باحتفال جمهورية ايران الاسلامية بعيد الثورة الاسلامية العشرين هذا الشهر يسترجع المراقب مسيرة هذه الثورة وتأثيراتها على جيرانها وموقفها من الدنيا والدين وسط السياسات المتغيرة, وفتاوى فقهية تحاول اللحاق بها وهي تواجه مجتمعا متحركا وشديد التوق الى التغيير . ونحن في الخليج اقرب أولئك الجيران الى ايران والأحق بأن نفهم هذه الثورة على حقيقتها كما نفهم الوضع القائم في ايران دون تبسيط او تضخيم, من اجل التعامل معه كما هو لا كما يجب ان يكون, ومن اجل تطبيع عقلاني للعلاقات فيما بيننا يستمد من خبرة السنوات الماضية بعض الدروس. بعد عشرين عاما من الثورة اختلف المجتمع الايراني, عن مجتمع الشاه محمد رضا بهلوي, فقد صعد جيل من الايرانيين يذكر بالكاد ايام الشاه وهو جيل ليس قليل العدد لانه يشكل ثلث المجتمع الايراني, كما ان هناك جيلا جديدا في الخليج لا يذكر من ايران غير ثورة رجال الدين على الحكم السابق وهم ايضا طائفة كبيرة. خلال العشرين العام المنصرمة مرت تحت جسر الثورة الايرانية الكثير من دوامات المياه المضطرب لعل اهم هذه الدوامات هي سنوات الحرب العراقية الايرانية العشر التي تركت تأثيرا مرا في الحلوق الى يومنا هذا, بعد ان قدم الشعب الايراني التضحيات الكبرى في هذه الحرب حتى أوشكت خزائنه على الافلاس, كما اهرقت الدماء العربية العراقية غزيرة في هذه الساحة, والجانب الاكثر مأساوية في هذه الحرب الطويلة ان اسبابها كانت واهنة ونتائجها اشد وهنا ولكنها تركت جرحا لم يلتئم حتى الآن وفجوة من الثقة سوف تبقى فاغرة لسنوات طويلة. وفي السنوات العشر اللاحقة بعد الحرب دخلت ايران في صراع داخلي ظاهر في بعض الاحيان, ومكتوم في احيان اخرى, يدور جله حول الهوية الايرانية الجديدة, ومازال هذا الصراع حول الهوية دائرا بأشكال مختلفة, إلا انه في حومة هذا الصراع استطاعت الجمهورية الاسلامية في ايران ان تختط بعض الخطوط العريضة لاقامة المؤسسات فهناك دستور مطبق وبناء مؤسساتي معقول, وقد جرت انتخابات لمنصب رئيس الجمهورية اكثر من مرة واصبح تداول السلطة حقيقة معقولة في الحياة السياسية الايرانية, ولم تتحول ايران الى دولة قمعية ولم يعد اتخاذ القرار في يد واحدة وبات علينا ان نقر بأن ايران من الدول الاسلامية التي تتم فيها انتخابات رئاسية حقيقية وليس مجرد استفتاءات شكلية. ولكن مازالت الثورة الايرانية او ما بقى منها من رجال وافكار تبحث عن الهوية الجديدة, تبحث عنها للوصول الى الحكم, وتبحث عنها كصيغة لتنظيم المجتمع, انها صيغة تكاد تكون مستحيلة فالمعادلة المطلوبة ان يكون هناك حكم لا يغادر التراث من جهة ويستجيب للحاضر من جهة اخرى, هي صيغة بحث عنها الكثير من المفكرين العرب والاسلاميين نظريا دون طائل, ويكاد الشبه يتلامس في كل شيء عندما تقرأ الخاتميات المنشورة (أفكار السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية) من جهة وتقرأ كتابات شكيب ارسلان ومحمد عبده مرورا بطه حسين في بعض مؤلفاته من جهة اخرى, وسوف تجد ان الصيغة التى يبحث عنها الجميع في مجملها تختصر بالسؤال التالي: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم, لماذا بقى المسلمون في آخر سلم الامم في القرون الاخيرة, وتقدم آخرون في الاقتصاد والسياسة والاجتماع؟ البحث عن الهوية في ايران تجربة مضنية كالبحث عن الهوية لدى العرب في النصف الثاني من القرن العشرين فهو بحث دائب عن جذور القومية ولكنها بعد الثورة الاسلامية في ايران زادت الحاحا فحتى تكون مسلما جيدا لابد في الغالب ان تفهم العربية فهما جيدا وهي لغة القرآن الكريم, ولكن هذا البحث عندما يضرب جذوره في التاريخ يواجه بثقافة اخرى هي الفارسية, فالتراث الفارسي في الثقافة الايرانية الحديثة تراث تجذر في العصور السابقة وجذر معه الهوية الفارسية ولولا هذا التراث الحضاري لتكلم الايرانيون العربية منذ زمن طويل, كما تكلم غيرهم العربية من الشعوب التي دخلت الاسلام ولم تكن العربية لغتهم, ولكنهم اصبحوا عربا, حيث ان (العربية هي اللسان) هذا التراث الفارسي يوظف الآن من بعض القوى في ايران كمضاد وبديل سياسي لاطروحات الثورة الاسلامية, ومع كل فشل سياسي واقتصادي واجتماعي تقوى الدعوة للقومية الايرانية, ادراكا منهم ايضا ان المشاعر القومية تتصاعد على حساب المشاعر الدينية. اللغة هي احد العوازل المهمة بين العرب والايرانيين مع العلم ان هناك مفردات كثيرة في اللغة الفارسية هي ذات جذور عربية وهما اقرب لغتين متجاورتين الى بعضهما البعض, فقد كانت العربية لفترة طويلة هي لغة الحكم ثم تجاورت اللغتان ادبيا بحيث كان الشاعر يكتب صدر البيت بالفارسية وعجزه بالعربية كذلك قدمت الحضارة الفارسية مساهمات بسبب جذورها الحضارية العريقة للتراث الاسلامي قد يعجز البعض اليوم عن الاشارة الى كبار مفكري الاسلام ذوي الاصول الفارسية الذين ساهموا في هذا الانجاز, او الرد بالاجابة القاطعة هل هم عرب ام فرس ام هم مسلمون أولا واخيرا؟ هذا العازل اللغوي ارتفع يوما بعد يوم حتى بنى جدارا بين الثقافتين العربية والفارسية واستفاد منه السياسيون بشكل سلبي ولسبب أو لآخر, وبنى ايضا حاجزا نفسيا بين شعوب هذه البلدان, ولم يكن هناك لا في الجانب الايراني ابان تصاعد المد القومي, ولا في الجانب العربي من القى نظرة اعمق على اهمية الوفاق العربي الايراني, ومازالت المواقف الايديولوجية تقف في الكثير من الاوقات عازلا عن محاولة الفهم المشترك, وتتسم العلاقات العربية الايرانية في مجملها في التاريخ المعاصر بالتصادم اكثر من الوفاق, ساعد على ذلك في السنوات الاولى للثورة الاسلامية الضجيج الاعلامي والسياسي المصاحب الذي سمي بتصدير الثورة وهو الشعار الذي القى بالخوف في نفوس الجميع فمنعهم من الفهم فضلا عن التعاطف. كما ساهم في ذلك الخبرة المحدودة في الحكم والادارة للثوريين الذين قبضوا على زمام الحكم, فتحولت المناداة الايرانية السياسية لمناصرة (المستضعفين) الى دعوى للتدخل في شؤون الغير, وقادت ايضا الى اصدار فتاوى ملزمة للخلف. قراءة الخاتمية السياسية وما تحاول ان تطبقه اليوم في ايران الاسلامية, هو ان تجد لها منزلة بين المنزلتين بين الاتصال بالتراث والنظر الى الواقع, وهي مدرسة سياسية ليست غريبة عن الممارسات التاريخية في الدول الاسلامية السابقة, اي ان هذه المنزلة بين المنزلتين سهل ان تقال وينظر لها وصعب تطبيقها في الساحة السياسية الايرانية المكتظة بالاجتهادات السياسية والدينية في آن, وحيث تكونت في العشرين سنة الاخيرة مصالح لفئات متعددة من الصعب ان تغادر مكانها بسهولة ويسر. ان تحكيم العقل والوصول الى نتائج تقوم على المنطق في تاريخ المسلمين السياسي هي تجارب قصيرة العمر في التاريخ السياسي الاسلامي.. وما تتبناه السلطة السياسية في فترة ما سرعان ما تتخلى عنه.. وهذا العمر القصير يدل على ان مثل هذه الافكار لا تتجذر دون توعية وتثقيف العامة, ولعل الصراع الذي يقوده خاتمي اليوم يتكرر دون تفاصيل الصراع الثقافي بين المنقول والمعقول, ان ما يرغب به خاتمي هو التزاوج بين مبادىء الاسلام والليبرالية وهو يطمح الى نمو تطور ما يسميه بالمجتمع الاسلامي المدني. بين المعقول والمنقول تتباين السياسات الايرانية والخليجية خاصة, فمن المعقول في السياسة الخارجية من وجهة نظر اهل الخليج, وجود الولايات المتحدة في الخليج لاسباب مصلحية وسياسية, ومن المنقول في السياسة الايرانية الموروثة العداء المطلق للولايات المتحدة, الخاتمية تتفهم هذا الوجود وتتبنى نظرة معقولة تجاهه بل وترسل اشارات للولايات المتحدة نفسها لتفهم الدور الحضاري والمعرفي للولايات المتحدة فيما سماه السيد خاتمي نفسه بالحوار الثقافي, هذا التفهم يجابه بمعارضة اهل المنقول في ايران ويمنع بالتالي اي تطور لتطبيع العلاقات الايرانية الامريكية. ايضا بين المعقول في العلاقات مع اسرائىل ان هناك دولا عربية قد مدت جسور التفاهم لاسباب شتى مع هذه الدولة, بل ان الفلسطينيين انفسهم قد دخلوا في حوارات سياسية مباشرة مع اسرائيل, في الوقت الذي مازال اهل المنقول في السياسة الايرانية يرفضون هذا المسار, ولعل اهم اسباب هذا الرفض القاطع هو الموقف السوري الذي مازالت قضايا السلام بالنسبة له معلقة ومؤجلة في مواجهة التعنت الاسرائيلي وعلينا ألا ننسى ان سوريا كانت الحليف الاكبر لايران في حربها مع العراق, إلا ان اسرائيل تتذرع بحجج التسلح الايراني لتبقى ترسانتها مكتظة بالاسلحة التقليدية وبنوع من الابتزاز تمارسه على الولايات المتحدة الامريكية. والسؤال بعد عشرين عاما من الثورة الاسلامية الايرانية هل فترة المعقول لدى السيد خاتمي هي فترة مؤقتة وقصيرة كما كانت فترة المعقول في التاريخ الاسلامي؟ لعل بعض الاجابة سمعتها من اكاديمي ايراني حيث اجاب عن سؤال لي حول الفتاوى السياسية بقوله: حتى الفتاوى لها تاريخ صلاحية. المطلوب من العقلاء على الجانبين العربي ـ خاصة الخليجي ــ والايراني ان يطوروا خطوات التطبيع بين بلدانهم, لقد تحسنت علاقات ايران مع دول الخليج وكذلك مصر, بل ومع اوروبا بشكل عام عندما نأت الدولة الايرانية بنفسها علنا عن قضية سلمان رشدي التي سممت العلاقات الاوروبية الايرانية, وعندما تتحسن العلاقات فإن اجواء بناء الثقة تكون مواتية اكثر, وتوجد مناطق للمصالح المشتركة, لقد وعى الايرانيون كما وعى العرب انه لا يمكن لطرف ان يزيل الآخر, وعلينا جميعا ان نتعايش بطريقة تعاونية وتعاضدية لان هذا الطريق هو الممكن الوحيد بعد كل هذه النكبات.