العبدلله ــ بعيد عن السامعين ــ قام بزيارة توشكا لأول مرة, ومع صحبة وأنا معهم على رأسها رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء ولفيف من الفنانين والكتاب والصحفيين , واقول بعيدا عن السامعين واقصد بالسامعين هؤلاء الذين تجاوزوا الاربعين, واحذر هؤلاء من زيارة توشكا, لان الطواف بهذا المشروع العملاق يحتاج إلى صحة قوية ولياقة بدنية عالية, ومن سوء الحظ انه كان بين الوفد الزائر عدد من الاصدقاء الذين تجاوزوا الاربعين, الدكتور عبدالعظيم رمضان والاستاذ انيس منصور والعبدلله, أما انيس منصور فقد اصبح بعد الرحلة ــ شكلا ولونا ــ الخالق الناطق شكل ولون طارق عزيز عقب انتهاء حرب ام المعارك, أما العم عبدالعظيم رمضان وهو ممدد على كرسي الطائرة في رحلة العودة فقد حفزني منظره على الاتصال بالمعلم حكشة الحانوتي ليكون في انتظارنا بالمطار, وطلبت منه ان يحجز للعبدلله مكانا من باب الاحتياط, حيث شعرت في نهاية الجولة بمنطقة توشكا بأنني مثل الكونت فولك برنادوت, ويا أيها الفلك على وشك الرحيل. يا لها من رحلة شاقة مهلكة خصوصا للشباب من نوعنا, والحق اقول لكم ان فكرتي عن مشروع توشكا قبل ان اراه انه شىء أقرب إلى مشروع الوادي الجديد في فترة الخمسينات, وكان للعبدلله شرف الاشتراك في المشروع كعامل تراحيل وبأجر قدره قرش صاغ واحد في اليوم, وأصل الحكاية ان العبدلله كان مسجونا في سجن الواحات الخارجية (المحاريت) وهو اسم على مسمى, لان المحاريت كانوا هم المساجين, واستعانت بنا سلطات السجن في حفر الترع لزوم الماء وتمهيد الارض لزوم الزراعة, ولان حكومة مصر كانت قد وافقت على منح السخرة, فقد قررت لكل سجين اجرا قدره قرش صاغ واحد في اليوم, ولكن حتى هذا القرش لم يكن له وجود الا على الورق فقط لا غير, ولكنني عند زيارتي لمشروع توشكا اكتشفت ان لا علاقة بين المشروعين, لان المشروع القديم كان نتيجة ميزانية غلبانة وظروف اقتصادية تعبانة نتيجة الحصار والحرب. ما اشبه مشروع توشكا بمشروع السد العالي, المنظر في توشكا يذكرني بالمنظر الذي كان في اسوان, ترعة لم ار لها مثيلا في حياتي, في جمالها وكمالها, وسدود على المجرى ومحطات رفع ومحطات لتوليد الكهرباء, واوناش عملاقة, وارض زراعية ممهدة على مدى الشوف, ارض سوداء مثل ارض المنوفية وارض حمراء مثل تربة الريف البريطاني, وزراعات هنا وهناك, وبحيرات ولا بحيرة التمساح, وعمال بالالوف ومعسكر عامر دائما بالوفود, وكل وفد يقضي في توشكا ثلاثة اشهر, عمل ودراسة تجربة مثيرة, واشجار هنا وهناك, نخيل واشجار فاكهة وخضروات نقية وشهية, لا اسمدة صناعية ولا كيماوية, ولكن انتاج من صنع ربي, وكان من حسن حظ العبد لله انني التهمت قتاية طعمها كالعسل المصفى, وسألت الدكتور يوسف والي اشمعنى! قال لان الزراعة هنا من صنع ربي, لا هرمونات ولا كيماويات, ولأن المياه هنا هي انقى مياه في مصر وان مياه بحيرة ناصر مثل انهار الجنة, طلبت من يوسف والي بطيخة فاعتذر, لأنه بطيخ عجر لم ينضج بعد, وقال في وقت الحصاد لو اكلت بطيخة فسيغمى عليك من شدة اللذة فليس في حلاوته مثيل, السبب ان المياه حلوة والارض عفية, ارض الوادي قديمة وتعاني من امراض شتى, انها هي الاخرى عجوز مثلنا وتعدت الاربعين مثل انيس منصور وعبدالعظيم رمضان والعبد لله, ولكن هنا الارض شابة وفي سن البلوغ, ولذلك فالانتاج هنا يشبه الذرية في سن الشباب.. اخر صحة واخر جمال. سألت عن جبال الجرانيت التي عثروا عليها في مجرى الترعة, اجابني رئيس الوزراء.. ياريت نعثر على هذه الجبال, لاننا لو عثرنا عليها لاستجرجناها وبعناها, وحصيلة بيع الجرانيت ستكون اضعاف بيع محاصيل الزراعة! سألت ــ طيب ولماذا توقف المشروع؟ اجابني: وهل ترى الان المشروع؟ أجبت بالايجاب, قال: هل هناك توقف؟ قلت: الشيء الوحيد الذي توقف هو مجهود العبد لله, قاتل الله الشيخوخة وانقطاع الانفاس وضغط الدم العالي وشخشخة الركب وطقطقة الضلوع, لو حدثت هذه الزيارة منذ عشرين او ثلاثين عاما لتغير الاحساس وتغير الشعور. ولكن الحمد لله عشنا حتى رأينا توشكا, ومثل هذه المشروعات التاريخية لا يمكن الحكم عليها في البداية ومن الطبيعي ان يختلف حولها الناس.. حتى الخبراء والعلماء. في بداية السد العالي, تقدم خبير ري مصري على المستوى الدولي يحذر من بناء السد العالي, ليه؟ لان انقطاع الطمي سيعطي فرصة لمياه البحر الابيض بالتهام ارض الدلتا فيصبح شاطئ البحر الابيض عند المنصورة وعلى جدول دمنهور وبعد عشرة اعوام هكذا قال التقرير ستنهار جميع الجسور على امتداد نهر النيل بسبب النهر, لان غياب الطمي سيجعل الاساسات عارية من غير سد, وبعد عشرين عاما ستحدث المجاعة في بر مصر, لان غياب الطمي سيحول ارض مصر الخصبة الى صحراء, وقال الرجل كلمته واستقال ومضى, والحمد لله لأن احدا لم يستمع الى رأي الخبير الدولي, فقد اثبتت الايام انه لولا السد العالي لماتت مصر جوعا خلال التسع سنوات الاولى من حقبة الثمانينات. ولولا السد العالي لغرقت مصر خلال فيضان العام الماضي, ومع وضوح هذه الحقيقة التي هي في وضوح الشمس, فقد تمسك حزب الوفد الجديد بموقفه, الى درجة الحاحه على ضرورة هدم السد العالي, وان كانت الاسباب قد تواضعت الى حد البكاء على افتقاد سمك السردين في مياه البحر الابيض, والتي كان الطمي يجذبها الى الشواطئ المصرية, ويشاء السميع العليم ان يهجم السردين هذا العام على الشواطئ المصرية وكما لم يحدث في ايام عنفوان الفيضان قبل السد العالي. ولذلك لا مانع ولا ضرر من اختلاف الناس وتضارب الاراء حول مشروع توشكا, ولكن الشيء الأكيد انه بعد ربع قرن من الان سيسجد محمود السعدني وحسام السعدني ومحمود الروبي ومصطفى الروبي واكرم البزاوي ومعهم ايضا منة الله ومريم وكلهم احفادي, سيسجدون لله شكرا الذي ألهم جيل الاباء والاجداد وارشدهم الى تعمير هذه البقعة من ارض مصر, واجرى الخير على ايديهم فنفخوا الروح في هذه الارض الميتة فصارت جنة تجري من تحتها الانهار, وسيذكر التاريخ ان الفضل كله لحماس رجل واحد هو حسني مبارك, الذي بالرغم من تجاوزه الاربعين هو الاخر لم يدركه الملل ولم ينل منه التعب, بل ظل متعافيا ونشيطا, يبدو ان الحماس يشعل الحياة في الشرايين المتصلبة, ويعيد الدفء الى القلوب القديمة. كان في نهاية الرحلة وهو يقف على ارض مطار القاهرة اشبه بالعريس في نهاية الزفة, صافحته في نهاية المشوار وقلت له: مبروك عليك يا ريس, اجابني: مبروك على شعب مصر يا محمود. اغرب شيء من خلال مناقشته لتفاصيل المشروع مع الوزراء والمهندسين, بدا واضحا انه اعلم بالتفاصيل من كل المسؤولين, انه على علم بكل الخطوات, وعلى دراية بمكان كل جزء من المشروع على الخريطة, ثم لا ننسى دور مساعدي الرئيس في المشروع وعلى رأسهم رئيس الوزراء الدكتور الجنزوري والدكتور يوسف والي الذي اتهموه بأنه يهودي من نسل كوهين, ووزير الري ووزير الكهرباء ووزير النقل ووزير المجتمعات الجديدة. مبروك للجميع مشروع توشكا, ومبروك للعريس حسني مبارك, وهنيئا للأجيال الجديدة السعيدة المقبلة!