من الحقائق القائمة ان النظام الدولي لا يمتلك سلطة سيادية لصون القانون والنظام وان اقامة منظومة الامم المتحدة ادت الى نشوء او تعزيز نظم وبنى قانونية في مجالات المال والتجارة والحق في الممتلكات الفكرية وسلوك الدول الخارجي والجرف القاري والبحار والى ايجاد بنى ومؤسسات اقليمية وعالمية من عادة جميع الدول مراعاتها, ويقوم هذا (النظام) الدولي على التسلسل الهرمي للدول والسيطرة التي تمارسها دول قوية, ويفتقر الى العدل, ولكن يعززه الدعم من الاغلبية الكبيرة من الدول, وتحدث بين الحين والآخر انتهاكات لقواعد السلوك الدولي المتفق عليها او المعتاد على مراعاتها, وتوجد لدى دول كثيرة رغبة في اجراء تغييرات في هذا (النظام) , وعلى الرغم من ذلك فإن هذا النظام واقع قائم. ولا تخضع القوة ولا الامن لقواعد اللعبة المتمثلة في (الحصول على كل شيء او فقدان كل شيء) ان مفهومي القوة والامن كانا سيخضعان لقواعد تلك اللعبة لو كانا مفتقرين الى المرونة, ولكن في هذين المفهومين قدر من المرونة. في عالمنا الذي فيه يتسع باطراد نطاق الاسواق وترتفع مستويات الازدهار الاقتصادي والقدرات التكنولوجية والعسكرية من الممكن تعزيز قوة كل الدول على نحو منظم ومتشاطر وغير متسم بالصراع. ولا يوجد ما يكفي من الدلائل على ان المنافسة والصراع بين الدول هما قاعدة السلوك الوحيدة في المرحلة التاريخية الراهنة, وفي الحقيقة فإن التعاون سمة من سمات العلاقات بين كثير من الدول وتقل الصراعات العسكرية بينها ويتعايش التنافس السلمي والتعاون, ولهما دور في جعل المجتمع الدولي مجتمعا اكثر استقرارا ونشاطا بالنسبة الى جميع الدول تقريباً. وللحفاظ على الامن من استعمال القوة او من التخريب من جانب دولة شريرة ــ مما يشكل انتهاكاً لقواعد السلوك العالمية وميثاق الامم المتحدة ــ من الضروري ان تتوفر القوة العسكرية الدفاعية, ولكن ذلك لا يؤيد منطق تحقيق مستويات عالية من التسلح وتبني المذاهب العسكرية العدوانية والاستعمال غير المبرر للقوة والتهديد باستعمالها, ويجب استعمال ادوات ووسائل اخرى مثل الانذار المبكر او الانذار الحسن التوقيت والعزل الدبلوماسي, وفرض الجزاءات وممارسة الضغوط الجماعية, لكبح الدولة القائمة بالانتهاك قبل السعي الى اللجوء الى الوسائل العسكرية, وفي حالات غير قليلة يحتمل ان تكون هذه الخطوات وافية بالغرض. ان النظام العالمي الراهن اسهمت في ايجاده الدول الديمقراطية الصناعية المتقدمة النمو اسهاما كبيرا, وتدعمه القوة الجماعية والارادة والحاجات التعاونية لمجموعة من الدول القوية المتناغمة التي تقع في امريكا الشمالية واوروبا وشرقي آسيا. ان تشكيل النظم الدولية في المجال الاقتصادي اجتاز فعلاً مرحلة متقدمة, وفي مجال الامن القومي فإن التقيد بقواعد السلوك الدولي واللجوء الى التحكيم والتعاون وتعددية الاطراف يعتريها الضعف لان الدول الكبرى تعتقد بأن افضل طريق للنهوض بمصالحها الامنية والقومية هي طريق القوة والدبلوماسية القسرية. ان حالات الغموض وزعزعة الاستقرار في الدول النامية, وخصوصاً عندما تهدد هذه الحالات المصالح الامنية والسياسية والاقتصادية الحيوية للدول الكبرى, تذكي قوة المنطق الاستراتيجي لدى هذه الدول, منطق الابقاء على وجود عسكري قوي وعلى مذاهب السياسة الواقعية التي لا تراعي الاعتبارات الاخلاقية. واذا حقق مزيد من التحديث والاستقرار في الدول النامية واذا نشأت آليات مؤسسية تعاونة في مناطق منها اسيا الوسطى والشرق الاوسط, واذا ادركت الدول العظمى ان الوسيلة العسكرية ليست ضرورية او كافية للمحافظة على امنها القومي العام اصبحت اقامة النظم في مجال الامن والتحكيم لتسوية المنازعات مقبولة. ومن المحتمل ان يحدث هذا التطور في العقود القادمة حينما تجد الدول الكبرى ان من الصعب ممارسة الاكراه واستعمال القوة وان لهما نتائج عكس النتائج المتوخاة وان تكلفتها متزايدة بسبب الضغط من الرأي العام وتنامي قوة الدول الصغيرة والمتوسطة الحجم وبسبب الحاجة الى كبح سلوك الدول الكبرى المؤذي عن القيام بسلوك مؤذ على الساحة الدولية. وفي هذه المرحلة الدولية التاريخية الحاسمة ترمي جهود كثيرة تقوم بها مجموعة دول الشمال المتقدمة النمو الى ايجاد نظم تحافظ على دورها وقوتها المسيطرة في النظام الدولي. ان نظم تحديد الاسلحة مثل معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية, على الرغم من بعض عناصرها الايجابية لاتبالي بالارادة العامة للاغلبية الساحقة من الدول على التخلص من الاسلحة النووية وعلى اعتماد جميع الدول لمواقف دفاعية وغير هجومية. وحتى يكون اي نظام دولي فعالا يجب ان يحظى بالدعم من الدول المركزية او الدول العظمى فبدون مشاركتها الفعالة في وضع وتنفيذ قواعد السلوك لن يمكن لذلك النظام ان يؤدي وظائفه لقد اقرت منظومة الام المتحدة بذلك وكان ذلك ايضا اساس العضوية الدائمة في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وحتى يحافظ اي نظام على اهميته ومشروعيته يجب عليه ان يتغير بتغير الواقع الدولي والحقائق الدولية. ومن سمات الواقع الدولي ان القوة انتشرت في العقود الخمسة الاخيرة انتشارا واسعا واتسع نطاق المجتمع الدولي منذ سنة 1945. ان بزوغ اليابان والمانيا بوصفهما دولتين ديمقراطيتين في النظام العالمي وبزوغ الهند بوصفها دولة مركزية بعدد سكانها الكبير ومساحتها الشاسعة وحضارتها العريقة والقوة التي يمكن ان تحصل عليها جزءاً من الواقع الجديد, وينبغي ان يكون النظام العالمي حساسا بالدور الخاص والحاجات الامنية للدول المركزية مادامت هذه الدول لاتنتهك اهداف النظام الدولي وقواعد السلوك فيه اذا اريد ان يكون النظام مستقرا وخاليا من الاضطراب.