ماذا استفدنا والعالم من مونيكا جيت؟ باستثناء قمصان تي شيرت وأكواب شاي ودمى وسيجار يحمل كل منها صوراً لمونيكا وحدها, أو لمونيكا وكلينتون, لم نستفد شيئاً على الاطلاق , لأن الفضيحة انتهت بانتصار بطلها الرئيسي, وهذه أول مرة ينتصر فيها متورط حتى اذنيه في فضائح جنسية وكذب رسمي ويستطيع ان يعترف بكل ذلك ثم يطلب الصفح عنه والغفران مرة بعد مرة, وكأن الذي ارتكب ما ارتكب شخص آخر يطلب له المعذرة. وكنا سنقول إننا استفدنا مشاهدين عبر العالم كله من قضية داخلية أمريكية كمونيكا جيت, شوية قلة أدب, وتخريب أخلاق عالي المستوى, ودروسا في البذاءة على الهواء مباشرة, لولا ان تخريب الاخلاق وقلة الأدب لم يكونا في يوم فائدة ترتجى, ثم هناك لمن يريد ان يخرب اخلاقه ويفسد بعض أدبه من الوسائل ما يكفيه في هذا الزمن, من غير حاجة, الى رئيس دولة كبرى وبرلمانها ومحاميها وقضاتها يتولون الأمر له بالشرح والصور ووسائل الايضاح, كالذي حدث مع مونيكا جيت. ثم كنا سنقول ايضا اننا تسلينا كثيراً وعلى مدى أكثر من عام بدراما غريبة تحدث لأول مرة في التاريخ, حيث يحاسب فيها رئيس دولة, لا على خسارته حرباً مع اعداء أو انتهاكه قوانين ودستور بلده أو قبضه رشاوى في صفقات سلاح, وإنما لسبب آخر أهون بكثير, هو أنه ترك فتحة بنطاله مفتوحة أكثر مما يجب, ولعب بذيله كما قد يفعل أي رجل آخر من وراء ظهر زوجته, لولا ان التسلية من هذا النوع كثيرة ايضا على شاشات السينما وفي الكتب كما على شاشات التلفزة. طبعاً الفائدة ستكون مؤكدة لو أن الرئيس هزم فعلاً وخرج من الرئاسة بعاره, فتكون هناك مبررات لطول المحاكمة واشغال الناس بها, كما قد تكون هناك قضية انتصرت لصالح الأعراف والقوانين والمبادىء, التي منها ان على الرؤساء ان يحترموا الدساتير والقوانين وألا يستغلوا مراكزهم ومقار أعمالهم للاغراض الشخصية والا يكذبوا على الناس وألا يخدعوا العدالة, وغير ذلك من واجبات, لولا ان المحاكمة الطويلة كلها انتهت الى لا شيء من ذلك اطلاقاً, فتكون البراءة من جانب آخر تكريسا لما يمكن ان يرتكبه الرؤساء من مخالفات فينجون بذيلهم, حتى وهم يلعبون به سراً وعلناً. وهكذا فهناك رؤساء كالذين نعرف في العالم الثالث خرجوا منتصرين من محاكمة الرئيس الأمريكي, ولم يخرج كلينتون وحده منتصراً, فهؤلاء, ربما زينوا لأنفسهم أكثر ما يفعلون في الليل والنهار, طالما ان رئيس أكبر دولة ديمقراطية في العالم خرج من فضائحه مزهوا بنصره وغير مدان, وربما أيضاً مدعوما بالتأييد, كالذي حصل عليه كلينتون من الشعب الامريكي على الدوام حتى في أحلك فترات انفجار الفضيحة. مع ذلك يبقى الانتصار في حالة الرئيس الأمريكي هو للديمقراطية أولاً, وليس للرئيس الذي ربما خدمته فرصة اختلال الاصوات في مجلس الشيوخ لصالحه حيث يتقارب عدد الاعضاء الجمهوريين مع الديمقراطيين وحيث الانشقاق الجمهوري الاخير في الاصوات, ما يجعل قضية رؤساء العالم الثالث خاسرة مرة أخرى وهم يرون انتصارهم بالطريقة السابقة, على طريقة الحق يراد به باطل, إذ يكفي ان الديمقراطية في أمريكا إستطاعت على أقل تقدير تبرئة الرئيس عن طريق القنوات الشرعية وليس بالقفز عليها. وبما ان رؤساء العالم الثالث أبرياء على الدوام فإن لا أحد من مواطنيهم يحلم بمحاكمتهم يوماً, ذلك لأن براءة هؤلاء علامة مسجلة, لا من الأخطاء وحدها, بل وصلت حداً جعلتهم في حل من الديمقراطية كلها, فهذه ليس وراءها أكثر من الصداع والمرمطة... واسألوا كلينتون.