سمعت شاباً يشتكي من غرامات الرادار, فهذه بالنسبة أول وآخر الهموم, لأنها ببساطة قد تصل في الشهر إلى عدة آلاف من الدراهم, تجعله عاجزاً عن دفعها لو أراد, لأنها ببساطة مرة أخرى أكثر من راتبه الشهري.ولو كان الشاب من هواة السرعة وسباقات السيارات والمسافات الطويلة, لقلنا يستحق لا الغرامات وحدها, بل السجن, لأنه يمارس هوايته في الطرقات, أو اشرنا عليه بالاشتراك في السباقات والراليات المحلية والعالمية, فينجو من الغرامات من ناحية وتحقق له الهواية مكاسب مالية ومكافآت مغرية من ناحية أخرى, بدلاً من تكبيده خسائر مالية, تقضي على الراتب. غير أن الشاب مشكلته تختلف, فهو من مدينة كلباء على بحر العرب ويعمل في أبوظبي على الخليج العربي, أي أنه ينتقل اسبوعيا على الأقل مرة أو مرتين كل اسبوع ما بين المدينتين, أي من اقصى الغرب الى أقصى الشرق في الدولة, ويمر على عدد من المدن والمناطق في طريقه ذهابا ومجيئا, فتحصده الرادارات واحداً بعد الآخر. طبعا هناك من يقول ان السرعة هي السبب, والشاب يقول أنه لا يستطيع ان ينتقل بين النقطتين, أي ابوظبي وكلباء, بسرعة 80 كيلو مترا, وهي السرعة التي عادة ما تخالف بعدها الرادارات السائقين, فالمسافة البعيدة تقتضي للوصول في الأوقات المناسبة أن يسرع ما بين 100 الى 120 كيلو مترا على الأقل, فماذا يفعل؟ لا يفعل شىئا أكثر من أن يبيع سيارته ويتوكل على الله بالتاكسي فيتحمل هذا مصاريف الغرامات, ويدفع صاحبنا أجرة النقل فقط ويسلم على راتبه, اما إذا أصر على الانتقال بسيارته, فننصحه أن يجد تفاهما مع إدارات الشرطة لكي تقسط له المخالفات فيدفعها شهريا حسبما هو معلوم وبحيث يحتفظ بشيء من راتبه للعائلة ولمصروفاته الشخصية, وإلا فإنه يكون قد بذل جهده وعمله كله لصالح الرادارات, فإدارات الشرطة لن تعدل سرعات المخالفة فيها من أجل عيونه. وبما أن المثل الشعبي يقول: عندك ما تأكل, قال لا, عندك ما تغرم, قال نعم, فإن أوجه الغرم والخسارة عديدة, منها حالة شاب آخر نجا من براثن شركة تسويق ما يسمى ببيع الرحلات و(التايم شير) بأعجوبة, فقد اكتشف أنه دفع مبالغ لشراء اسبوع اجازة سنوية في منتجع في الهاواي, فعمل على استرداد مبلغه عن طريق محام لأنه فجأة اكتشف الحقيقة. اما الحقيقة, فليس في أن الشركة قد تكون ضحكت عليه كما ضحكت على غيره, وليست في أنه سيكون مجبرا على الذهاب كل عام الى مكان واحد أو أمكنة محددة حسب ما تملك الشركة من منتجعات, كما أنها ليست في ان المبالغ التي دفعها وسيدفعها سنويا تزيد بكثير على أطول سفرة قام بها ويمكن ان يقوم بها على الدوام, وإنما في أنه لايملك بيتاً في وطنه, فكيف يشتري بيتاً في هاواي؟ النتيجة كما ترون منطقية, وعودة الوعي إلى الشاب جاءت في وقتها فتخلص مما يعتقد أنه غش وخداع, وهو إذا كان ينصح زملاءه اليوم بالحذر من مثل هذه الشركات, فإننا ننصحه برص الدرهم قرب الدرهم, لكي يستطيع ان يبني ويؤسس بيتاً في وطنه, ومادام المصرف العقاري الجديد ومشروع زايد للإسكان الحكومي الذي سيوفر قروضا من دون فوائد لأمثاله قد بدأ عمله, فأمامه فرصة لامتلاك منزل الأحلام فعلاً, ولكن في الوطن, وليس في هاواي!