادية العالمية تؤذن بزيادة تفوق دول الشمال الغنية على دول الجنوب الفقيرة.ان اعتماد العالم على آلية السوق الحر وتحكم عوامل العولمة مع تنصل من الأسرة الدولية والدول الغنية عن واجب مساعدة الدول الفقيرة عوامل تنذر باتساع فجوة الثراء والفقر في العالم وتهميش كثير من دول الجنوب لدرجة تصبح معها ميادين لحركات احتجاج ورفض تتجاوز الحدود. الخيار الوحيد المعقول والمحتمل هو قيام تكتلات عالمية حقيقية تتوازن فيما بينها وتفرض الانضباط على بعضها بعضاً والاحترام المتبادل. المؤثرات على سلوك الدول النظريات المادية وعلى رأسها الماركسية تعتبر المصالح المادية الأساس المتحكم في المجتمعات الانسانية, وما الدول الا ادوات لطبقات اجتماعية وما سلوكها الا تعبيرا عن مصالح تلك الطبقات. بعد نهاية الحرب الباردة رأينا نظرية مناقضة تماماً هي صدام الحضارات كما صورها الكاتب الأمريكي صموئيل هنتجتون. الحقيقة هي أن محاولة العثور على أساس واحد لتفسير سلوك الدول غير مجدية, هنالك ثلاثة عوامل موضوعية اثرت وسوف تؤثر على سلوك الدول هي: ــ مصالحها. ــ مبادئها. ــ انتماؤها الحضاري. إلى جانب تلك العوامل عوامل ذاتية تتعلق بالقيادات والقوى السياسية المسيطرة فيها, على ضوء هذه الحقائق فإن التكتلات المتوقع ان تتحكم في أوضاع العالم في بداية القرن الواحد والعشرين هي: العوامل الاقتصادية والاستراتيجية الحالية تجعل المعسكر العالمي الأول بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, القيادة الأمريكية العالمية لا تسمح بقيام دولة أوروبية تسيطر على أوروباوتنافس القيادة الأمريكية, ولكن ستواجه الهيمنة الأمريكية منافسات من المواقع الآتية: أولاً: سيكون الاتحاد الأوروبي مع تبعيته الاستراتيجية لأمريكا منافسا تجاريا لها, وفي داخل الاتحاد الأوروبي ستكون المنافسة الاقتصادية الألمانية أعلى صوتاً لاسيما فيما يتعلق بالعلاقات بشرق أوروبا, وستكون منافسة سياسية فرنسية لاسيما في العلاقة الفرنسية الخاصة بأفريقيا والعالم العربي. ثانيا: ان روسيا لم تحاول ولم تستطع ان تحل محل الاتحاد السوفييتي بل تقلص دورها لدرجة تمدد حلف ناتو في دول جوارها وتمدد النفوذ الامريكي نحو آسيا الوسطى. ولكن في مجال واحد مهم ورثت روسيا الاتحاد السوفييتي المجال العسكري, ان روسيا كقوة عسكرية سوف تكون منافسة للولايات المتحدة وان استطاعت كما يتوقع ان تتجاوز مرحلة جلد الذات الى الايجابية فانها سوف تتخذ هوية بديلة سيكون وزنها القاري في اوروبا وفي اسيا حيث لروسيا وجود جيوبوليتيكي وفي المحيط الدولي. ثالثا: الولايات المتحدة كما هي دولة اطلسية فانها من دول المحيط الهاديء, وهذان الموقفان يساعدانها على الهيمنة الدولية وبموجبها لا تستطيع ان تقبل قيام دولة مهيمنة في آسيا. ولكن سوف تجد هيمنتها تحديا من: - اليابان على الصعيد التجاري والاقتصادي. - الصين على الصعيد السياسي والعسكري. لن اخوض في تفاصيل ما سوف يحدث في كل انحاء العالم لان ذلك سوف يخرج عن نطاق اطروحتي. ولكن يكفي ان نوضح ان الاطراف التي كانت مستقطبة في الحرب الباردة سوف تدخل في تنافس وتوازن جديدين احد طرفيه الغرب بقيادة الولايات المتحدة مع تراخي الروابط لتصبح فضفاضة وتسمح بهامش اكبر من الحركة وسوف يكون هناك طرف اوروبي تقوده روسيا عسكريا, والمانيا اقتصاديا, وفرنسا سياسيا وثقافيا. وطرف آسيوي تقوده اليابان اقتصاديا, والصين عسكريا وسياسيا. هذه التكتلات سوف تتفاعل وتتداخل وتتحالف استراتيجيا واقتصاديا لاحتواء بعضها البعض ولن تقتصر التحالفات على الوحدة الجغرافية بل سوف تتعداها لتكوين توازنات دولية. روسيا بعد الحرب الباردة الاتحاد السوفييتي قاوم الاصلاح والتجديد لفترة اطول مما يلزم, فلو ان اتجاه خروتشوف الاصلاحي (1956م) تواصل لامكن احداث اصلاح جذري في الوقت المناسب. البروسترويكا والجلاسنوست كمشروع اصلاحي جاء متأخرا او غير منهجي, فالصين مثلا قدمت الاصلاح الاقتصادي على السياسي بصورة جعلت التدرج ممكنا, جورباتشوف خلط الامرين مراعاة للتأخير لذلك استفز العناصر المحافظة فانقلبت عليه بصورة فتحت الطريق لقيادة بوريس يلتسن الذي اندفع في اتجاه اشبه ما يكون بالقفز على الواقع وسلخ الجلد تبنيا لرأي الخصم, لذلك اندفع في اتجاه اعتبار الموروث السوفييتي شرا كله, والخيار الغربي بانه خير كله, اتجاه يلتسن يواجه رفضا شيوعيا ورفضا قوميا روسيا ولم يحقق النجاح المتوقع. التطوير المنتظر في روسيا هو تطور يعيد اكتشاف الايجابي والنافع في التجربة السوفييتية ويشبع الاشواق الروسية القومية والدينية ويستصحب الديمقراطية واقتصاد السوق الحر بصورة تلائم الظروف الثقافية والاجتماعية لروسيا, فقدت روسيا هويتها السوفييتية وهي الآن تعاني من تلمس الطريق الى هوية بديلة ستجدها حتما لان لروسيا دورا تاريخيا لايمكن اسقاطه وان تعثر تحقيقه لاسباب طارئة, سيكون لروسيا دور اساسي في النظام الاوروبي والآسيوي والنظام العالمي. الموقف العربي بعد الحرب الباردة الموقف القومي العربي بلغ اوجه في التاريخ الحديث على يد الناصرية والبعثية: الضعف الذي لحق بالموقف العربي القومي ناجم عن اربعة امور هي: الاول: الانقسام العربي حوله. الثاني: ارتباطه بالاستبداد وتغييب الحرية. الثالث: تهميش البعد الاسلامي. الرابع: الركون الكبير لفوائد الاستقطاب الدولي. هذه العوامل ساعدت اسرائيل على التصدي للارادة القومية العربية وهزيمتها في عام 1967م. منذ ذلك الحين لم يعثر الموقف القومي العربي على هوية بديلة, بل ادت عوامل الى تآكل الموقف القومي العربي بصورة اطاحت حتى بالحد الادنى الذي كانت تعبر عنه مؤتمرات القمة والجامعة العربية كتجسيد للحد العربي الادنى. وطرأ على الموقف العربي عاملان هامان: الاول: غياب المد القومي بعد اخفاقه وتدهور التيار الاشتراكي فتحا الطريق امام الاحتجاج الاسلامي الذي سيطر على الشارع العربي ولم يجد على صعيد الشارع منافسا حقيقيا لا ليبراليا ولا اشتراكيا ولا قوميا. التوجه الاسلامي على الصعيد الفكري كان في كثير من الاحوال مستنيرا, لكن الاحتجاج الاسلامي على الصعيد الحركي تحول لسلطة مستبدة اذا حكم ولحركات ارهابية اذا عارض, ومثلما حارت روسيا فلم تجد هوية بديلة بعد الاتحاد السوفييتي, احتار الموقف العربي القومي ولم يجد بعد هوية بديلة. الثاني: ان النظام الدولي لايسمح بفراغ, لذلك ادى انهيار الموقف القومي العربي حتى في حده الادنى الى المغامرات العراقية التي خلقت ظروفا موضوعية لحلول الحماية الامريكية في العالم العربي. هذه الحماية الامريكية حققت استقراراً في المدى القصير ولكنها على المدى الابعد تقوم بدور في تحريض الرفض الشعبي مما يحرم المنطقة الاستقرار. لقد كان اعلان دمشق محاولة لايجاد جهة عربية لتحقيق الامن في الخليج لكن اعلان دمشق ظل حبرا على ورق. لابد من تعبير قومي عربي بديل على درجة اعلى من الوعي والاحاطة بحيث: * يستصحب ايجابيات الوطنية لاسيما في اطار الوحدة الوطنية وحل مشاكل الاقليات الوطنية في نطاقها باعتماد المواطنة اساسا للنظام السياسي. * يعبر عن التكوين الثقافي للعروبة ويعالج اهم نقصين في التعبير القديم هما: استصحاب الدور الاسلامي وكفالة الحريات الاساسية. * ان العلاقة ما بين الاسلام والعروبة وشيجة خاصة ينبغي الالمام بها وصياغة المشروع القومي على هداها. * المشروع القومي العربي ينبغي ان يشتمل على مشروع قومي تنموي يخاطب قضية التنمية والتحديث. * المشروع القومي البديل ينبغي ان يدرك المصلحة المشتركة العربية الاوروبية عبر الابيض المتوسط, وان يدرك المصالح الثقافية والاقتصادية المشتركة مع تركيا وايران ودول شبه القارة الهندية. * المشروع القومي العربي ينبغي ان ينطلق من حقيقة ان 70% من العرب افارقة وان 33% من الافارقة جنوب الصحراء مسلمون, وان حوض النيل يضم 11 دولة, كلها الا مصر والسودان في افريقيا جنوب الصحراء. * المشروع القومي العربي البديل ينبغي الا يستغرق نفسه في الصراعات الدولية فلا يستعدى معسكرا استعداء نهائيا بل يفتح مع الولايات المتحدة والكتلة الغربية حوارا جادا ومسؤولا هادفا لتحقيق المصالح المشتركة. التناقض العربي الامريكي ولكن سوف تقف عقبتان هامتان امام الانسجام العربي الامريكي هما: الاولى: التزام امريكا بالاهداف الصهيونية ووجود عوامل في الجسم السياسي الامريكي تضمن استمرار هذا الالتزام, ان السلام العربي الاسرائيلي ممكن بشرط تخلي اسرائىل عن الصهيونية واهدافها التوسعية. الثانية: موضوع النفط لقد استطاعت الدول المنتجة للنفط ان تقيم (اوبك) في 1960 كمنظمة حققت سيطرة المنتجين على انتاجهم حجما وسعراً لدرجة مكنتهم من استخدام النفط سلاحا سياسيا في عام 1973 منذ ذلك الحين قادت الولايات المتحدة الدول المستهلكة للبترول لتكوين المنظمة الدولية للطاقة في 1974 اعضاء المنظمة الدولية للطاقة استطاعوا ان يضعوا برنامجا محكما اثر في الطلب للنفط وزاد العرض وشجع انتاجه خارج عضوية (اوبك) ان ماحدث لاوبك كمنظمة لاهل العرض, وللمنظمة الدولية للطاقة كتنظيم لاهل الطلب لا يمثل تعاملا بين بائع ومشتر في سوق حر بل استخدم اعضاء المنظمة الدولية للطاقة قدراتهم الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والاستراتيجية لتمكين منظمتهم ولتهميش (الاوبك) على نحو ما اوضحه باسهاب د. عبدالعزيز محمد الدخيل رئيس المركز الاستشاري للاستثمار السعودي ( الحياة بتاريخ 5 و 6 يناير 1999). في هذين المجالين سوف يوجد تناقض عربي/ امريكي. ورغم هذا فان المشروع القومي العربي ينبغي ان ينقل قضيته العادلة داخل الولايات المتحدة. فهي دولة متعددة مراكز صنع القرار, وفيها حرية للرأي العام يمكن ان تخاطب وان تقنع, ولعل اقوى ما يخاطب به المشروع العربي الرأى العام الامريكي ان يكون اصيلا وعصريا محترما لحقوق الانسان وحرياته الاساسية. التناقض الروسي الامريكي كذلك هناك تناقض روسي/ امريكي حول التنافس في اوروبا وحول توسع حلف ناتو شرقا وتمدد النفوذ الامريكي نحو آسيا الوسطى بما يشبه وراثة امريكية للاتحاد السوفييتي, هاهنا ينبغي تجنب اعادة الحرب الباردة وقطبيتها الثنائية فتعدد المراكز الاستراتيجية والاقتصادية يقتضي توازنا من نوع جديد. العلاقات العربية الروسية: موجهات التنافر والتفاهم إذا افترضنا ان العرب استطاعوا تحديد الهوية البديلة كما ذكرنا, وكذلك استطاعت روسيا إيجاد هويتها البديلة, فإن لروسيا وضعا خاصا لأن بينها وبين العالم العربي اتصالا جغرافيا وتواصلاً ثقافيا لاسيما عبر آسيا الوسطى, هذا التواصل يمكن أن يكون عنصر تلاحم وتفاهم إذا طبقت سياسات تعاونية, ويمكن أن يكون عامل تنافر إذا استلهمت دول اسيا الوسطى علاقاتها الثقافية بالأمة العربية واحيتها وتمسكت روسيا في علاقاتها مع دول آسيا الوسطى بدرجة التوغل الثقافي السلافي الذي تحقق أثناء الفترة السوفييتية. عامل آخر يمكن أن يكون مصدر تنافر هو أن روسيا, مع كفالة الحريات, سوف تكون مصدر هجرة يهودية أكبر وهذا يشكل خطرا على الأمن القومي العربي, ولكن مع هذا فإن هناك عوامل ومصالح تجمع بين الطرفين, وهي: أ. رفض القطبية الأحادية. ب. التحفظ المشترك على مشروعات أمريكية. ت. مصلحة مشتركة في التعددية القطبية. ث. استيراد التكنولوجية العسكرية من روسيا. هذه العوامل كفيلة بوضع أسس متينة للتعاون العربي الروسي في بداية القرن المقبل. التوازن الجديد إن تحديد روسيا لهوية قومية بديلة تستصحب ايجابيات الماضي والمصالح القومية الروسية واجب وطني روسي لأن غياب تلك الهوية سوف يفتح المجال لردة سوفييتية عمياء أو تطرف قومي بحماسة وبلا عقل, كما أن غياب تلك الهوية البديلة سوف يجعل المصالح الوطنية الروسية نهباً للآخرين, نهبا تمنحه تيارات الهوس الماضي والقومي المبررات. كذلك إن غياب المشروع القومي العربي الأكثر إحاطة ووعياً والمستصحب للمعاني المذكورة, سوف يفتح المجال واسعا لأصحاب المغامرات الوطنية وتيارات الهوس الديني, وكلاهما لن يحقق شيئًا إيجابيا مفيدا بل يخلق مداخل للتمزق والحماية والوصاية الأجنبية. التعاون العربي الروسي ينبغي أن يخاطب مناخ التعددية القطبية الدولية ولا يجنح أبداً نحو المحورية كما حدث في الماضي. إن وجود علاقة تعاون وثيقة روسية عربية من شأنها أن تحسن شروط التعامل العربي مع الأقطاب الأخرى, بما في ذلك القطب الأمريكي. إن أكثر الناس حرصا على التعامل الايجابي مع الولايات المتحدة يجب أن يجد لهذا التعامل أساسا عادلا لتقبله الشعوب في ظل الديمقراطية, ومما يساعد أمريكا نفسها لقبول علاقات عربية سوية أن تدرك أن للعرب خيارات, أما إن ظنت ان العرب (في جيبها) فإنها ستسعى لتفرض عليهم شروط تعامل إن قبلتها بعض القيادات فسوف ترفضها الشعوب, وصوت الشعوب العربية ما برح يعلو وسيكون له مع الزمن شأن أكبر.