أثارت قضية السياح البريطانيين المختطفين والمقتولين وغيرهم من السياح الغربيين ضجة اعلامية كبيرة في الآونة الأخيرة , واستياء بريطانيا لا مثيل له, وكعادتها حاولت بريطانيا ان تبرز عضلاتها وتتدخل في الشؤون اليمنية وكأن شخصا بريطانيا واحدا يساوي ألفا من مسلمي كوسوفو أو من ضحايا الارهاب في الجزائر, حيث عودتنا الدول الغربية التي تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في قتل المدنيين الأبرياء في فلسطين والعراق والعديد من دول العالم ان هؤلاء الضحايا لا يساوون شيئا أمام رعية واحدة من رعاياهم. تجاهلت بريطانيا تماما ان أوامر القتل والخطف والتعذيب قد اتخذت في مسجد (فينسبوري بارك) بلندن بزعامة وقيادة أبوحمزة المصري الذي يقر ويبيح القتل والذبح والتعذيب مثل ما يحلو له وكيفما يشاء. هكذا وباسم الديمقراطية وحرية التعبير والتفكير والرأي قتلت بريطانيا أبناءها بواسطة أبنائها ـ أبو حمزة يحمل جواز السفر والجنسية البريطانية ـ وبواسطة الحرية والديمقراطية التي تتغنى بها. ولنذكر بريطانيا بهذه المناسبة بالمرات العديدة التي طالبت فيها مصر الحكومة البريطانية اعادة النظر في سياسة ايوائها للعديد من الاصوليين ومن الارهابيين ومن العرب الأفغان الذين يخططون للعمليات الارهابية والمجازر في مصر والجزائر والعديد من الدول الأخرى. لا ننسى كذلك ان الجزائر وفي مرات عديدة نبهت وطالبت بريطانيا بالانتباه للمد الأصولي والارهابي الذي تكون على أراضيها التي استعملت كقواعد خلفية للدعاية وغسل الأدمغة وجمع الأموال والأسلحة والجرائم و العمليات الارهابية والحث على الجهاد واقامة الجمهوريات الإسلامية واصدار المنشورات التحريضية وتوزيعها داخل بريطانيا وخارجها بكل حرية. الغرب هذه المرة احترق بالنار التي أشعلتها ودفع جزاء اللعب بالنار. ونفس التجربة عاشتها أمريكا وفرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول التي كانت تتباهى بالديمقراطية وحرية الفكر والعقيدة والدين والرأي. الغرب كما لا يخفى علينا غزل ولعب ورقة الأصوليين والارهابيين وجندهم في صفوف مخابراته وأجهزته الاستعلامية المختلفة. ومعظم الدول الأوروبية تعرف خطورة هذه الجماعات لكنها كلها راهنت على استعمالها واستغلالها لتحقيق أهدافها, فظاهرة (المجاهدون الأفغان) صناعة أمريكية مائة بالمائة من فبركة وصنع المخابرات الأمريكية للقضاء على الشيوعية ومحاصرتها واحتوائها واستطاعت المخابرات الأمريكية ان تلعب على عواطف وغرائز ونزوات الشباب المسلم المحدود الثقافة والذي لا حول له ولا قوة. وهكذا استطاعت أمريكا ان تنفرد بالعالم وتقضي على عدوها اللدود بحماس وحرارة الشباب المسلم من مختلف بقاع الدول الاسلامية. الغرب لم يتوقف عند هذا الحد وانما راح يستعمل هذه الجماعات في العديد من الدول العربية الإسلامية التي قد لا تسير في خط الولايات المتحدة واستراتيجيتها واهدافها فبعد الانتهاء من تصفية الشيوعية في أفغانستان وجهت المخابرات الأمريكية (مجاهدي أفغانستان) للمحاربة في دولهم واقامة جمهوريات إسلامية هنالك, لأن حسب منطق (الأفغان العرب) كل الدول العربية كافرة ويجب التخلص من حكامها وأنظمتها ولكل من يتعامل معهم. ونلاحظ هنا ان الجماعات التي استعملتها المخابرات الأمريكية لم توقف نشاطاتها وراحت تتحدى الدول الغربية في عقر دارها, ففرنسا دفعت الفاتورة في مترو أنفاق باريس, وأصبحت مهددة بالارهاب الذي كانت تستعمله وتسخره لتحقيق أغراضها, نفس الشيء حدث مع الولايات المتحدة الأمريكية و بالأحرى المخابرات الأمريكية عندما فجر الارهابيون المركز التجاري بنيويورك وكذلك السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا. هكذا تفنن الغرب في استعمال الدجالين والدراوشة من أمثال أبو حمزة المصري الذين يقومون بالشرح والتفسير والفتاوى حسب أهوائهم وشهواتهم وهم بطبيعة الحال يشوهون الإسلام ويسيئون إليه ويخدمون العدو والغرب بالدرجة الأولى, وما حدث بالضبط هو انهم تم استعمالهم وتسخيرهم كما شاء لهم الأسياد وقد حان الوقت أي يسجنوا أو يعتقلوا بعد انتهاء مهمتهم وهذه هي حال المرتزقة و التجار بالمبادئ والدين الحنيف. بريطانيا أقامت الدنيا وأقعدتها عند اختطاف رعاياها وقتل البعض منهم لكن عندما وضعتها الحكومة اليمنية أمام الأمر الواقع وطالبتها بتسليم أبو حمزة تقهقرت وتراجعت وأدركت ان الأمر أصبح خطيرا وليس في صالحها حيث ان الارهابيين الذين آوتهم ومنحتهم جوازات السفر والجنسية هم الذين خططوا لخطف وقتل السياح البريطانيين, وهكذا انحسرت الضجة الإعلامية وسكتت بريطانيا. الجماعة الارهابية الأصولية التي دبرت ونفذت عمليات الخطف والقتل ضد السياح في اليمن جماعة تمثلها عناصر تقيم في بريطانيا على أيدي ضباط سابقين في الجيش البريطاني, الخلية الارهابية هذه كانت تخطط للقيام بسلسلة من العمليات الارهابية والتخريبية (تفجير مبنى الأمم المتحدة, القنصلية البريطانية, فندق موفينبيك, سكن خبراء, ازالة الألغام..إلخ) وهذا يعني ان أبو حمزة المصري يخطط ويدبر ويدرب الارهابيين في الأراضي البريطانية بكل حرية وعلى مسمع ومرأى بريطانيا و ومخابراتها المحنكة, أضف إلى ذلك ان أبو حمزة له موقع على الانترنت ويعلن على نشاطاته وتحركاته بدون خوف أو تراجع. ما يحدث في اليمن حدث من قبل في مصر وحدث في الجزائر وفي دول أخرى وهذا بتواطؤ الغرب وقوى الظلام والعناصر الفاسدة التي استغلتها المخابرات الغربية لتنفيذ أهدافها ومصالحها , مرة أخرى ينقلب السحر على الساحر ويدفع الغرب ثمن اللعب بالنار, لكن ومع الأسف الشديد ما زال الكثير من المؤسسات الاعلامية العربية تنقاد وراء التحاليل الجوفاء والفارغة وتوجه أصابع الاتهام إلى أطراف لا ضلع لها في الموضوع وتمجد دجالين وتجارا يتاجرون بالدين الإسلامي ويشوهونه لصالح الغرب. مجاهدو كابول وبيشاور نعموا بالضيافة البريطانية والكرم والجود والجنسية البريطانية و استغلوا القوانين المعمول بها كحرية القول والرأي والتفكير واستعملوا الامكانيات التي قدمت لهم للتدريب وللفتوى ولجمع الأموال والزاد والعتاد, وأصبح أبو حمزة وأمثاله كثيرون يفتون و يفسرون وأمام الملأ وعلى القنوات الفضائية يحللون ويحرمون ويبيحون سفك الدماء وقتل الأرواح كل هذا مستخدمين بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية (دولة الحرية والديمقراطية) كقاعدة خلفية لتحقيق أهدافهم. هكذا إذا ومع الأسف الشديد بلي اليمن بوباء وبمرض الارهاب كما بليت مصر والجزائر و دول أخرى من قبله, مجموعة من قطاع الطرق تدعي الإسلام تسافر إلى اليمن لتحريره وتلقينه معنى الإسلام وكأن اليمن أصبحت فلسطين المحتلة يجب ان تحرر من المغتصبين الصهاينة وكأن اليمن دولة كافرة لا تعرف ولم تعرف الإسلام عبر العصور والأزمنة, أين الدول العربية؟ وأين منظمة المؤتمر الإسلامي؟ وأين مليار مسلم في العالم؟ حيث ما يحدث من قبل هؤلاء الدجالين يعتبر خطرا كبيرا على الدين الحنيف. كيف يحق لنا ان ننتقد فيلما مثل (الحصار) ونلوم وسائل الإعلام الغربية والصناعات الثقافية الأمريكية ونقول انها تشوه الإسلام وتسيئ إلى العرب والمسلمين, والذي يشوه الإسلام حقيقة هم أبو حمزة المصري وأمثاله, لقد آن الأوان لتخليص المجتمع العربي والإسلامي من هؤلاء الدجالين والمشعوذين, انها مهمة كل مسلم غيور على دينه ان يواجه مثل هؤلاء الدجالين الذين يتاجرون بالدين لتحقيق مصالح المخابرات الغربية. وقد يتأسف المواطن العربي عندما يعلم ان عددا كبيرا من الدول العربية لم يصادق بعد على اتفاقية مكافحة الارهاب, ويتأسف كثيرا عندما يعلم ان عددا لا يستهان به من المؤسسات الإعلامية العربية تروج لأبي حمزة وأمثاله وتعطيه الفرصة لمغالطة الرأي العام والترويج لأفكار شيطانية لا علاقة لها بالدين الحنيف. ومع الأسف الشديد نلاحظ ان اليمن يقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الجزائر عندما فسحت المجال لتفشي وانتشار الأفكار الأصولية المتطرفة التي تنميها وتغذيها قوى معادية للانسانية وللاسلام و لكل شيء اسمه تقدم وتطور وحضارة وتسامح, فاليمن الشقيق مطالب بمواجهة الموقف بسرعة وبصرامة وباحتواء السرطان قبل ان ينتشر ويغطي الجسم بكامله وحينذاك تصبح الأمور معقدة وصعبة لحلها والتحكم فيها. استاذ الاعلام والعلاقات العامة جامعة عجمان