كما يعتقد الطفل بأن جده وجد هكذا كما هو امامه بعكازه ومسبحته ولحيته البيضاء, وانه لم يكن طفلا ذات يوم وكبر, وكما يندهش هذا الطفل اذ يرى البحر لاول مرة ويتساءل بجهل طيب بريء من اين جاء كل هذا الماء دفعة واحدة ؟ ولماذا هو ازرق؟ ثم يمعن في تساؤلاته الاستكشافية الاولى الى ما وراء الحكايات التي تقصها عليه امه عن ابطالها الذين يعتقد دائما بأنهم يسكنون مكانا ما بعيدا خلف الحكايات لكنهم موجودون بالفعل .. كمثل هذا الطفل تجد نفسك احيانا ممعنا في السذاجة والهروب من كل سواد العالم وسيئات البشر واختناقات الظروف حولك. لا تستغرب هذا الانطباع الذي تتركه في نفوس الآخرين بأنك ساذج وطيب, ولكنك لا تمانع في الاسترسال معه, فيكفي ان يأخذك هذا الاحساس الى مساحات اخرى تتلون فيها الاشياء بالوان اخرى غير الوان الارصفة والاسفلت واوراق (البنكنوت) و (رتوش) الوجوه المصبوغة والمقنعة والمتمترسة خلف الف قناع وقناع. وتعلم ان البراءة الطفولية الطيبة التي لازمتك سنين يوم كنت تستظل تحت هذه المظلة الملونة التي اسمها الطفولة هذه السذاجة الجميلة ذهبت , لم يعد لها مكان, ماعاد الزمان زمان الطيور التي تنقر النوافذ لتعقد صداقات صباحية, فحتى الطيور اغتال الانسان صوتها والوانها فلم تعد اصواتها كما كانت .. هكذا يقول علماء البيئة في معاهد الابحاث العالمية, فهل هذا صحيح؟ برغم بعض الاصوات التي تحاول ادخالك دائرة اليأس المغلقة, بتهويل هذه المعلومات والانطباعات الفنية والفلسفية حول الوجود ورداءة الزمان وبشاعة القرن المقبل, الا انك مطالب بأن تتماسك وان تولد لنفسك قناعات اخرى مضادة توسع دوائر الضوء ومساحات الجمال والهدوء, عليك ان تجتهد كثيرا لتحقيق ذلك, والا تمزقت اشلاء وذهبت مع كل الذي ذهب منذ زمان. تسمع في داخلك احيانا جلجلة واضحة وبصوت يهمس لك: لاتقاوم الطوفان فان زمان المقاومات قد انتهى واذا كنت مصرا فالزمان ليس زمانك اذن, انه زمان اشياء اخرى واناس آخرين, يستطيعون ان يكونوا مثل البلاستيك وقطع الشمع ومثل الفئران الميكانيكية! لكنك تصر على ان تعيش الزمان ذاته بمقاييسك! اذن احتمل وقاوم واجتهد وتوقف في الطابور ذاته كل صباح لتدفع الضريبة وتمضي مستمتعا بتفردك وتميزك , ولانك لا تستطيع ان تتراجع ولان المهمة شاقة, اذن ابذل مزيدا من التضحيات, وتنفس في فضاءاتك الخاصة وتحرك كيفما تشاء طالما اعتقدت بأنك على صواب, فالخطأ حولك يتحرك بسرعة عجيبة كعملاق يرتدي احذية من ريح. فما عليك لو ارتديت الاحذية ذاتها وانطلقت للامام مبتسما للعاصفة. يعتقد البعض ان الذي يقرأ لابد ان يكون شخصا متعجرفا, فيما يتساءل القارىء: بماذا يملأ الذين لايقرأون ادمغتهم واوقاتهم؟ لاتحاول ان تتوقف عند كل التساؤلات!