الأسرة كنظام وموروث اجتماعي وكوظيفة حيوية وثقافية, تعاني الكثير من المشاكل, وتتعرض للكثير من الضربات القاسية, ومما لاشك فيه فإن الأسرة ــ بشكل عام ــ فقدت الكثير من وظائفها ومكانتها ولم تعد لها تلك القداسة والرومانسية القديمة التي نعمت بها أجيال وأجيال. لا نقول ذلك من فراغ فالواقع يقدم أدلته في هذا المجال بطريقة لا تحتاج إلى أي نوع من الجدل, تكفينا هذه النسب المرتفعة من حالات الطلاق في المحاكم, وحالات جنوح الأحداث, وجرائم المراهقين, وانحرافات الصغار في المدارس, ونسب الخيانات الزوجية المرتفعة .. وقائمة الأدلة تطول. ودون أن نغضب أحداً من النساء أو المتشددين في قضايا المرأة والانفتاح والتطور .. إلخ, فإن علينا أن نعترف بأن خللاً كبيراً أصاب الأسرة بمجرد خروج المرأة العشوائي إلى سوق العمل, دون أن يواكب هذا الخروج أي نوع من الدراسة لمردود هذا الفعل وتأثيراته وضروراته والقوانين الضامنة لاستمراره. وبدون مبالغة فكثيراً ما دارت حوارات خاصة بين نساء عاملات لايجدن أية ممانعة في الاعتراف بأنهن يتمنين العودة إلى المنزل وترك العمل في أقرب فرصة, إذا ما ضمنت الواحدة منهن إنفاقاً مالياً جيداً, يقوم به الزوج أو يوفره قانون التقاعد مثلاً. لا نريد الدخول في التعميم المطلق لنقول بأن كل سيدة أو امرأة عاملة هدفها الأول والأخير الراتب فقط, ولكن أيضا لا نستطيع أن نجعل قوانين العمل والخدمة المدنية واشتراطات الوظيفة العامة بمنأى عن احباطات المرأة العاملة, فساعات الدوام التي تهدر من وقت المرأة العاملة دون ان تحتاجها الوظيفة بشكل حقيقي يمكن توفيرها للأسرة ومتطلباتها, كذلك اجازة الأمومة التي لا تزيد على (45) يوما وسنوات العمل التي تكفل راتب التقاعد للمرأة وقوانين أخرى لابد أن يعاد النظر فيها وتحديدا للمرأة. سألتني إحدى السيدات عن مفهوم العولمة, وقد حاولت أن أبسط لها الاجابة لننتقل إلى قضايا أخرى ذات علاقة, بعد أن استمعت إلى اجابتي قالت: لكنني سأحاول أن أحمي أسرتي بما أملك من حرص ووعي من آثار العولمة وذوبان الهوية, وسأفعل كذا وسأقوم بكذا... ومع يقيني بصدق هذه السيدة الا انني أعلم بأن مهمتها وهي تقضي أغلب ساعات يومها خارج المنزل - ايفاء بمتطلبات الدوام الرسمي - ستكون شاقة. في نظام الحياة العامة في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الشرقية التي تمارس فيها المرأة مختلف أنواع العمل وتدبر أمور أسرتها بشكل جيد, يقوم مبدأ عمل المرأة على محورين هامين: أولهما: الحاجة أو الضرورة وثانيهما الوعي, بمعنى ان حاجة المرأة للعمل سواء كانت مادية أو نفسية تتيح لها العمل والخروج والتطلع لأفضل الفرص, شريطة أن تفي في الوقت ذاته بالمتطلبات التي لا يمكن التهاون فيها أو تأجيلها فيما يتعلق بأسرتها, هذا الوعي ينسحب بالضرورة على المجتمع ومشرعي القوانين بحيث يحيطون هذه الظاهرة (خروج المرأة للعمل) بكافة الضمانات والتشريعات التي تكفل استمراريتها في اطار مصالح المجتمع وبحيث لا تتعارض مع أساسه وركيزته وهي الأسرة. إذن فلا مأزق في عمل المرأة إذا لم يتعارض مع واجباتها الأسرية خاصة في مجتمعات تلقي بالعبء الأكبر في مجال الأسرة على كاهل المرأة, ولا مأزق حين تعي المرأة اشكالات واختناقات هذا الخروج, ولا مأزق حين تجد سندا قانونيا يحمي تطلعاتها نحو العمل والمشاركة - المآزق لا تأتي إلا حين نمارس سلوكياتنا بعشوائية وبلا هدف وبلا وعي.