سيذكر التاريخ ان الفساد نافس اكثر المفاهيم شيوعا في العشر الأواخر من القرن العشرين. سيقال في زمن لاحق, ان هذا المفهوم تبوأ مكانة معتبرة بين أحاديث الخاصة والعامة على نطاق عالمي, المنشغلون منهم بالاصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعاملون في الاتجاه المعاكس, وقتئذ ستكون الدهشة بالغة فور ان يعرف المتابعون , قدر الغموض والضبابية التي واجهها الجميع, وهم بصدد التعريف بهذا المفهوم, على كثرة تداوله. فعلى الرغم من وجود اتفاق عام على ان الفساد هو أحد ابرز الافات التي تعانيها المجتمعات المعاصرة في الجهات الاربع, الديمقراطية وما دونها على سلم النظم السياسية, الا ان احدا لم يتمكن من وضع تحديد جامع مانع لماهيته. ولا تقل الحيرة كثيرا, حين يتعلق الامر بمحاولة الاجابة عن تساؤلات وثيقة الصلة بهذه القضية وتوابعها: كالأسباب الجوهرية للفساد, ومظاهره, ومدى انتشاره, وتطور الاساليب المعقدة التي تكتنف ممارسات المفسدين لتجنب العقوبات, وانعكاساته على ضرورة العمليات الاقتصادية والسياسية.. ولا يعزى هذا العجز الى ندرة في المعالجات الفكرية, فقد حظيت قضية الفساد بالاهتمام النظري منذ فترة موغلة القدم, فمعنى الفساد تجلى في كتابات افلاطون وارسطو قبل الميلاد, وصولا الى وقتنا الراهن الذي تخصص فيه عملاء مرموقون لدراسته, وعهد فيه الى بعضهم اخراج نتائج بحوثهم في دوريات متخصصة, كدورية (الفساد والاصلاح) التي بدأ صدورها عام 1993 بالولايات المتحدة. على ان الذي يخفف من تداعيات الاختلاف على معنى الفساد, الادراك العام بأن الالتباس يكاد يطاول عددا غفيرا من المفاهيم المتداولة في حقل العلوم الاجتماعية. ولا تستثنى من هذه الملاحظة, اكثر هذه المفاهيم ذيوعا وأهمية, كالديمقراطية والديكتاتورية والشرعية والعدالة والمساواة وحقوق الانسان والتكافل وتكافؤ الفرص.. كذلك فان الجهود الفكرية المبذولة للتعامل مع مفهوم الفساد, لم تكن جميعها بلا طائل. كل ما في الأمر ان التعريفات الناتجة عن هذه الجهود لا تخلو من هنات وعيوب, لكنها في الوقت نفسه, نجحت في ملامسة الظاهرة وتعيين الكثير من ابعادها ومضامينها ومؤشراتها. هناك التعريف الذي يرى بأن الفساد (هو اساءة استخدام المنصب العام او السلطات او الموارد لتحقيق منافع خاصة) يركز هذا التعريف على السلوك الذي يضطلع به من يشغل منصبا عاما, ولكن الصعوبة تنشأ في اطاره من عدم القدرة على تعيين المعايير التي تحدد معنى (سوء الاستخدام) ؟ وكذلك معنى الخاص والعام في الواقع العملي؟ وكيف تتأتى المعايير المتعلقة بفكرة المنفعة العامة؟ ولما كانت المنفعة العامة والمصلحة العامة موضوعات خلافية, لا تصلح كمعيار يستخدم لتحديد الاساءة اليها من عدمه, فقد رأى البعض ان يجري اللجوء للقوانين واللوائح كوسائل لتقييم معنى الاساءة والفساد, بحيث يكون الشخص (المؤسسة) الذي يخرق القانون مفسدا, وهنا, تثور مشكلة اخرى اساسها ان القوانين واللوائح ليسا مبدأين من شبهة التشريع لخدمة فئات بعينها, قد تمثل عناصر فساد, بمعنى ان لدى بعض القوى الاجتماعية الاقتصادية أدوات ويستطيعون بها صياغة القوانين ذاتها بما يسهل مهمتهم, وعندئذ قد يصبح الفساد مشروعا او يكتسب مشروعية بحكم القانون. وهناك تعريف ثان يعتبر ان الفساد (هو ما يقرر الرأي العام انه فساد وفقا لمعاييره الثقافية والاجتماعية) .. والمعضلة هنا ان المعايير الثقافية والاجتماعية الشديدة التباين, وتباينها يبلغ احيانا حد التناقض بحكم اختلاف المواقع الطبقية والمصلحية بين جموع الناس, ولا يخفى ايضا, ان مثل هذا التعريف يفضي الى انتشار مفاهيم للفساد بعدد الثقافات الفرعية داخل كل دولة. ومن ثم, قد نواجه في هذا السياق, بمعايير مختلفة لما يعد فسادا. وربما ينتهي الامر, بأن يصبح ما يعتبر سلوكا فاسدا في مكان (قرية مثلا) ليس كذلك في مكان آخر (قرية مجاورة اخرى). وبين يدينا تعريف ثالث, يقول ان الفساد (سلوك منحرف عن الواجبات الرسمية لوظيفة عامة بسبب خاص (عائلي او شخصي او عصبة خاصة). لتحقيق مكاسب مالية أو مركز مرموق أو نفوذ) . ورغم دقته النسبية, يحاور هذا التعريف حول ما يتعلق بالوظيفة العامة واحتمال استخدامها لمآرب شخصية, ولكن ماذا لو كان المقصود بهذا المعنى شخصيا يضطلع بحكم وظيفته بأمور مناوئة للمنطق والعدل وحقوق الانسان؟ ماذا لو كان قاضيا يسهر على تنفيذ قانون جائر, وآثر ان يغض النظر في بعض القضايا نظير رشوة؟ أيكون مثل هذا القاضي فاسدا ام العكس؟ ان عملا أو سلوكا كهذا يتنافى مع واجبات الوظيفة العامة يمكن الدفاع عنه من الوجهة المعنوية. وفي تعريف رابع, يحاول البعض المحافظة على البعد الاخلاقي, حين يرون ان (نمط الفساد يتواجد, حيثما يمكن اغراء صاحب سلطة بواسطة المال أو أية مكافآت أخرى لا ينص عليها القانون. للقيام بأعمال لصالح الطرف الراشي, بما يضر الجمهور والمصلحة العامة) . الفكرة هنا ان الفساد يتأتى عند اللحظة التي تصل العلاقة بين الموظف العام وصاحب الحاجة إلى الاضرار بالصالح العام, وذلك بغض النظر عن الموقف القانوني لهذه العلاقة. ومن الواضح ان هذا التعريف يأخذ في اعتباره كيف ان القوانين قد تصاغ بما من شأنه محاباة فئة معينة, وأحيانا بما يخدم رؤى الحاكم وحده ونخبة ضئيلة من حوله. وفي هذه الحالة لا ينبغي تجريم من يسعون إلى تجاوزها. ولعل المثل الشهير على هذه الحالة, تلك القوانين التي أبرمها (فرديناند ماركوس) لكي يضفي شرعية على نهبه لأموال الأمة في الفلبين. فمن ذا الذي يستطيع وسم الذين خرقوا تلك القوانين بالفساد, كونهم أعاقوا مصالح ماركوس وحده؟. بخلاف المأخذ على هذه التعريفات بسبب ما تنطوي عليه من نقائص في تحديدها لمفهوم الفساد, فقد نأخذ عليها جميعا مقاربتها للمفهوم في اطار الوظيفة العامة وسلوكيات المسؤولين في مواقع تخص المصلحة العامة بمعناها الواسع الفضفاض. إنها لا تتحدث عن الفساد وفي أطر أخرى بوسعها في التحليل النهائي الاضرار بالوجود الاجتماعي, إن تمت بشكل تراكمي واسع النطاق. فثمة أنماط من الفساد الأسري, أو فساد قطاع الشباب, أو فساد الفنون والقائمين عليها بما يدمر بعض القيم العليا, الدينية أو الاخلاقية.. أو الفساد التجاري (بالغش في مدخلات البضاعة مثلا). وعموما, قد ندعي ان للفساد أنماطا فرعية ودروبا جانبية يسلك منها إلى تضاعيف المجتمعات. وعلينا في ظل هذا الافتراض, أن نتصور نشوء ظاهرة (عدوى الفساد) , وذلك حين يرى البعض ان طهريتهم والتزامهم بالسوية الأخلاقية, لن تجر عليهم الا خسارة لانفسهم أو مصالحهم في مناخ موبوء. ما يدخلهم في نزاع داخلي بين الرغبة في العفاف ومتطلبات التعامل مع هذا المناخ. نحن والحال كذلك, بصدد مفهوم يتعلق بظواهر شديدة التعقيد, له أنماط صعبة الحصر, وتداعيات خطيرة. ولو امتد النظر إلى ما هو أبعد, لأمكن الحديث عن أنماط من الفساد لا تتصل فقط بالواقع المحلي في دولة أو مجتمع بعينه, أنماط تخترق الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية, بما يحق تسميتها بالفساد العابر للقارات.. وهذا أمر شرحه يطول وقد نعود إليه. * كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة