كان المغفور له الملك حسين بن طلال ركنا هاما من اركان النظام السياسي العربي العام, بمقدار ما للأردن, رغم صغر مساحته وفقر موارده الطبيعية, من موقع جيوسياسي في غاية الأهمية والقدرة على التأثير . لا شك في ان بريطانيا عندما اقدمت, بالتحالف مع فرنسا, على تجزئة وتقسيم هذا الشرق العربي الذي ورثته من الامبراطورية العثمانية, واخذت تعيد رسم خريطته وتشكيل كياناته الجديدة, كانت تدرك سلفا ما ستكون عليه (وظائف) هذه الكيانات, والادوات التي ستلعبها في اطار الاهداف الاستراتيجية التي كانت تسعى الحركة الاستعمارية الاوروبية لتحقيقها على المدى البعيد. وبالطبع كانت امارة شرق الاردن حينئذ, والمملكة الاردنية الهاشمية حاليا, واحدة من هذه الكيانات, التي لم يكن من السهل على القيادة السياسية العربية في تلك المرحلة ادراك سر انشائها أو فهم حقيقة وظيفتها المستقبلية, فلقد كان من المتوقع ان تكون جزءا من سوريا السياسية باعتبارها جزءا من سوريا الطبيعية, فاذا استحال ذلك بسبب وقوع سوريا في خانة الغنائم الفرنسية, فلماذا لم يسع البريطانيون لربط شرق الاردن بغربه, اي مع فلسطين التي كانت من حصتهم وتحت انتدابهم؟ وإذا ارتأى البريطانيون عدم ذلك لانهم كانوا يعدون مع الحركة الصهيونية مصيرا آخر لفلسطين هو تدميرها ثم تحويلها الى كيان يهودي سيعرف فيما بعد باسم اسرائيل, فلماذا لم يعمدوا الى الاستمرار في اعتبار هذه الامارة جزءا من بلاد الحجاز, التي ستصبح فيما بعد جزءآ من المملكة العربية السعودية؟ ربما نجد الجواب على هذا السؤال في سياق الجواب على سؤال أكثر شمولا وشرعية حول السر الذي حال دون امتداد الثورة السعودية لتشمل الكويت ومشيخات الساحل المتصالح التي تحولت هي الاخرى الى كيانات سياسية مستقلة فيما بعد! يقول الأمير طلال بن عبدالعزيز في حديث متلفز أذيع له مؤخرا على شاشة ART, ان احد اهم اسباب نجاح الملك عبدالعزيز في ثورته التي أدت الى تأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة, يتجلى في تقديره السليم لموازين القوى التي كانت تحيط به من كل جانب, وادراكه بالتالي للحدود الحمر التي كان يستحيل عليه تجاوزها دون تعريض مشروعه كله لخطر الفشل والهزيمة. وأهم هذه (القوى) في تلك الأيام وأكثرها خطورة بعد تركيا كانت بريطانيا دون أدنى ريب, وهى التي كانت تخطط وترسم, وبالتالي تضبط العمليات السياسية والعسكرية وفق ما خططت ورسمت. لقد فعلت بريطانيا ومعها الحركة الأوروبية الاستعمارية كلها, ما فعلته من تفتيت لديار العرب وتجزئتها الى دويلات وممالك ومشيخات تحكمها عوامل الشك والفرقة المصطنعة, للحيلولة دون قيام الوحدة العربية أو كيان عربي موحد يكون قادراً على تهديد مصالحها الاستغلالية الجشعة. ولاشك مطلقاً أن الاستعمار الأوروبي: ومن موقع التفوق العلمي والحضاري الذي كان يشغله آنذاك, كان يدرك ــ وأكثر من العرب أنفسهم ــ ما سيعنيه قيام مثل هذه الدولة أو هذا الكيان الموحد من تهديد خطير لواقعه ومستقبله. كما أنه لاشك مطلقاً, قد رأى بعين المستقبل, القيمة الاستراتيجية لدولة قد تمتد من المحيط الى الخليج, تبسط جناحيها على كل الشواطىء الجنوبية للبحر المتوسط, وتصل بين أقدم القارات, وتسيطر على أهم المداخل البحرية والجوية بين آسيا وافريقيا وأوروبا, وتحمل فوق ترابها شعباً له حضارة تاريخية نادرة, وتحمل في باطنها من الثروات ما ندر أن يتوافر نوعاً وكماً في أي منطقة أخرى من العالم. ولضمان استمرار عملية التجزئة وتثبيتها والإجهاز النهائي على أي حلم عربي وحدوي, تبنت الدول الاستعمارية الحركة الصهيونية ورعت مشروعها بإقامة اسرائيل كحاجز بشري غريب عن المنطقة وأهلها ليكسر امتداد الوطن الواحد بين مشرقه ومغربه, وليغرق الأمة في صراع طويل يحول دون نهوضها وتحقيق مشروعاتها التنموية والوحدوية. وأين غير فلسطين من موقع أنسب لتحقيق هذا الهدف لما تتمتع به من مركز جغرافي يضعها في موقع القلب من الجسم العربي! واستنادا الى هذا كله, فإن الحركة الاستعمارية الأوروبية, وفيما بعد الأمريكية اعتمدت كل الوسائل المباشرة وغير المباشرة لتطويق الوعي القومي الوحدوي وخنقه ضمن تخطيط استراتيجي معقد يقوم على إجهاض كل احتمالات الوحدة, وعلى نشر وتعزيز الكيانات المصطنعة فتبقى هزيلة تسعى لحماية الأجنبي بدلاً من تصفية وجوده والإصرار على إقامة علاقات متكافئة مع الجميع. ومن يقرأ تاريخنا المعاصر, بتجرد وموضوعية, بل ومن يراقب تاريخ لحظتنا الراهنة, يستطيع أن يرى مدى ما وصل اليه الاستعمار من نجاح في تحقيق أهدافه, ومدى ما وصل اليه واقع التجزئة والتقسيم من الجذرية بحيث لم يبق من قطر عربي إلا وله ما يشكو منه لدى جاره على هذا الجانب من الحدود أو ذاك. بل من هذه الكيانات من يعاني أهلها من مشاكل ضمن حدودها الضيقة, بعد أن استشرت ايديولوجيا التفتيت فوصلت الى القبيلة والطائفة والمذهب! نعود بعد مقدمة طالت ولكنها ضرورية, لما بدأنا الحديث عنه حول الكيان الاردني والوظيفة التي من أجلها وجد أصلاً. قيل الكثير تلميحاً حول هذه الوظيفة, ولكن أحدا لم يجرؤ على كشفها عارية مثل آرييل شارون عندما اعتبر الأردن (الوطن البديل) للشعب الفلسطيني. ان هذا الصهيوني العريق الذي تعامت حركته العنصرية فما رأت في فلسطين شعباً يعيش فيها يوم اختارتها لتكون وطناً لشعبها اليهودي الذي لا وطن له, يستمر في عماه, فلا يرى الان أن في الاردن شعباً أردنياً أصيلاً, فقرر وهبه للفلسطينيين!! هو ومن معه, وكل الصهاينة معه, متطرفين ومعتدلين, يعرف أنه في مثل هذا الطرح يضرب عصفورين بحجر واحد. الأول, حق الفلسطينيين في العودة الى أرضهم وديارهم في فلسطين, والثاني تأجيج صراع فلسطيني ــ أردني, ليحل محل الصراع العربي ــ الاسرائيلي. ومنذ أن كانت نكبة فلسطين, وحتى لحظتنا الراهنة, والعدو الصهيوني لا يألو جهداً عن تنفيذ هذا المخطط. ولقد قضى المغفور له الملك حسين عمره كله, وفي المقابل قضت الحركة الوطنية الفلسطينية كل سنوات نضالها, والفريقان يحاولان إيجاد الصيغ والمعادلات الكفيلة بعدم وقوعهما في هذا الفخ. فالمسألة ليست مسألة (أردنة) الفلسطينيين ولا (فلسطنة) الأردنيين, فالشعبان من أمة واحدة وأهل مصير واحد, وطلاب وحدة أشمل وأعم, ولكن.. لكن المسألة هى في رفض الشعبين أن (يتصهينا) معاً لمصلحة إسرائيل على حساب فلسطين. لقد اجتهد الحسين وحاول, كما اجتهدت القيادة الفلسطينية وحاولت, وخلع الفريقان ثياب الحرب ولبسا ثياب السلام, وقبلا في النهاية عبر ما أبرماه من اتفاقيات مع إسرائيل ما أثار عليهما غضباً محلياً وعربياً لا يستهان به, ورضيا بمنطق التفاوض والتساهل والتنازل مما أذهل بعض العدو نفسه باعتراف العديد من قياداته.. فماذا كانت النتيجة حتى الان؟ إن ما اتضح من نتائج هذا النهج التفاوضي حتى الان هو المزيد من التأزم بدلاً من الانفراج, فاتفاقية أوسلو لم تحم ما تبقى من أرض محتلة بل زادت من رقعة الاحتلال وضاعفت من عدد المستوطنات والمستوطنين مما بدد كل الآمال في إمكانية عودة النازحين واللاجئين, مما جدد القلق حول مصيرهم وفي أي مكان سيستقرون, وبالتالي تجدد الحديث عن الوطن البديل. وكما اتفاقية أوسلو, جاءت اتفاقية وادي عربة, خلافاً لما قيل عند توقيعها, لتجدد أحلام الصهاينة في التعاون مع الاردن لإيجاد حل إنساني لمشكلة اللاجئين شرط ألا يحدث أي تهجير قسري للفلسطينيين إليه. وغاب عن المفاوض الاردني انه ليس من الضروري لجوء اسرائيل الى قوة السلاح لتحقيق (قسرية) النزوح الى أراضيه, وأنه من الممكن تحقيق ذلك عبر وسائل وضغوط سياسية واقتصادية وأمنية,. ولو تم ذلك تدريجياً, كما يتمنى حزب العمل ويتميز عن الليكود. لقد سبق للفلسطينيين والاردنيين أن اتفقا على إقامة كونفيدرالية بينهما, بعد تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة سنة ,1967 إذا ارتأى الشعبان ذلك باستفتاء حر ونزيه. ولكن الاتفاقيات التي أبرمها كل من الفريقين مع اسرائيل وضعت كل العراقيل الممكنة أمام هذا الحل, إذ استطاعت إسرائيل بما أملته من شروط ووقائع جديدة أن تجعل علاقات الأردن والسلطة الفلسطينية معها أقوى مما هي بينهما, وهي لا تزال تلعب نفس الدور حتى تستكمل مشروعها من خلال الحل النهائي وحرمان شعب فلسطين من أية قطعة أرض يتمتع بحقوق السيادة فوق ترابها.. مما يجعل مشروع الكونفيدرالية في خبر كان. ولذلك فإن الشعور الذي كان يغمر نفوس مشيعي الملك حسين من أردنيين وفلسطينيين وعرب, وطغى على أي شعور آخر كان شعور القلق حول مصير هذا الكيان من خطر (الوظيفة) التي من أجلها أقيم.. أي أن يكون الوطن البديل!! هذا هو التحدي القديم ــ الجديد الذي يجابه الملك الشاب, بل يجابه الشعبين الأردني والفلسطيني, والأمة العربية بأسرها. فهل يتنبه أولو الأمر الى هذه الحقيقة ويتفقون بالتالي على كيفية مجابهتها, أم أنهم سيتركون العاهل الجديد ليبدأ من الصفر وكأن تجربة نيف وسبع وأربعين سنة ستواري مع صاحبها تحت الثرى؟ رحم الله الحسين, وكان في عون خليفته عبدالله.