يمتص مكتب صرافة واحد ما نسبته 7% من الناتج المحلي الاجمالي, فقد بلغت حوالات هذا المكتب خلال العام الماضي 98 حوالي عشرة مليارات درهم, عبارة عن اموال حولها المغتربون وقلة من المواطنين إلى الخارج, حصة الهند وحدها منها حوالي ثلاثة مليارات يتم تحويلها سنويا من المكتب نفسه, وهي مبالغ كما ترون كبيرة, وتكون اكبر بكثير حين يضاف لها حجم الحوالات الفعلية السنوية المكاتب نفسها والمصرف المركزي. واذا كانت ميزانية الدولة كلها حوالي عشرين مليار درهم, واذا كان الناتج المحلي الاجمالي حوالي 170 مليارا, ومجموع دخلنا السنوي من البترول حوالي 35 مليارا فان المبالغ المتوقع تحويلها إلى الخارج سنويا تشكل نسبة كبيرة من اموالنا ومدخولنا, فيشكل ذلك وجها من وجوه الهدر, التي نراها ونعرفها من دون ان نعمل على وقفها. طبعا الاموال التي تغادر لا تعود مرة اخرى إلى البلد الا فيما ندر, وتلك هي التي نشتري بها السلع فتعود الينا في شكل واردات, اما غالبيتها فهي تشكل اموالا مهاجرة فعلا لانها أموال مغتربين من بلدانهم يرسلونها لاعالة اهاليهم أو لضمان مستقبلهم في مشروعات هناك أو استثمارات, كحالة الجاليات الآسيوية مثلا, والتي بلغت تحويلات احداها من مكتب صرافة واحد حوالي 3 مليارات درهم, فكم يا ترى يبلغ اجماليها من مجموع مكاتب الصرافة؟ واذا اضفنا لتحويلات هذه الجالية تحويلات الجاليات الاخرى التي توازيها في الحجم وثم الاصغر منها كالجاليات الباكستانية والفلبينية والسريلانكية وبقية الجنسيات الآسيوية فالافريقية والاوروبية وغيرها, فاننا نكون امام ارقام مذهلة من الاموال التي يخسرها اقتصادنا الوطني وتربحها اقتصادات بلدان المهاجرين, فنعرف منها حجم النزيف اليومي والشهري والسنوي, الذي تتولاه مكاتب الصرافة وحدها. وهكذا فان من عيوب وجود العمالة الاجنبية الكثيف, على عيوب المخاطر الامنية والثقافية والاجتماعية التي نعرف ونلمس اثارها بشكل يومي, المخاطر الاقتصادية التي بالكاد يمكن ان يلمسها المواطن العادي وغير العادي معا ويعرف اثارها اليومية عليه, ويتمثل ابرزها فيما يشكله هؤلاء من هدر حقيقي في الثروة والمال بتحويله بكامله إلى الخارج. وهناك طبعا من ينظر اقتصاديا فيقترح توطين هذه الاموال, أو على الاقل جزء منها, داخل الدولة باشراكها في عجلة الاقتصاد, كالسماح لها بالاستثمار في الاسواق المالية المحلية كالاسهم أو العقار, أو تشجيعها على الاستثمار الصناعي والتجاري وغيره, وهو رأي سديد من الناحية الاقتصادية البحتة, غير انه لا يلبث ان يثير مخاوف امنية وسياسية, فتوطين المال يتبعه توطين الاشخاص, وفي حالة كحالتنا تبلغ نسبة الاجانب اكثر من 90% من عدد السكان, يصبح التنظير الاقتصادي الواقعي فعلا خارج الموضوع والنقاش بالمرة. لذلك فليس من حل امامنا وامام غيرنا من دول الخليج التي فرضت عليها عمليات التنمية وحاجتها للايدي العاملة الاجنبية في البدايات سوى تقليص حجم هذا الوجود الاجنبي إلى المعدلات التي لا يصبح وجودها يشكل خطرا من اي نوع, لا اقتصاديا ولا سياسيا ولا اجتماعيا وثقافيا, وهو ما بدأت به دولتنا فعلا عن طريق اجراءات الترحيل وتصحيح أوضاع العمالة والاحلال, لولا اننا منذ اكثر من عام لم نسمع جديدا في هذا الاطار, ما نخشى معه ان يكون عدد الذين دخلوا البلاد للاقامة والعمل قد فاق عدد الذين تم ترحيلهم سابقا, فنكون يا أبوزيد لا رحت ولا غزيت.