نشرت فى جريدة(البيان)وفى صفحة(قضايا وآراء)مقالة للسيد ماجد كيالي تحت عنوان: أثر الهجرة اليهودية فى قيام اسرائيل واستقرارها . وذلك فى العدد 6794 تاريخ 24/1/1999 ولما كان لهذا الموضوع أهمية خاصة فى مجريات الصراع العربي ـ الاسرائيلي. فقد ارتأيت ان اعقب على بعض ما جاء فيه من وقائع انطلاقا من الرغبة فى تسليط مزيد من الضوء على خلفيات وابعاد الهجرة اليهودية الى فلسطين وبقية الاراضي العربية المحتلة. يقول السيد كيالي فى مقالته: ولدت فى دولة اسرائيل من رحم الحركة الصهيونية التى عملت (بالمفرق) على جلب الشعب اليهودي (هكذا ورد) بالهجرة والاستيطان, كما عملت الحركة الصهيونية على (جلب) الارض عبر الاستيلاء عليها بأساليب غير مشروعة استنادا الى موروث ايديولوجي غيبي خرافي, مستنتجا من ذلك ان تلك المؤسسة أي الحركة الصهيونية هي التى صنعت الدولة الاسرائيلية والامة اليهودية. وهنا نود القول بأن ما من احد يستطيع ان ينكر اثر الهجرة اليهودية فى قيام دولة اسرائيل غير انه ينبغي القول بأن تلك الهجرة تعتبر فى المحصلة النهائية نتيجة طبيعية لعدد من العوامل والمعطيات التى لابد من الاشارة الى اهمها. وأول ما تجب الاشارة اليه فى هذا السياق هو ان الحركة الصهيونية اساسا قد نشأت فى رحم الحركة الاستعمارية الغربية وبتشجيع ودعم من هذه الحركة, وان اقامة دولة اسرائيل تندرج فى كونها مشروعا استعماريا غربيا على المستويين السياسي والاقتصادي, وذلك للحيلولة دون قيام دولة عربية موحدة بعد ان تبين للغرب ان الدولة العثمانية فى حينه والتى اطلق عليها تسمية (الرجل المريض) توشك على السقوط. ولهذا السبب, عقدت لجنة (بانرمان) فى عام 1907 ندوة ضمت العديد من الساسة والمفكرين الاوروبيين للنظر فى مستقبل المنطقة العربية والتداول فيما يمكن اتخاذه من اجراءات بعد ان بات واضحا ان قبضة الدولة العثمانية على هذه المنطقة اخذت بالتراخي وان المسألة لم تعد إلا مجرد وقت لا غير. لقد خرجت لجنة (بانرمان) يوفداك بعدد من التصورات اهمها انه يجب مستقبلا عدم إتاحة الفرصة للاقطار العربية كي تلم شملها وتأخذ مصيرها بيدها, وأنه يجب ان تبقى المنطقة مجزأة فقيرة ومتخلفة, وهكذا ما إن نشبت الحرب العالمية الاولى فى العام 1914 حتى بادرت كل من بريطانيا وفرنسا الى وضع اتفاقية سايكس ـ بيكو لاقتسام المشرق العربي وذلك فى خضم تقديم المساعدات الى الشريف حسين أمير الحجاز لمحاربة تركيا, بعد ان وعدته الدولتان بدعم استقلال العرب واقامة دولتهم, ,تلك كانت خدعة من جانب تلكما الدولتين كما هو معروف. وبينما وضعت اتفاقية سايكس ـ بيكو فى العام 1916 فإن وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك قد ظهر الى الوجود فى العام 1917, ذلك الوعد الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود فى فلسطين, وحيث ان بريطانيا هي التي اعطت ذلك الوعد, فقد كان انتدابها على فلسطين منسجما مع تعهدها بتنفيذ ذلك الوعد, حيث سهلت هجرة اليهود الى فلسطين, وساهمت فى دعم اقامة المستعمرات والقرى اليهودية, الى جانب حماية المستوطنين وتزويدهم بالسلاح والعتاد, الامر الذي يفسر سبب الاعمال الارهابية اليهودية التي قام بها المستوطنون ضد السكان العرب, ونجاح اولئك المستوطنين فى التصدي لأعمال المقاومة التى قام بها سكان فلسطين اثناء فترة الانتداب البريطاني. إذن, وبناء على ما سبق فإنه ما كان يمكن للهجرة اليهودية الى فلسطين ان تلعب دورا فى إقامة دولة اسرائيل لولا تبني بريطانيا والغرب عموما مسألة إقامة هذه الدولة. ونود الاشارة فى هذا السياق الى ان قادة الحركة الصهيونية الذين استغلوا الموروث اليهودي الخرافي لجلب اليهود الى فلسطين, لا يؤمنون بأي دين من الاديان, بل يؤمنون بالمكاسب والأرباح والغنائم شأنهم فى ذلك شأن قادة الاستعمار الغربي. ثم ينتقل السيد كيالي الى القول: بأنه رغم التشجيع على الهجرة الى فلسطين وبعد مرور نصف قرن, فإنه لا يتواجد فى اسرائيل اليوم سوى ثلث يهود العالم البالغ عددهم نحو 14 مليون نسمة, ويرى الكاتب ان اسرائيل لم تنجح فى استقطاب جميع اليهود وان الهجرة قد وصلت حاليا الى حدودها النهائية تقريبا لعدد من الاسباب التى حصرها فى أربعة بنود يمكن الرجوع اليها فى مقاله. ونحن لا نشاطر السيد كيالي فيما ذهب اليه بهذا الخصوص. فليس هناك مؤشرات ملموسة تدل على ان الهجرة اليهودية قد انتهت او هي على وشك الانتهاء, فهناك داخل اسرائىل من الزعماء والمنظرين من يطالب بتهجير ما تبقى من سكان فلسطين العرب, سواء داخل الاراضي المحتلة فى عام 1948 أو فى اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة حتى تبقى الدولة يهودية نقية, ,هناك من المؤشرات ما يؤكد ذلك, وفى مقدمتها رفض اسرائيل لأي مشروع سلمي عادل من العرب, وتناحر الاحزاب الاسرائيلية حول أفضل السبل لاستسلام العرب وتدمير روح المقاومة لديهم وعلى هذا فإن ضعف الهجرة اليهودية الى فلسطين والاراضي العربية المحتلة الأخرى فى الوقت الحاضر, لا يعني بالضرورة عدم تنشيط الهجرة الى أقصى مدى فى المستقبل. ثم يقول السيد كيالي: يمكن الاستنتاج بأن اسرائيل تتجه نحو الاستقرار من الناحية السكانية, وهذا (برأيه) مع عدد من العوامل الداخلية والخارجية سوف يدفع الى تحول اسرائيل الى دولة عادية كغيرها من الدول. اننا نود ان نؤكد هنا, أن وجود دولة اسرائيل سابقا ولاحقا مرتبط بتصعيد نزعة العدوان والارهاب, واذا حدث وتخلت عن تلك النزعة ـ وهذا محال ـ فإن مبرر وجودها يصبح عديم المعنى. لانها عند ذاك تفقد مبررات الدعم الغربي السياسي والعسكري والاقتصادي, وتفقد مبررات العنصرية والتفوق الزائف على العرب, بل ان عدد سكانها البالغ نحو 5 ملايين نسمة, والذين لا يعادلون إلا عدد سكان احدى المدن العربية الكبرى, سوف يجدون انفسهم مندمجين أو غرباء عن المحيط السكاني العربي الكبير. وفي النهاية يرى السيد كيالي ان الحل المعقول للصراع العربي ـ الاسرائيلي ضمن الاوضاع والمعطيات التي وردت فى ثنايا مقاله, يكمن فى إلغاء قانون العودة الاسرائيلي, وقيام دولة ديمقراطية علمانية لجميع السكان من عرب ويهود, شريطة وجود ارادة وقوة عربيتين. ومرة اخرى نؤكد ان قادة الحركة الصهيونية وقادة دولتهم فى اسرائيل, لن يكونوا معنيين لا من قريب ولا من بعيد بحسن نوايا العرب أو جنوحهم للسلم, بل انهم سوف يتابعون منهجهم بالتحالف مع القوى الدولية المختلفة, لتقاسم المصالح فى المنطقة العربية... وهذا الوضع لاسبيل الى تغييره فعلا إلا بواسطة وحدة الإرادة العربية واستنفار طاقاتهم وتحرر قراراتهم. كاتب سوري