التطور الدرامي المفاجئ والخطير في العلاقات بين اريتريا واثيوبيا والذي تحول إلى حرب قاسية بمفهوم امكانيات الدولتين عسكريا واقتصاديا, يطرح تساؤلات عديدة ويفتح الباب أمام ضرورة اعادة الحسابات الأفريقية على الأقل , فبعد ربع قرن من الكفاح والنضال المسلح تحولت الثورة المنسية في اريتريا إلى دولة ذات سيادة ونفوذ وسلطان تمارسها على أرض الواقع مستخدمة في ذلك ما تملكه من امكانيات متواضعة عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا ضد جارتها الافريقية اثيوبيا. وبتجدد العمليات العسكرية بين أديس أبابا وأسمرة نكون على أبواب تطبيق مقولة ان التاريخ سيعيد نفسه, خاصة وان ثورة اريتريا قبل الاستقلال كانت بمثابة الأطول والأكثف التي عرفتها القارة السوداء والتي بلغ عمرها 26 عاما من القتلى والخسارات المادية والبشرية والاستراتيجية. ولا شك ان ما يحدث الآن من ممارسات مرفوضة رغم كافة المحاولات الدبلوماسية والسياسية للخروج من مأزق الاقتتال القبلي, يشكل صورة حقيقية للقنبلة الموقوتة في معظم دول أفريقيا والسبب واضح وبسيط يتمثل في التدخل الأجنبي (خاصة القنوات التي تفتحها اسرائيل مع الجانبين), في شؤون هذه الدول ماليا وسياسيا وعسكريا, فايطاليا مثلا التي كانت تحتل أجزاء كبيرة من افريقيا ساهمت وبشكل بارز في احياء الصراع بين أديس أبابا وأسمرة, من خلال دعم الطرفين عسكريا وماليا, ومن ذلك ما دفعته لاثيوبيا عام 1986 خلال حربها القديمة نحو 300 مليون دولار للمزيد من المعارك مع ارتيريا, وما قامت به دول السوق الأوروبية في العام نفسه من دفع 20 مليون دولار إلى أديس أبابا للغرض نفسه, وكل ذلك لتغطية تكاليف وخسارة الأثيوبيين التي كانت تقدر بنحو مليون دولار يوميا بسبب المعارك الطاحنة مع ثوار اريتريا. ظلت المواقف غير الصادقة للدول الغربية على ما هي عليه بهدف استنفاد قدرة الطرفين المالية والبشرية وبالتالي اقتلاع شوكتهما المستقبلية وافساح المجال واسعا أمام الدخول إلى هذه الأراضي بسهولة دون احتجاج أو معارضة وهذه هي صورة الاستعمار الحديث, حتى جاءت عملية يهود الفلاشا وتهريب الاعداد الكبيرة منهم إلى اسرائيل باعتبارها القشة التي قسمت قوة وامكانية أديس أبابا بفقدانها الدعم والمعونات إلى حد كبير خاصة وان ثوار اريتريا أسروا مالا يقل عن 11 ألف جندي أثيوبي حتى قبل الاستقلال مما أضعف وبشدة موقف أديس أبابا وقلب موازين المعادلة العسكرية والسياسية حتى تم التحرير وتكوين الدولة الاريترية. المهم ان ما يحدث الان هو تجديد لماض طالبت فيه أثيوبيا بالمنافذ على البحر باعتبار ان ذلك استراتيجية ضرورية لوجودها, ويؤكد ذلك مذكرة تاريخية اصدرتها وزارة الخارجية الأثيوبية عام 1945 قالت فيها من نافلة القول ان نشرح أهمية اطلال أثيوبيا على البحر, بدون منفذ بحري تبقى اتصالات اثيوبيا الخارجية وأفرادها وعلاقاتها الدولية عامة موضع مراقبة وقد تحرم من البحر في أية لحظة. من هنا ولد الخلاف, ومن هنا أيضا تجدد الصراع وسيظل كذلك طالما ارتضت كل من أسمرة وأديس أبابا الارتماء في أحضان من يدفع أكثر أو على الأقل الانقياد لمصالح آنية دون اعتبار للمصلحة العليا للشعوب التي هي المطلب الحيوي والأساسي في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها اريتريا وأثيوبيا على السواء اقتصاديا واجتماعيا , ونعتقد ان ذلك سيظل كذلك حتى تفيق القيادات على اختلاف توجهاتها واعتقاداتها, وتعي ان مفهوم الجوار أهم بكثير من حفنة من الدولارات أو فتات المساعدات بل أحيانا كثيرة مجرد وعود سرعان ما تذهب أدراج الرياح لسبب أو آخر, فهل تتفادى أسمرة وأديس أبابا كوارث وزلازل مدمرة قبل وقوع الفأس في الرأس, فلا غالب ولا مغلوب في هذه المغامرة المدمرة. كاتب فلسطيني