محطتنا الاخيرة مع تكنولوجيا المعلومات في القرن المقبل (انفوتك) تمر بمنعطفات شتى تبدأ بأهم المحاور في حياة الجنس البشري وهو : .. محور التعليم ولعل أهم الثمار التي تعد بها (الا نفوتك) في مجال التربية والتعليم ما يتمثل في ذلك التغيير الجذري, او فلنقل الثوري, المرتقب في تحديد سن الدراسة. لقد سبقت اجيال في العهود القليلة الماضية الى ذلك التحديد الذي اصبح اعتسافيا أو اصبح باليا تقادم عليه الزمن حيث يقف عند سن السادسة او الخامسة فيطلق عليه وصف سن الالتحاق بالمدرسة (التعليم النظامي أو المؤسسي), ويصف المرحلة العمرية السابقة عليه بأنها مرحلة ــ ما قبل ــ المدرسة. يقول خبراء تكنولوجيا المعلومات ان القرن المقبل سيشهد ــ بإذنه تعالى ــ بدء الدراسة للطفل ولما يغادر المهد بعد اي في مرحلة الرضاعة أو الطفولة الاولى سوف تشاغله مجاميع الالعاب والدمى الالكترونية, التي تنتقل اليه ــ من خلال محاكاة الحواسيب (الكمبيوتر) رؤى وجوانب العالم المحيط بالطفل الرضيع وتزوده من ثم بجوانب ثمينة من المدركات والمعلومات والمعارف بما يساهم ــ كما يتوقع الاختصاصيون في اذكاء وتعزيز وحفز وتنشيط القدرات المعرفية والملفات الذهنية ـ العقلية للطفل الرضيع, لدرجة يقولون معها والعهدة دوما على ما يقولون ان بعض الاطفال في سن الثالثة من العمر سوف يتمكنون من تعليم انفسهم من خلال ملاغاة اللعبات الالكترونية المخصصة لمجموعتهم العمرية فإذا بهم يتعلمون القراءة حتى قبل بلوغ الثالثة من العمر (شهرية المستقبليات المتخصصة الصادرة عن جمعية مستقبل العالم الامريكية, عدد فبراير 1996) ومن الطبيعي ان تواكب منجزات الإنفوتك المعلوماتية تحولات مراحل النمو المختلفة عند الاطفال من شتى نواحيها وخاصة جوانب التعلم واكتساب المهارات المعرفية.. وهكذا سوف يتاح لاطفال الاجيال الوشيكة ان يتعلموا التاريخ مثلا بصورة مختلفة للغاية, مفيدة ومسلية الى حد بعيد. قد لا يحتاجون الى مطولات الكتب المدرسية التي تكتفي بالسرد الممل الذي يبدأ بفعل (كان) الى درجة تثقل كاهل البرعم البشري الصغير. سوف تتيح لهم الالعاب التعليمية الالكترونية ــ مثلا ـ ان يحاكوا معركة حطين او معركة واترلو او معركة قادش او ملاحم الفتوح التحريرية الاسلامية او وقائع الحرب العالمية الاولى او الثانية.. الخ منهم من يقضي درس التاريخ الوسيط, وقد تولى دور الناصر صلاح الدين وهو يقارع جيوش ريتشارد الانجليزي قلب الاسد (وقد اضطلع بدوره زميل في صف الدراسة) وفيما بينهما جهاز الحاسوب يصور لهما, فيما يحكي الواقع التاريخي الدقيق المحسوب غبار المعركة ومبادرات الفرسان وصيحات النزال وصليل السيوف ونيران المدافع البدائية التي شهدها عصر الحروب الصليبية وتستطيع ان تذكر الشيء نفسه عن الادوار التي يؤديها طلاب العلم, على اختلاف المراحل الدراسية وهم يحاكون في درس التاريخ شخصيات قادة او ساسة او زعماء من امثال بونابرت او ايزنهاور او مونتجمري او الجنرال الفيتنامي نجوين جياب او الامير المسلم عبدالكريم الخطابي بطل معارك الريف ضد الاستعمار الفرنسي في مغرب الوطن العربي. الشاطر حسن ــ الكترونيا ولان الحاسوب سوف يلعب بدوره دور البطولة في هذه الشؤون والشجون التعليمية, فان السوق التربوية بانتظار ان تروج فيها (حزم التعلم الالكترونية) .. مجاميع البرمجيات او الاساليب التي تستخدم الحاسوب ضمانا لفعالية عمليات التعليم والتدريب حيث يتركز دور المعلمين او المدربين حول ضمان اجادة هذا الاستخدام من اجل تعظيم فوائده, يتساوى في ذلك برمجيات تعليم الاطفال المهارات الاساسية او تدريب واعادة تدريب العمال والموظفين في مؤسسات القرن الوشيك من أجل رفع مستواهم المهني وترقية ادائهم من حيث الكم والكيف على السواء. لا عجب ان يكون الآباء في طليعة المشرفين على تعليم ابنائهم وخاصة في سنوات النمو الاولى, كيف لا وقد بات باستطاعة الام, مثلا, ان تجمع بين سردها لحكاية (الشاطر حسن) او (ست الحسن) او (أليس في بلاد العجائب).. وبين ترجمة هذا السرد الشفاهي بفضل برمجيات الكومبيوتر الى صورة وصوت الى ما يشبه الحياة الكاملة المعاشة والمحسوسة. نحن اذن بازاء فيض غزير او هو شلال متدفق هادر من المعلومات والمعارف التي تعد بها منتوجات الا نفوتك ومنجزاتها. ومثل كل ظاهرة انسانية او حتى طبيعية, فثمة جوانب سلبية او هي اثار جانبية تحف بالظاهرة فضلا عن الاثار الايجابية التي تنطوي عليها, وهو ما قد نصفه بانه (جدل الظواهر) . المأخوذ والمتروك نعم: ان فيوض المعلومات والمعارف سوف تفرض بالضرورة سؤالا يقول: ماذا نأخذ لتعليم ابنائنا وماذا ندع؟ ثم يستطرد السؤال قائلا: ما هي المعارف الاساسية التي لا غنى عنها, وما هي المهارات المحورية والقدرات الجوهرية التي ينبغي ان نزود بها الناشئة من اجل ترشيد الحياة مع حلول القرن الحادي والعشرين, وما هي المعارف او المهارات التي تعد ثانوية الاهمية, دع عنك ان تكون هامشية ويمكن في يسر الاستغناء عنها؟ ونحن في تراثنا المعرفي ــ العربي ــ الاسلامي سبق وطرحنا هذه التساؤلات الا ترى اننا تعوّذنا من (علم لا ينفع) واننا تعارفنا على ان كل امرئ ميسر لما خلق له وان الزبد يذهب جفاء, وان ما ينفع الناس يمكث في الارض؟. كأن العلم والمعرفة شجرة يانعة حافلة بالثمار وعلى المرء ان يتوخى الثمرة الناضجة ويعزف عن ثمار الحصرم التي لم تنضج بعد, تماما كما يتنكب ما فسد على الاغصان من ثمار فكان ان تحللت وتخمرت وباتت الى الضرر ادنى والى جلب المرض أقرب. لكن ينبغي ان نعترف بان دور المدرس سوف يتغير في اطار هذا النمط من العمليات التعليمية التي تقوم على مبدأ التعلم الذاتي وهو يستند بدوره الى تعزيز علاقة التفاعل الثنائي بين الفرد المتعلم (التلميذ) وبين الحاسوب (المعلم) دور المدرس سوف يتغير ولن يتقلص او يتعرض للاستغناء او الالغاء ستظل العملية الفعلية بحاجة الى بشر يقومون بالاشراف والتوجيه والتقييم للبشر القائمين بالتعلم واستقبال المعلومات وثقف المعارف ومع ذلك, فالمسألة ليست سهلة في كل حال, لقد دخل الكمبيوتر على استحياء الى رحاب العملية التعليمية... وكان ذلك في عقد السبعينات. وعندما سكتوا للحاسوب, دخل بقضه وقضيضه وبدأ يستشري ويسيطر الى حد الغلبة والهيمنة. وثمة درس مستفاد في هذا المضمار شهدته جامعة (مين) الامريكية منذ اربع سنوات حين اضطر رئيس الجامعة الى الاستقالة في عام 1995 في وجه المقاومة الشرسة التي لاقاها الرجل من جانب اعضاء هيئة التدريس بالجامعة الموقرة ضد اقتراح طرحه رئيس الجامعة ويقضي بالتالي: ــ استحداث حرم جامعي مفتوح... خال من المباني ومن الاساتذة ايضا (!) وفي اطاره يتعلم الطلاب من خلال تواصل تكفله دائرة تلفزيونية مغلقة ذات اتجاهين من الارسال والاستقبال وهم بهذا يتابعون ما يدور في منشآت الجامعة القائمة حاليا بالفعل وهي بالطبع مزودة بالمعدات والاساتذة... جامعات الغد والمعنى هنا ان بالامكان توسيع انشطة الجامعة دون أن ينطوي ذلك على زيادة في اعضاء هيئة التدريس... بل الاقتصار على الوصلة التلفزيونية يراقب الطلاب ما يدور على شاشتها.. وكفى الله المؤمنين... وربما كانت حسابات الرزق والوظيفة داخلة ضمن أسباب مقاومة الاساتذة للمقترحات الجديدة... وربما داخلتها حسابات اخرى منها مثلا نجاعة العملية التعليمية التي لا تقبل الفصل بين الاستاذ والطالب على طول الخط... وكلها حسابات ودواع مفهومة ومشروعة, وقد زاد من مشروعيتها ان قطار الانفوتك قد دهس تلك المقاومة وكان ان تجاهل اسبابها... صحيح ان المقاومة ادت الى استقالة رئيس جامعة (مين) الا ان الصحيح ايضا هو ان المقررات الاكاديمية لنيل الماجستير في علوم المكتبات من جامعة مين باتت في حالة استغناء كامل عن الاساتذة وانما اصبحت تذاع برمتها عبر اتصالات القمر الاصطناعي من جامعة اخرى هي ساوت كارولينا. ويجهد اهل الانفوتك والقائمون عليها في تسكين خواطر المعلمين والاساتذة بقولهم: ــ هونوا عليكم... ان الحاسوب لن يكون بديلا عن المدرس ــ الاستاذ ــ البشر ولكنه يمكن بامتياز وكفاءة ان يكون ذراعه اليمنى ومساعده الشاطر الامين بوصفه اولا وسيلة ايضاح واداة تعزيز بل يمكن استخدامه للتخفيف عن الاستاذ المعلم وخاصة في تمارين التكرار التعليمي الباعثة ــ احيانا ــ على الاملال والاجهاد وسأم المعلمين, ألا ترون مثلا إلى ما تشهده جامعة برنستون العريقة في الولايات المتحدة, في دروس اللغة الاسبانية, ثمة دروس ومقررات تتكرر روتينيا ومطلوب فحص طلابها بصورة منتظمة لتبيان مدى اجادتهم للغة بحيث يتقرر انتقالهم أو عدم انتقالهم إلى المستوى الأعلى في الصف الدراسي, والحاصل أن الكمبيوتر العزيز هو الذي يتولى حاليا هذه المهمة الروتينية المتواترة التكرار وهو الذي يفحص دارسي الاسبانية في برنستون ويقرر من ثم ترفيعهم إلى مرحلة أعلى ويتم هذا كله دون اجهاد للمعلمين.. وطبعا بغير خواطر أو محسوبيات ولا شكاوى تصدع رؤوس المدرسين, فضلا عن ان هذا الوضع ـ الحاسوبي يتيح للاساتذة مزيدا من الوقت وفسحة من الجهد لكي ينصرفوا إلى أعمال تعليمية أجدى نفعا وأقل مللا وأرقى في مضمار الابداع والتجديد والابتكار. نحو جامعات مفتوحة ومع هذا كله فالطريق مفتوح إلى حيث الجامعات الفضائية المفتوحة, وهي فضائية لانها تتوسل بأساليب الانفوتك, تكنولوجيا المعلومات كما وصفناها, وهي تجمع بداهة بين منجزات الحاسوب (الكمبيوتر) وبين فتوحات ميدان الاتصالات الفضائية التي باتت تطوق خاصر الكرة الأرضية مثل أحزمة اثيرية أو سحرية لم تكن في حسبان البشر سوى في الأساطير, وفي هذه النقطة بالذات نحيل إلى البروفيسور أدوارد كورنسن رئيس جمعية مستقبل العالم الأمريكية حين يقول: ــ مع مطالع القرن الحادي والعشرين قد يأتي على طلاب الجامعات حين من الدهر لا يطالبون فيه بقضاء سوى النذر اليسير من وقتهم داخل جدران الجامعة أو في زوايا حرمها, بل قد يصل الأمر إلى الا يطلب من الدارس الجامعي ان يقضي وقتا داخل جامعته أصلا: سوف يفضل الطلاب الجامعيون ـ مثلا ـ ان يتعلموا من محاضر دينامي يفيض حيوية وتألقا ولو كان ذلك في متابعته عبر شاشة تلفاز, بدلا من الجلوس في المدرج وقد فرضت عليهم الاقدار ان يصغوا إلى مدرس غير موهوب, يردد المعلومات بغير روح وتبعث كلماته على التثاؤب ويظل شبحه رغم وجوده أمام الطالب يتباعد من أمام عيونهم التي يجهدون في فتحها وهم يغالبون سطوة النعاس. وعن دور المدرس ـ المعلم ينبه البروفيسور كورنسن حين يضيف: سيظل المدرس محورا مهما في اطار عملية التربية والتعليم لأن ترك الطالب المتعلم أمام جهاز الحاسوب, لن يكون مفيدا إلا في وجود مشرف يتولى التنبيه والتوجيه وادارة العملية بأكملها من أجل ترشيدها وتعظيم جدواها بل قد يتولى هذا الموجه أو المشرف أو المعلم مهمة التحذير والتنبيه ازاء ما قد يشهده من سوء استخدام الكمبيوتر المنصوب أمام الطفل أو الصبي أو الشاب. ان الحاسوب في التحليل الأخير ما هو إلا صندوق سحري منصوب أمام الكائن البشري المقبل على التعليم, وهو في حالة توصيل, على الخط بمحطات طرفية, ومراكز ارسال منها الصالح الذي يعي مسؤوليته التربوية والإعلامية والاجتماعية بل والقومية, ومنها الطالح الذي لا يتحمل مسؤولية ولا يعرف ذمة ولا يراعي ضميرا. حكمة البشر مطلوبة بل ان المتعلم نفسه وهو طفل غرير أو شاب طائش قد يسيء استخدام الحاسوب, وبدلا من استقبال المقرر الدراسي قد ينصرف ــ والنفس أمَّارة ـ إلى الألعاب الالكترونية ويهدر بذلك وقتا ليتحول بالنعمة الالكترونية من وسيلة تنفع إلى اداة هدم واهدار للوقت والموارد بغير عائد. وإذا كانت وسائل الإعلام والاتصال يعزز بعضها بعضا, كما يقول الاستاذ كلابر فإن استخدام الحاسوب من شأنه ان يعزز دور المعلم وحكمة الانسان وكيف للبشرية ان تستغني عن الذكاء البشري لتحل محله الذكاء الاصطناعي في يوم من الأيام. ولقد تكون الانفوتك وعدا مبشرا بخير لكن لابد من بشر يتدبرون بخبرتهم هذا الوعد, ويتولون ادارته كما قد نقول.. وبه وبهم تعبر البشرية إلى ضفاف القرن الوشيك.