عاش الملك حسين 63 عاما أمضى منها 47 عاما ملكا على الأردن, وتعتبر حياته قصة دراماتيكية حافلة بالاثارة, فهو قد شهد اغتيال جده الملك عبدالله في ساحة المسجد الأقصى بدعوى مسؤوليته عن نكبة فلسطين , كما شهد تنصيب والده طلال ملكا, ثم تنحيته عن العرش بعدما عجز صحيا عن الاستمرار في الحكم, وتعرض الملك حسين لنحو سبع عشرة محاولة فاشلة استهدفت اغتياله ونجا منها تباعا بأعجوبة أو شبه معجزة. ولا شك ان سياسات العاهل الأردني ظلت دوما مثيرة للجدل, إذ كان يغلب عليها النهج البرجماتي من خلال توظيفه لشتى المتناقضات الداخلية والعربية والدولية في تثبيت أركان حكمه, وتخطى المآزق والعقبات الخطيرة بشجاعة وبراعة وفق موازين دقيقة ومحسوبة, وغالبا ما كانت الرياح مواتية بما تشتهيه إرادته للابحار في خضم المعترك العربي, والوصول إلى مرافئ الأمان لدولته الصغيرة التي لا تتجاوز (89 ألف كيلو متر مربع) , وإن خانه الحظ أحيانا عندما خرج على النص وخاض غمار حرب الخامس من يونيو ,1967 وساند الرئيس صدام حسين عند اجتايحه الكويت عام ,1990 وفقد في مخاطرته الأولى الضفة الغربية وفي الثانية الدعم المادي والمعنوي لدول الخليج, وانعكاساتها بالسلب على علاقته مع أمريكا! لكن الملك حسين سرعان ما استعاد بوصلته البرجماتية, عندما أدرك أبعاد المخطط الاسرائيلي الرامي إلى تحويل الأردن إلى وطن دائم للشعب الفلسطيني, فكانت مأساة أيلول الأسود عام 1970 التي انتهت برحيل المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان, ثم كانت خطوته الثانية عندما قرر فصم علاقة الأردن ورعايته للمؤسسات الفلسطينية داخل الأرض المحتلة, خاصة بعد أن أعلنت القمة العربية عام 1974 أن منظمة التحرير المتحدث الرسمي الوحيد باسم الشعب الفلسطيني, مفسحا لنفسه مشروعية التوصل إلى تسوية خاصة مع اسرائيل, وقد تحقق له ذلك إثر توقيع ياسر عرفات على اتفاقات السلام مع اسرائيل عام ,1993 ومن ثم كان الطريق أمامه ممهدا لتوقيع اتفاقية (وادي عربه) مع شيمون بيريز عام 1994 التي رسمت لأول مرة معالم فاصلة وشبه مستقرة للحدود الأردنية الاسرائيلية المشتركة, ولم تكن السهولة التي توصل إليها الجانبان في توقيع الاتفاقية ممكنة, لولا اعتراف الملك حسين ورئيس الحكومة الاسرائيلية إسحاق رابين بأن العلاقات قد توطدت بينهما منذ عام 1959. وإذا كان الملك حسين في نظر بعض المراقبين مواليا للغرب, سواء بحكم ثقافته الانجلوسكسونية ودراسته كمعظم أبناء الملوك والأفراد وعلية القوم في المستعمرات البريطانية قبل أن تغرب عنها الشمس, سواء في مدارس ايتون وكلية فيكتوريا وهارو أو أكاديمية ساندهيرست العسكرية, إلا انه ورث كذلك خبرات سياسية واجتماعية ثمينة في التعامل مع مفردات الساحة العربية عن أسرته الهاشمية التي لعبت أدوارا مشهودة في الجزيرة العربية والعراق وسوريا منذ القرن التاسع عشر وحتى وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها! ومن هنا تجلت قدراته السياسية الفائقة في التعامل الحذر مع جيرانه الأقوياء السعودية والعراق وسوريا و(اسرائيل) , وصموده أو انحنائه للتيار القومي والشعبي الكاسح الذي كان يتزعمه الرئيس جمال عبدالناصر, واتساقه إذا لزم الأمر مع الاجماع القوي الغالب, على نحو معارضته للرئيس السادات عندما قرر عقد اتفاقية سلام منفردة مع اسرائيل! على انه مهما كانت نسبة الاتفاق أو الاختلاف مع الملك حسين سواء في توجهاته أو خياراته, إلا انه ظل حاضرا ودوره مطلوبا على الساحة العربية بوجه عام, والساحة الأردنية بوجه خاص, ومحط أنظار العالم كونه أحد عوامل الاستقرار في الشرق الأوسط, وهو ما يفسر مسحة التعاطف والحزن العميق التي رافقت رحلته المضنية مع المرض, والاستقبال الشعبي الحافل الذي أحاط بعودته من أمريكا إلى أرض الوطن, مرتان بعد العلاج, والمرة الأخيرة وقد راح في غيبوبة الموت. وذلك الدعم والتأييد الكاسح لقراراته الخاصة بتغيير ولاية العهد, واجتماع الأصدقاء والأعداء وزهاء خمسين من الملوك ورؤساء الدول في مشهد وداعه المهيب إلى مثواه الأخير, ومبادرة أمريكا والسعودية والكويت إلى تقديم العون المالي للأردن إسهاما في انجاح واستقرار مسيرته تحت حكم ابنه الأكبر الملك عبدالله (37 عاما) . الحقيقة التي لا تقبل الشك ان الملك حسين استطاع أن يحول الأردن من مشروع دولة ولاء شعبها للقبيلة أو العشيرة إلى دولة حديثة مستقلة الإرادة تدين بالولاء للوطن والعرش إثر نجاحه في طرد (جلوب باشا) البريطاني من قيادة الجيش, وتتويج هذا الانجاز الوطني بقيام دولة الدستور والمؤسسات منذ السبعينات, وافساح المجال أمام التطور الديمقراطي وحريات التعبير والتعددية السياسية. وذكائه في كبح جماح المعارضة عبر استيعابها تباعا في السلطة, ولولا ذلك ربما كان من العسير أن تتم عملية الانتقال السلمي الهادئ لمقاليد الحكم. ونحسب انه لا يعيب الملك عبدالله صغر السن, فقد تولى والده العرش وهو في السابعة عشرة من العمر, كما لا يحد من قدراته في تصريف شؤون البلاد كون معظم خبراته في المجالات العسكرية, خاصة وان الملك حسين اختار له نخبة من المستشارين المتميزين والمرجعيات السياسية, لكن تظل المخاوف تفرض نفسها على صعيد الأطماع الاسرائيلية ومشروعها الرامي إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن, إذ رغم ما أبداه قادتها من حزن عميق ازاء رحيل الملك حسين, ورغم ما كان يجمعهم به من علاقات قديمة وثيقة, إلا ان اسرائيل كانت وراء تلويث مياه الشرب في عمان ومحاولة الاستيلاء على نصيب الأردن المشروع من المياه, وعرقلت تنفيذ الاتفاقيات الأمنية المشتركة, ومحاصرة تدفق السلع الأردنية إلى الأسواق الفلسطينية وبالعكس, وتلغيم الأردن بالجواسيس وقتلة المناضلين الفلسطينيين, وما تزال تمارس عليه الضغوط كي يتحول من مجرد مراقب للمناورات العسكرية التركية الاسرائيلية إلى شريك في التحالف الاستراتيجي بين البلدين. مطلوب إذن من العرب مد يد العون والدعم للأردن في عهده الجديد, لمنع اختراق اسرائيل جبهته الداخلية, وتعكير صفو الوحدة الوطنية والقومية بين الأردنيين والفلسطينيين, والحيلولة دون تسللها من أطول حدود مشتركة مع اسرائيل للالتفاف حول سوريا.