يعتبر المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد مؤتمره السنوي بداية الاسبوع الماضي بمدينة دافوس السويسرية, واحدا من اهم, ان لم يكن اهم تجمع اقتصادي دولي في الحقبة الاخيرة . فهذا المنتدى الذي يحرص على حضوره كبار المفكرين والمخططين الاقتصاديين والقيادات السياسية من جميع انحاء العالم يقوم بمراجعة سنوية لاحوال الاقتصاد العالمي واتجاهاته, وتحرص دول كثيرة على ان تضع في اعتبارها التوصيات والتوجهات التي تخرج عن هذا المنتدى العالمي والذي يضم ما يمكن ان يطلق عليهم الصفوة الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة. ويعتبر كلاوس شواب مؤسس ورئيس هذا المنتدى احد رواد واقطاب نظرية العولمة الاقتصادية, وله دراسات واسعة في هذا المجال خاصة في اوائل التسعينات, وبعد انهيار الثنائية القطبية وسقوط التطبيقات الشمولية في الاتحاد السوفييتي ودول شرق اوروبا. وهو الذي وصف المرحلة الاقتصادية العالمية للاسواق المفتوحة والمنافسة الحرة والتي تتميز بالسرعة الفائقة لانتقال رؤوس الاموال والتطور الهائل في مجال التكنولوجيا خاصة في مجال المعلومات والاتصال اضافة الى تطور علوم الادارة والتسويق.. وبشر فى ذلك الوقت, خاصة بعد انشاء منظمة التجارة الحرة في اعقاب اتفاقية الجات, بزيادة واسعة ومضطردة في الانتاج وبازدهار مؤكد في التجارة العالمية وفي الاقتصاد العالمي كله وهو صاحب التعبير المشهور بأن قاطرة الازدهار الاقتصادي قد انطلقت ولم يعد هناك من يستطيع عرقلتها او وقفها. الجديد والمفاجىء ان كلاوس شواب رئيس اكبر منتدى اقتصادي رأسمالي دولي بدأ في العام الاخير تراجع عن الكثير من تفاؤلاته وقناعاته السابقة. ولانه قائد رأسمالي مسؤول فقد توقف كثيرا امام الموبقات التي واكبت الانطلاقة الرأسمالية الجامحة طوال عقد التسعينات وادت الى ازمات متوالية في بلدان ومناطق كثيرة من العالم, بدأت باليابان وجنوب شرق اسيا وانتقلت الى روسيا والبرازيل وامريكا اللاتينية, وترددت اصداؤها في اوروبا وامريكا. وتشير التقارير والتعليقات التي نشرها وكتبها شواب هذا العام الى قلقه الشديد لمسار نظام العولمة الاقتصادية ومطالبته بضرورة الاسراع في اصلاح هذا المسار قبل ان نخرج قطار التنمية العالمية عن الخط ويواجه العالم كله بكارثة اقتصادية. هذه نصوص مأخوذة من بعض تقاريره التي نشرتها الصحف الاوروبية والامريكية هذا العام. وفي التقرير الذي طرحه على المنتدى اثار شواب عددا من القضايا المهمة والتي تتطلب اعادة النظر. منها ان التطبيقات التي جرت في السنوات الاخيرة لانماط التنمية على النطاق العالمي قد افتقدت الى حد كبير المضمون الاجتماعي مما ادى الى ما يشبه الصدمة, والتي يمكن ان تتحول الى بؤرة بين الجماهير, وضرب امثلة على ذلك بما جرى في بعض البلدان الاوروبية وازدياد نسب البطالة. _ ومنها انه قد ثبت خطأ الاعتقاد بان الثورة العلمية التكنولوجية واليات السوق المفتوحة والمنافسة الحرة ستؤدي تلقائيا الى حياة افضل لقطاعات واسعة من الجماهير, بمعنى ايجاد وظائف اكثر واجور ومرئيات اعلى, في حين ان الذي جرى في واقع الامر هو زيادة عدد العاطلين وتقليص كبير في الخدمات المقدمة للعاملين. _ كما ثبت من خلال التطبيقات التي جرت في الاعوام الماضية خاصة في دول شرق اسيا واوروبا, وفي ظل قوانين المنافسة الحرة المفتوحة امام تدفقات رؤوس الاموال ان الذي يكسب يكسب كثيرا وان الذي يخسر يخسر كثيرا. وازدادت الهوة بين من يكسبون ومن يحشرون بدرجات كبيرة سواء على النطاق العالمي او على النطاق الاقليمي والقومي. وقال المعلم كلاوس شواب في تألقاته النقدية للوضع الاقتصادي العالمي ان هذه العوامل قد ادت الى ظاهرتين مرتبطتين. _ اولهما: ان الجماهير سواء في البلاد المتقدمة صناعيا او في غيرها من البلدان التي تسعى الى التطور او النامية قد اصبحت ترفض نتائج وآلام سياسة المواءمة التي فرضتها العولمة الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بمصالحها واحوالها المادية. وثانيهما: ان هناك ابتعادا متناميا بين اهداف المؤسسة الاقتصادية واهداف العاملين فيها بعد ان ثبت انه كلما زادت ارباح المؤسسات الاقتصادية في المنافسة الدولية, زاد عدد العاملين الذين يستغنى عنهم, الامر الذي ادى الى ما يشبه فقدان ثقة العاملين في التطور الرأسمالي الراهن. وخاصة وقد ثبت للجماهير ان الازدهار الرأسمالي بصورته الحالية يصب في طاحونة اقلية من المستثمرين والمديرين وليس في صالح الاغلبية. وحذر المفكر الاقتصادي الرأسمالي العالمي من المفاهيم السائدة التي ربطت عولمة الاقتصاد بالاسواق المفتوحة بلا حدود والمنافسة المطلقة, والتي تحولت الى قطار ينطلق بلا فرامل او قيود, الامر الذي يمثل مخاطر حقيقية. لاحظ ان شواب هو نفسه الذي استخدم في بداية التسعينات تعبير: القطار الخاص بالازدهار الاقتصادي قد انطلق, ولم يعد هناك من يستطيع وقفة او عرقته. ويطالب رئيس اكبر تجمع اقتصادي رأسمالي عالمي بضرورة البحث بشكل جدي عن المسؤوليات الاجتماعية للمؤسسات الرأسمالي, وايضا عن دور فاعل للحكومات التي ربما اصبح عليها دورا اهم عليها ان تلعبه, ربما اكثر من اي وقت مضى, والقضية من وجهة نظرة ليست التزاما اخلاقيا بل قناعة مؤكدة بأنه لايمكن احداث اي نمو او تطور اقتصادي حقيقي مع تجاهل المصالح الاساسية للمنتجين الحقيقين الذين يمثلون جوهر التنمية. بالطبع فنحن لا نملك سوى ان نحي هذا الرجل الشجاع كلاوس شواب الذي بشرنا يوما بازدهار اقتصادي غير مسبوق مع قاطرة الاسواق والحدود المفتوحة, ثم يحذرنا اليوم من ان هذه القاطرة يمكن ان تخرج عن المسار او انها خرجت بالفعل. بل ويحذر من ان عدم اصلاح المسار الاقتصادي بأبعاده العالمية يعني تهديدا حقيقيا لعمليات التنمية وللاستقرار الاجتماعي في بلدان كثيرة. ان الذي يقول وينطق ذلك بشجاعة ليس احد قادة اليسار الاوروبي أو احد الحكام الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يبحثون علنا عن الطريق الثالث بعيدا عن موبقات الرأسمالية المتوحشة. لكن الرجل هو كلاوس شواب مؤسس ورئيس اكبر منتدى اقتصادي رأسمالي في ظل العولمة الاقتصادية الراهنة, هذا المنتدى الذي عقد مؤتمره السنوي اوائل الاسبوع الماضي في دافوس.