ليس من المبالغة القول ان انشغال العالم بمصير بلد من البلدان لم يبلغ المقدار الذي بلغة بالنسبة لمصير الاردن بعد وفاة عاهله الراحل الملك حسين, وهذا القلق الذي ظهر بوضوح من خلال مواقف وتعبيرات اقليمية ودولية متعددة الاشكال يرتبط بعاملين رئيسيين : الاول هو الدور الذي يؤديه الاردن في تحقيق التوازن الاقليمي الدقيق, والمهدد دائما بالانهيار امام الحالة التي شكلها قيام دولة اسرائيلية على انقاض الوطن الفلسطيني, مع كل مضاعفاته اللاحقة, والثاني هو طبيعة النظام القائم في الاردن والذي ربط على نحو لاسابق له بين شخص عاهله وبين مصير النظام نفسه, على رغم وجود آلية دستورية واضحة للخلافة, وقد تكون الفترة الزمنية الطويلة ( 47 سنة) التي حدث فيها هذا الارتباط بين شخص الملك ونظام الحكم هي التفسير المنطقي لهذا الواقع, بالاضافة الى الاستقرار النسبي الذي امكن تحقيقه خلال ذلك وسط العواصف السياسية الشديدة التي تعرضت لها المملكة الاردنية منذ اعلانها رسميا في عام 1946. الى ذلك , فان المصاعب التي يواجهها الاقتصاد الاردني بصورة مستمرة, نظرا لظروفه الخاصة تتطلب جهودا, استثنائية, ودائمة للتغلب عليها. والحال, فان الاردن يفتقر الى الموارد الثابتة التي تؤمن له التوازن الاقتصادي المطلوب, مما يفرض عليه الاعتماد على المساعدات الخارجية, عربية ودولية, لسد النقص في مداخيله العامة والتمكن من الانفاق على برامج التنمية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي, وبسبب هذا الخلل الاساسي كان من الطبيعي ان تسجل المديونية الخارجية للاردن ارقاما عالية وصلت الى مايزيد عن سبعة مليارات دولار, اي مايوازي قيمة الناتج المحلي الاجمالي, في حين ترتفع ارقام البطالة الى مايقرب من 56 في المئة ( وفقا لاحصاءات صندوق النقد الدولي), وهبطت نسبة النمو الى واحد في المئة خلال المرحلة التي اعقبت حرب الخليج الثانية, وفوق ذلك فان الاردن ينفذ برنامجا للاصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي, مايفرض عليه زيادة الضغط المعيشي على الفئات ذات الدخل المحدود نتيجة لرفع الدعم الحكومي عن بعض السلع الرئيسية, الامر الذي ادى في مرات عديدة الى اضطرابات داخلية واسعة. ويلاحظ المحللون ان تعطيل عملية التسوية السلمية يأتي في مقدمة الاسباب التي ضاعفت من حدة التأزم الاقتصادي والسياسي في الاردن, معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية لم تحقق لعمان النتائج التي كانت تطمح اليها, اولا لأن عملية التطبيع مع اسرائيل مازالت تصطدم برفض شعبي حازم, وثانيا لان الاستثمارات الاسرائيلية في الاردن ظلت محدودة جدا برغم انقضاء اكثر من اربع سنوات على توقيع اتفاق (وادي عربة) كذلك فان لموقعه المركزي في العملية السلمية برمتها من جهة, وبسب المخاوف التي يثيرها استمرار الاوضاع الراهنة بالنسبة للحسابات المستقبلية الخاصة بمصير الاردن, من جهة ثانية. فالتيارات المتشددة في اسرائىل, وهي ترسم صورة الوضع النهائي للمنطقة, متجاهلة كل الاتفاقات الموقعة مع الاردنيين والفلسطينيين ماتزال تنظر الى الاردن باعتباره (الوطن البديل) فهي تعتقد ان نجاح هذا المشروع, القديم المتجدد دائما, يعطيها فرصة اكبر للاحتفاظ بمزيد من الاراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال, بعد وأد حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وتحول الضغط السكاني الفلسطيني الى الشرق, ثم تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تشكل ابرز بند في مفاوضات الوضع النهائي مع السلطة الفلسطينية. والى ذلك فان هذا (الحل) الاسرائيلي يجعل من نهر الاردن الحدود الامنية الشرقية لاسرائيل وهو الامر الذي مازال جميع قادة اسرائيل, يمينا ويسارا, يشددون عليه ويضعونه في مقدمة شروطهم للتسوية النهائية. ومن الواضح ان السياسات التي تنفذها الحكومة الاسرائيلية الحالية تدفع بالامور في هذا الاتجاه, على الرغم من الاعلانات الاسرائيلية المتكررة بان اسرائيل (هي الدولة الوحيدة التي يستطيع الاردن الاعتماد عليها) ذلك ان رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة سيكون من شأنه استمرار الفوضى في المنطقة وتفجر اعمال عنف متزايدة, وبطبيعة الحال فان الاردن لن يكون في منجاة من هذه الفوضى , بل ربما يصبح اول ضحاياها. لكل هذه الاسباب يبدو القلق العالمي حيال مستقبل الاردن مبررا. فالامر لايتعلق باعتبارات شخصية, مهما بلغت اهميتها, وانما يتعلق باعتبارات موضوعية, مازال الخطر الاسرائيلي يشكل العامل الابرز فيها. ولعل هذا اول تحد يواجهه الملك عبدالله بن الحسين, في مرحلة مابعد والده الراحل. كاتب لبناني مقيم في باريس