لفتت نظري بطاقة دعوة لحفل زفاف وصلتني مؤخرا, والسبب طرافة البطاقة شكلا ومضمونا, حيث جاءت على هيئة بطاقة بريدية مدموغة بطابع ومختومة بختم يحمل اسم العروسين وتاريخ الزفاف, ثم وبخط لاتيني ملون يحتل جانبا كبيرا من البطاقة جاءت عبارة: (انه يوم فالنتين) باللغة الانجليزية . ومعروف ان يوم او عيد فالنتين هو عيد الحب او عيد العشاق ويصادف يوم 14 فبراير من كل عام مما يعني ان اليوم هو يوم الحب في مختلف ارجاء العالم حيث سيحتفل المحبون مع بعضهم بشكل او بآخر, وسيتبادلون الهدايا الحميمة والتذكارات الدافئة التي تمتليء بها المتاجر والاسواق هذه الايام وتتفاوت بين علب الشيكولاته الصغيرة وتحف مختلفة على هيئة قلوب, وورود حمراء ودعوات للعشاء او لحضور افلام رومانسية... الخ. هذه الاحتفائية التقليدية بيوم 14 فبراير معروفة عند شعوب عديدة, ومعروف ان بريطانيا مثلا احتفلت بعيد القديس (فالنتين) منذ القرن التاسع عشر على يد الملكة (فيكتوريا) وان الشعب البريطاني ينفق الملايين في هذا اليوم على شراء الورود والهدايا ومعه بقية شعوب اوروبا, تتبعها بحكم التقليد شعوب آسيا. ولقد علمت من احدى الصديقات ان اعدادا من المقبلين على الزواج يختارون يوم 14 فبراير موعدا لزفافهم تيمنا بهذا التاريخ, على اعتبار انه عيد الحب أو العشاق, مايعني لهم زواجا دائما وحياة سعيدة, وقد اثبتت اكثر الزيجات التي تمت في هذا اليوم ــ كما تقول هذه الصديقة ــ فشلها وحدث ابغض الحلال عند الله!! وبالتأكيد, فلا علاقة لــ 14 فبراير بالسعادة كما لا يمكننا تحميله وزر الفشل الذي تقع فيه زيجات يفشلها اصحابها لا أي طرف آخر. لكن التقليد العجيب لثقافات الاخرين هو ما لفت نظري في البطاقة, وكأننا شعب فارغ من كل محتوى ومن كل صفة, يحاول ان يرقع لنفسه ثوبا يتباهى به حتى وان كانت كل رقعة فيه من جهة مختلفة عن الأخرى, ففي الاعراس مثلا يأتي ثوب الزفاف على الطريقة الفرنسية, وبطاقة العرس من التراث البريطاني, والفرقة التي ستزف العروسين من مصر أو المغرب, والمأكولات لبنانية أو هندية, وثياب المدعوات مقتبسة من المسلسلات المكسيكية وموديلات هوانم جاردن سيتي و... الخ وفي النهاية أنت أمام طقس اجتماعي كل مفرداته لا تمت بصلة إلى بيئته الاجتماعية التي يتم في اطارها, أما لماذا؟ فشرح ذلك يطول, وقس على هذا الطقس كل ما يتم حولك من ممارسات. ان فقدان الهوية, والشعور بالنقص امام ثقافات الاخرين وبالتالي الانبهار بهذه الثقافات, مصحوبا بانعدام الاحساس بالانتماء والفخر بمفردات التراث الاجتماعي الذي ننتمي اليه ونتجذر فيه, وضعف محاولات احيائه وتطويره ودفع الاجيال لمحبته والاقتراب منه بحميمية, كل هذه اسباب تدفعنا للتهافت على مناسبات الاخرين وتقاليدهم, اقتباسا يفوق حد التقليد والاستنساخ, معتقدين بأننا نكون لانفسنا عالما جديدا بطقوس وعادات نختارها بأنفسنا, الحقيقة اننا في هذه الحالة كمن يعطي للاخرين عنوانا بريديا ليس عنوانه, ولذلك فكل رسائله لن تصل, وكل علاقاته ستكون مقطوعة حتى يصحح العنوان.