يبدو أن القيادة الفلسطينية, بسبب ظروفها وتفاعلاتها العربية والدولية, ومراهنتها على بعض الأطراف الإسرائيلية, قد حزمت أمرها بشأن تأجيل الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية , مع انتهاء المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي في الرابع من مايو المقبل, واضعة مرة أخرى مستقبل الفلسطينيين, رهن التناقضات والخلافات الإسرائيلية. وبغض النظر عن صوابية الموقف من اعلان الدولة في موعده من عدمه, فالاعلان أو تأجيله, ينبغي أن يكون ضمن خطة فلسطينية, وليس فقط مجرد انعكاس للوضع الإسرائيلي برغم أهمية هذا الوضع على التوجهات والقرارات الفلسطينية. في الواقع, لا تكمن المشكلة الحقيقية فقط في طريقة اتخاذ القرار بشأن تأجيل الإعلان, وإنما في طريقة تحضير السلطة لذاتها ولشعبها لتحقيق متطلبات هذا الإعلان التاريخي. وللأسف فقد اختصرت السلطة هذه القضية الى مجرد إعلان, متجاهلة متطلباته الأخرى, سواء بالنسبة لبناء مرتكزات الكيان الوليد على أسس سليمة راسخة, من النواحي السياسية والاقتصادية والقانونية, أو بالنسبة لمواجهة السياسات الإسرائيلية المترتبة على هذا الإعلان. أيضا في هذا الموعد تنتهي فترة المجلس التشريعي وتنتهي معها فترة ولاية رئيس السلطة الوطنية, ومازالت السلطة لا تولي هاتين القضيتين السياسيتين والقانونيتين, الأهمية المناسبة. ويجب التمييز هنا بين جانبين في هذا الموضوع, فإذا كانت الظروف تدفع السلطة الفلسطينية نحو تأجيل الإعلان, فإنها معنية بالمقابل بالتمسك بانتهاء الفترة الانتقالية, وبالتالي الشروع في التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة, ووضع دستور, فمن شأن كل هذه الترتيبات تعزيز شرعية الإعلان عن الدولة وتعزيز مرتكزاتها, بغض النظر عن الموعد الممكن والمناسب للإعلان. وبرغم هذه الحقيقة, فإن خيار القيادة الفلسطينية بإعلان الدولة, هو خيار مشروع, يتجاوب مع الطبيعة الصراعية للمفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية, وهو الطريق الذي يمكن أن يخلق ديناميات حالة جديدة في الساحة الفلسطينية. لكن من الواضح أن القيادة الفلسطينية, تخوض معركة (إعلان الدولة) بطريقتها وبأساليبها وببناها, وبغض النظر عن التوقيت, بحيث أنها تضع الشعب وقواه السياسية أمام الأمر الواقع, كعادتها, فالقرارات التاريخية التي اتخذتها هذه القيادة, طوال تاريخها, لم تكن وليدة تحضير وبرامج, ولم تكن الأوضاع مهيأة تماما لها, ولكن هذه القيادة كانت تتخذ القرارات وتعمل عليها مستفيدة من ديناميات القضية الفلسطينية, ومن أبعادها السياسية والرمزية, ومن التداخلات الدولية والعربية, ومن حجم الاحتضان الشعبي, وفي الحقيقة فليس لدى السلطة الفلسطينية ما تخسره جراء السير في خيار الإعلان عن قيام الدولة, بل إن هذا الخيار السياسي هو الطريق المتاح أمامها لإعادة رسم قواعد اللعبة الصراعية مع اسرائيل, ولاستعادة مصداقيتها أمام شعبها, ولتعزيز مكانتها دوليا وعربيا, والبناء على ما حققته من مكاسب سياسية. وبكل أسف فإن السلطة الفلسطينية لا تولي الاهتمام اللازم للدعوات التي تطالب بترتيب البيت الفلسطيني على أسس قوية ومناسبة, وهى تترك الأمور تسير على حالها الى الرابع من مايو المقبل, وكما هو معروف فإن هذه القيادة لاتميل الى التغيير ولا تهوى المراجعة. وما يمكن تأكيده هنا أن التغيير في الساحة الفلسطينية محكوم بسقف محدود, ليس فقط بسبب إصرار القيادة على الاستمرار بأساليبها, وإنما أيضا لأن الوضع الفلسطيني هو تحت السيطرة بحكم الأوضاع العربية والدولية المحيطة, وأيضا بحكم عقم المعارضة الفلسطينية, وبسبب الظروف الصعبة والمتفاوتة التي تخضع لها التجمعات الفلسطينية والتي تعيق الحراك والتجديد السياسيين. باختصار فإن الوضع الراهن يتطلب نقل المعركة من معركة على الإعلان الى معركة على مضمون الدولة. واذا كان ثمة توجه لتأجيل موعد الإعلان عن الدولة, فإن هذا التوجه ينبغي أن يكون ضمن خطة استراتيجية فلسطينية, قوامها تعزيز الوضع الفلسطيني, وإعادة ترتيب البيت الداخلي, وفي أساس ذلك التوجه نحو انتخابات فلسطينية جديدة, في الرابع من مايو, واعلان الدستور, وتعزيز المرتكزات الاقتصادية والقانونية والسياسية لهذه الدولة في حالة إعلانها. بهذا المعنى فإن جميع الإطارات الفلسطينية, وليست السلطة وحدها, معنية بالتعامل بمسؤولية مع استحقاقات إعلان الدولة الفلسطينية, سواء في الرابع من مايو, أو بعد ذلك, وهي معنية بخلق حالة من الاستعداد الشعبي للتعامل مع مختلف ردود الفعل الإسرائيلية. ولابد من القول بأن للوضع العربي أهمية حاسمة في احتضان الخيار الفلسطيني المتمثل بإعلان الدولة الفلسطينية, وإكسابه شرعية ودينامية تمكنه من النجاح, لذلك فإن القيادة الفلسطينية مطالبة, وهي بصدد هذه الخطوة التاريخية, بمراجعة حساباتها وتصحيح علاقاتها العربية, فقيمة هذا الإعلان ستكون بحجم شرعيته العربية, وبحجم التعاطي العربي معه. ومن الناحية المقابلة فإن الدول العربية معنية بالتعامل مع هذا الخيار بأكبر قدر من المسؤولية, باعتباره معطى من معطيات مواجهة السياسات الإسرائيلية, وباعتباره تصحيحا لغبن تاريخي لحق بالشعب الفلسطيني, حين حرم من حقه في الوطن والهوية في آن معا. ولعل العمل من أجل عقد مؤتمر قمة عربي يخصص لبحث تطورات القضية الفلسطينية والتحديات الإسرائيلية, بات ضرورة ملحة, ويمكن تصور مدى أهمية استصدار قرار من قمة كهذه يعترف بالدولة الفلسطينية ويدعمها بمختلف المجالات, إذ سيكون لهذا القرار أثره الحاسم على المستوى الدولي, وسيخفف من تبعات ردود الفعل الإسرائيلية. باختصار الدعم العربي: السياسي والمادي والدبلوماسي هو الذي سيمكن الفلسطينيين من الصمود وهو الذي سيمنح الشرعية للدولة الفلسطينية وهو الذي سيكبح اسرائيل عن اتخاذ ردود فعل غير متوقعة. ختاما ينبغي التأكيد على أن إعلان الدولة الفلسطينية المقترح الذي تفرضه الظروف والمعطيات الراهنة ليس نهاية المطاف وليس حلا نهائيا للصراع العربي ــ الاسرائيلي, ولكنه بالتأكيد سيفتح آفاق مرحلة جديدة, وينبغي الاعتراف هنا بأن الصراع على الدولة الفلسطينية, سيطمس أوجه الصراع الأساسية الأخرى, الى حين, ولكنه لن يلغيها ولا بأي حال من الأحوال, ومع الإقرار بان الدولة بحد ذاتها, في مرحلة العولمة والتطور التكنولوجي والتداخل الاقتصادي, لم تعد مجالا لتحقيق السيادة, فإن الدولة في حالة الفلسطينيين تستمد أهميتها الوجودية والرمزية من صراعهم الطويل والمرير مع إسرائيل, وهي ستضفي شكلا صراعيا جديدا بين الطرفين.