البحرين ذلك البلد الصغير في حجمه الجغرافي الكبير جدا برحابة قلوب اهله, اصحاب الاصالة الذين يأسرون زائرهم بطيبة القلب وحسن المعاملة ودماثة الاخلاق, فيكون الانسان بين خير اهل وعشيرة , وهذه مسألة يؤكدها كل من تعرف عن قرب على اهلنا الكرام في البحرين. وكما اشتهرت البحرين بمائها الحلو ولؤلؤها الجميل, زخرت حديثا بتجربتها التربوية, هذا ما وقفت عليه اثناء زيارتي للبحرين خلال اجازة الربيع, ويسعدني ان اسطر هذه التجربة لكي يستفيد منها العقلاء الحريصون على مستقبل التربية في وطنهم. تاريخ زاخر بدأ التعليم في البحرين كما هو الحال في الدول المجاورة من خلال الكتاتيب التي كان يدرس فيها (المطاوعة) القران الكريم والقراءة والكتابة وبعض الحساب, ومع تطور المجتمع بدأت المدارس تنتشر في البحرين حيث شهد عام 1919 بداية التعليم النظامي بتأسيس مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق والتي اشرف عليها نخبة من علية القوم يرأسها المغفور له بإذنه تعالى الشيخ عبدالله بن عيسى ال خليفة, وبعد ذلك بعامين افتتحت مدرسة ابتدائية للبنين بالمنامة, في 1927 افتتحت مدرستان أخريتان في الحد والرفاع الشرقي, وفي عام 1928 فتحت اول مدرسة للبنات بالمحرق فأصبح عدد المدارس في البحرين سبع مدارس. وزادت الدولة من اهتمامها بالتعليم حتى اشرفت عليه تماما 1930 ومع زيادة عدد الملتحقين بالتعليم زاد عدد المدارس وتطورت المناهج, ويشير تقرير التنمية البشرية لدولة البحرين الصادر في 1998 عن برنامج الامم المتحدة الانمائي الى القفزة النوعية والكمية في التعليم البحريني, فمعدلات القيد في المدارس والمعاهد والجامعات اعلى من متوسط النسبة لمجموعة جميع الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة بما فيها الدول الصناعية التي تقل فيها معدلات القيد عن البحرين بثلاث نقاط بالنسبة للاناث ونقطة واحدة للذكور, ففي المرحلة الابتدائية كانت نسبة الالتحاق 100% للجنسين, بينما تصل نسبة الاطفال غير الملتحقين بهذه المرحلة 15% في الدول العربية و9% في الدول النامية, وبلغت نسبة من لم يصلوا الى الصف الخامس 1% فقط والنسبة المماثلة في الدول العربية 9% و25% في الدول النامية ومؤشرات الانفاق تزيد من قناعتنا بالتعليم البحريني فقد بلغت نسبة الانفاق على التعليم 12% من اجمالي الانفاق الحكومي حتى 1995, كما بلغت نسبة الانفاق من اجمالي الناتج المحلي 4.7% حتى 1994 ومن المؤشرات الايجابية ان 73% من الانفاق الحكومي يذهب الى المرحلة الاساسية. واقع مثمر خلال وجودي في البحرين اتيحت لي فرصة الوقوف على تجربتين تربويتين جديدتين حيث زرت, اولا مدرسة ام ايمن والتي اسست سنة 1961م والتي يتبع فيها اسلوب جديد للتقويم في الساحة الخليجية, وهو التقويم خلال الكفايات ولابد ان اعطي تعريفا بسيطا لبعض المصطلحات قبل التطرق لهذه التجربة, والتي صدر فيها قرار وزاري في رجب 1415هـ الموافق ديسمبر 1994, حيث عرفت المصطلحات بما يتناسب مع هذه التجربة, فالتحصيل هو: مدى ما اكتسبه الطالب من مهارات ومعارف ومواقف وقيم في فترة زمنية معينة مقارنة بمجموعة المهارات والمعارف والمواقف والقيم المطلوب اكتسابها, وبهذا قدمت المهارة على المعرفة, اما التقويم التكويني فهو: عملية تشخيصية تصحيحية مستمرة تهدف الى ضمان إحداث التعلم المطلوب مع توفير تغذية استرجاعية لمعاودة التعليم والتقويم من دون اصدار احكام على المتعلم اثناء تعلمه, وذلك بقصد تحسين مردود عملية التعلم والتعليم وبناء الشخصية, وبذلك لايصدر حكم على المتعلم بل يشخص لمعرفة جوانب الضعف بهدف تخطيط البرنامج المناسب لعلاج المتعلم, واصعب ما في هذا النظام هو التقويم التجميعي الذي يعرف بأنه: عملية تلخيص طولية تقوم على التقدم عبر الزمن وترمي الى ابراز اهم نتائج التعلم المتكاملة المبنية كليا على مجمل التقويم التكويني, وتقوم المعلمة هنا باعداد سجل تراكمي لنمو المتعلم, وقبل البدء بالتقويم حولت وزارة التربية المنهاج الى مجموعة من الكفايات الاساسية وهي: مجموعة الكفايات المؤتلفة والمتكاملة التي يستوجب اتقانها على مستوى معين كحد ادنى, كي يتمكن الطالب من متابعة التعلم, بحيث لايجوز الجهل بها, وهي لاتتعارض مع اتقان كفايات اخرى ومع انماء الشخصية, فأصبح دور المعلم ايصال المتعلم الى اتقان هذه الكفايات بدلا من تحفيظه للمعلومات والمعارف التي تنسى بعد الاختبار وباستخدام اساليب التقويم المختلفة من ملاحظة منظمة ونشاطات مخططة وذاتية ومشاريع فردية وجماعية وكذلك كتابة التقارير والامتحانات بأنواعها المختلفة يصبح للتقويم معنى جديدا يخدم المتعلم بدلا من ان يخذله ويساعده على النجاح بدلا من دفعه الى الفشل لذلك اصبح مفهوم التقويم يطبق حسب ما يلي: 1ــ تكون المدرسة مسؤولة عن اتقان الطلبة جميع كفايات المنهج المؤتلفة المتكاملة. 2ــ يكون المعلم مسؤولا عن اتقان طلبة صفه الكفايات الاساسية وكفايات المنهج الاخرى المنشودة مؤتلفة ومتفرقة ومؤمنا للنماء المستمر, ومحسنا لتعلم وتعليم كل واحد منهم. 3ــ تستمر عملية التقويم بحيث تغدو نشاطا يرافق عملية التعلم والتعليم في جميع مراحلها منذ بدايتها حتى نهايتها مرورا بالعمليات التصحيحية, وهذا يتطلب ان يستخدم المعلم الوصف التشخيصي في مختلف مراحل التقويم وانواعه, بحيث تظهر نقاط القوة التي يلزمها تعزيز وتدعيم واثراء للافادة منها في عملية التعلم والتعليم, ونقاط الضعف التي تحتاج الى تصحيح وعلاج وتغذية استرجاعية عاجلة تتلافى القصور, من دون اصدار اي حكم على المتعلم خلال تعلمه. 4ــ يكون التقويم شاملا في اساليبه وادواته بحيث يشتمل على تقنيات متنوعة ووسائل ملاحظة ملائمة لطبيعة الاهداف, للتأكد من حدوث التعلم المتكامل, وللكشف عن المهارات العليا: كحل المشكلات وتطوير اساليب التفكير مثل: القدرة على الاستنتاج والتعميم واستخدام القواعد والتعميمات في تفسير مواقف جديدة, والقدرة على ادراك العلاقات المعقدة بين الاسباب النتائج بدلا من اقتصار التقويم على المستويات المتدنية من التعلم, وهذا يتطلب معارف متعددة متنوعة لدى المعلم والمدرسة. 5ــ يضع ــ المعلم بالتعاون مع زملائه في المدرسة ــ خطة عمل جديدة تشتمل على بدائل عدة بعد كل عملية تقويم يقوم بها, استنادا الى التغذية الاسترجاعية, ويقوم مباشرة بمعاودة تعليم الطلبة الذين تبين انهم لم يتقنوا احدى المهارات او بعضها او جميعها, مع تغيير وسائل وطرائق التدريس حتى يصل كل متعلم الى مستوى الانجاز المطلوب, على ان يكلف الطلبة الذين اتقنوا الكفايات المطلوبة بنشاطات متقدمة في مجال الكفاية موضوع التعلم. 6ــ اعطاء حالات بطء التعلم اهمية خاصة من قبل المعلم والمدرسة. 7ــ اعتبار مراجعة تقدير مستوى الاداء في نهاية كل مرحلة دراسية اساسا في معرفة مدى تحقق اهداف المرحلة, ومدى اتقان الطالب الكفايات المتكاملة حتى ينتقل الى مرحلة الابتدائية العليا. 8ــ تحتفظ المدرسة بملف فردي تراكمي للطالب يضم معلومات وتأويلات متنوعة: صحية, واجتماعية واكاديمية عن الطالب. 9ــ يتم تقدير مستوى الطالب انطلاقا من موقعه بالنسبة لسلم اداء الكفاية المنشودة, دون النظر الى موقعه النسبي, او مقارنة ادائه بتحصيل بقية الطلبة طوال فترة دراسته. 10 ــ يقوم المعلم ــ بالتعاون مع المشرف الاجتماعي ــ برصد ذوى الحالات الخاصة (المتفوقين والمتأخرين) والاستجابة لاحتياجات كل منهم. 11ــ تتبادل المدرسة والبيت المعلومات حول الطالب للمشاركة في متابعة دراسته ونمو مستواه العلمي والخلقي. 12ــ يمكن لمعلم المرحلة التأسيسية, بالتنسيق مع مدير المدرسة, التصرف في تدريس وحدات محتوى مضمون المنهج تقديما او تأخيرا, تعجيلا داخل المادة الزمنية لصفوف المرحلة. وبهذا نجحت مدارس البحرين الابتدائية في تجاوز عقدة الامتحانات لضمان نجاح الابناء في المدرسة وفي نفس الوقت اتقانهم للمهارات اللازمة, واما الزيارة الثانية فكانت لمدرسة خولة الثانوية للبنات بهدف معرفة تجربة البحرين في ادخال الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) في المدارس الثانوية هذا المشروع الذي تقوم به لجنة فنية خاصة في الوزارة بهدف: 1ــ المساهمة في تهيئة المعلمين والطلبة لعصر المعلوماتية. 2ــ توظيف شبكة المعلومات العالميةفي كافة اوجه العملية التعليمية التعلمية: كأداة للتعليم, وكمصدر للتعلم, وفي الادارة المدرسية. 3ــ الاستفادة من امكانيات شبكة الانترنت للتواصل بين المعلمين والطلبة والخبراء واولياء الامور, والمجتمع بشكل عام. ويمر المشروع بالمراحل التالية: 1ــ تعريف المسؤولين في جميع ادارات وزارة التربية والتعليم بالشبكة العالمية للمعلومات وبمزاياها واوجه القصور فيها. 2ــ البدء بادخال خدمة الانترنت ــ مع استخدام برنامج للحماية من المواقع غير المرغوب فيها ــ في المرحلة الثانوية من خلال مدرستين احداهما للبنين واخرى للبنات وذلك عن طريق مركز مصادر التعلم فيهما باعتبار ان الانترنت مجموعة من المصادر المتشابكة, ولوجود الاختصاصي المؤهل لادارة استخدام مصادر المعلومات. 3ــ تقويم التجربة في هاتين المدرستين. 4ــ تعميم ادخال الانترنت في مراكز مصادر التعلم بالمدارس الثانوية الاخرى. 5ــ التوسع الافقي في كل مدرسة عن طريق توفير الانترنت في كافة مرافقها تدريجيا. ونفذ المشروع على مراحل ست, بدأ بالتدريب وربط الانترنت بالمنهج ومن ثم تأمين الاجهزة والتوصيلات اللازمة وساند ذلك دعم فني مناسب ومتابعة ميدانية من اجل الاشراف المباشر ومن ثم يتم انشاء موقع تعليمي للوزارة على الانترنت من اجل التواصل. حلوى البحرين اكتب هذا المقال ولازال طيب الحلوى البحرينية يحلي انفاس كل من تذوقها, فقد عدت الى اهلي واصدقائي بهذه الهدية الغالية بالاضافة الى ذهب البحرين الجميل الذي يصدق فيه قول العربي: واصبح شعري منها فيه مكانه وفي عنق الحسناء يستحسن العقد والى اهل التربية في وطني اهديهم هذا العقد الجميل الذي صاغه الكاتب من تجربة البحرين التربوية: 1ــ تكامل وتنسيق: هناك ربط واضح في دولة البحرين بين الدور الذي تلعبه كلية التربية في جامعة البحريت والذين يشرف عليه الدكتور الفاضل خالد بوقحوص ووزارة التربية بقيادة معالي الوزير وعضوية الاخ العزيز الاستاذ الدكتور حسين السادة وكيل الوزارة وعميد كلية التربية في جامعة البحرين سابقا, فبرامج الكلية تطلبها الوزارة وتؤمن الكلية الحاجات التدريسية للمعلمين مما جعل عملية التطوير التربوي في البحرين ذات جذور وطنية. 2ــ ماحك جلدك مثل ظفرك: مما يميز التعليم البحريني وجود ذلك العدد المناسب من الكفاءات البحرينية المتخصصة تربويا في الوزارة وكذلك المدارس فكتربويين ندرك اهمية وجود الخبرات العربية والعالمية ولكن في نهاية المطاف (ما حك جلدك مثل ظفرك) كما تقول العرب لأن عملية التطوير التربوي بحاجة الى استمرارية وتدرج وهذا بحاجة الى عناصر تعش التطوير ردحا من الزمن, لذلك ومنذ 16 سنة تعقد الوزارة مؤتمرها التربوي السنوي للارتقاء بالميدان علميا. 3ــ البرقيات: في اثناء زيارتي للمدارس البحرينية شرفت بصحبة سعادة الاستاذ الفاضل علي بو بشيت الوكيل المساعد للمناهج والتدريب في وزارة التربية واعجبني علاقته الواضحة بالميدان فهم يعرفونه ولا غرابة في ذلك ولكنه يعرفهم حق المعرفة ففي البحرين لا يدار الميدان خلال البرقيات العاجلة بل بالتعاون والتنسيق, ومن الامثلة على ذلك ان مشروعا ناجحا مثل التقويم خلال الكفايات لا تطبقه الا ما يقارب 60% من مدارس البحرين وعندما سألت سعادة الوكيل المساعد فاجأني بقوله انهم في التطوير لايجبرون المدرسة على التنفيذ حتى تتكون القناعات اللازمة لنجاح العملية لدى مدير المدرسة والمعلمين وعندهم يسعون هم لطلب المساعدة من الوزارة للتدريب ومن ثم التنفيذ, انه اسلوب ناجح ولاشك في التعامل مع الميدان التربوي لان الاستعجال في التطوير التربوي دون اعداد الميدان لذلك اول خطوات الفشل. لقد نجحت البحرين في تحويل بعض المكونات الاساسية الى حلوى بحرينية, وكذلك فعل الصاغة البحرينيون بالذهب, واهل التربية على الطريق في نقل التجارب العالمية الناجحة بعد ربطها بجذور الدولة الثقافية والاجتماعية, بعد هذه الانجازات الحضارية لدولتنا الرائدة في بناء الانسان واعداده للمستقبل, يطرح سؤال نفسه هل التربية والتعليم في دولة الامارات لها مثل هذه المبادرات؟ ام اننا مازلنا عالة على الغير؟ وكيل كلية التربية