مع ان جيلنا, كان قد تعلم الثورة والتمرد من (لطفي الخولي) ومن جيله, ومن زمنه, فقد كنا ننظر اليه, والى جيله وزمنه, بغضب, لانهم ــ حينما كنا نعتقد ــ كفوا عن ان يكونوا ثوارا, وتخلوا عن قضايا الامة والوطن والشعب , واستناموا الى المقابر الوثيرة التي منحتها لهم السلطة في احد الجوانب القصية من صالة المسرح.. وكما يفعل الابناء مع الاباء عادة اتخذنا منهم شواخص اولى ــ واحيانا وحيدة ــ لسخطنا, وكان فوارا بمقدار حبنا, وعنيفا بمقدار خديعتنا فيهم. فيما بعد ايقنت ان تلك بعض سنن الله في خلقه وفي كونه: يولج النهار في الليل ــ ويولج الليل في النهار.. ويخرج الحي من الميت, ويخرج الميت من الحي! وحين التقيته اول مرة, في منتصف الستينات, ادهشني, ليس فقط لانه استقبلني بحفاوة ومودة, ودعاني للكتابة على صفحات الطليعة ــ التي كان يرأس تحريرها ــ ولكن, كذلك, لانه تعامل مع ما كان يعرفه عن سخط جيلي عليه, وعلى جيله وزمنه, باعتباره امرا طبيعيا, وبعض سنن الله في خلقه وفي كونه! بعد ذلك التاريخ بأكثر من عام, وفي اكتوبر 1966, كنت معلقا الى مشجب حديدى باحدى زنازين معتقل القلعة, فأدهشنى النقيب (عاصم الوكيل) اكثر.. ليس لانه كان يستحثنى على الكلام لانه مرتبط, بموعد يصحب فيه فتاته الى السينما, ولكن لانه غير مجرى الحديث فجأة لينهال علي بعصا في يده, وهو يقول بتشف شديد: تعرف مين كان واقف وقفتك دي امبارح.. شيخ المنسر بتاعكم لطفي الخولي! وغادر (لطفي الخولي) , ومفردات من جيله, المعتقل بعد اسبوع, وغادرته ومفردات من جيلي بعد ستة شهور, وحين رويت له الحكاية لم يتوقف امامها, لكنه توقف امام خبر فصلي من العمل, ودعاني لاستئناف الكتابة في (الطليعة) الى ان نجد حلا.. وحين قالوا له انني ممنوع من الكتابة, قال لي ضاحكا: انت عاوز المجد ولا الفلوس. قلت ضاحكا: المهم دلوقتي الفلوس. وتحمل بشجاعة مخاطرة نشر ما اكتب, بلا توقيع, الى ان يحلها الحلال.. وكنت ما ازال انظر اليه والى جيله والى زمنه بغضب, وكان لايزال يعتقد ان ذلك امر طبيعي. وبعد عام, وعلى الرغم من وساطات لطفي الخولي وآخرين من الجيل الذي كنا مانزال ننظر اليه بسخط, لم اعد الى عملي, بل عدت الى معتقل القلعة مرة اخرى في اعقاب مظاهرات للطلبة التي جرت احتجاجا على الهزيمة في فبراير 1968, ومضت اسابيع, صدر خلالها بيان 30 مارس 1968 الذي اعلن فيه (عبدالناصر) برنامجا سياسيا لازالة اثار العدوان, يتلافى الاخطاء التي ادت الى هزيمة 1967, وكان (عاصم الوكيل) نفسه, هو مصدر اول الاخبار التي تصلني عن بعض ما اثير حوله من مناقشات, ومصدر اول انطباع اكونه عن موقف بعض الجالسين على خشبة المسرح من هذا التطور اللافت للنظر في مسيرة ثورة يوليو, وقد عبر عن ضيقه الشديد لان (الطليعة) اصدرت ملحقا اسبوعيا باسم (البيان) يدعو لتشكيل لجان شعبية باسم (لجان 30 مارس) تعمل على تطبيقه وتراقب تنفيذه, حتى لايظل ــ كغيره من مواثيق الثورة ــ مجرد حبر على ورق, ولكي تكون الاساس الجديد للبناء التنظيمي الديمقراطي لتحالف قوى الشعب العاملة, بديلا عن صياغة الاتحاد الاشتراكي البيروقراطية, ولما حاولت ان اخفف من تحامله على الفكرة واصحابها قائلا انها فيما يبدو محاولة لتنشيط الاتحاد الاشتراكي, انفجر غضبه, وصاح في وجهي: ملعون أبو الاتحاد الاشتراكي لابو بيان 30 مارس.. نحافظ على الامن ازاي وشيخ المنسر بتاعكم عاوز يعمل لي سوفييتيات في البلد! ولم يكن (عاصم الوكيل) يعبر عن رؤيته الخاصة, او رؤية الجهاز الذي كان يعمل به ولكنه كان, كما تبين فيما بعد, يعبر عن اتجاه قوي, يضم فضلا عن اجهزة الامن, كل ما كان يعرف انذاك بـ (يسار السلطة الناصرية) , وهي حقيقة اذاعها (عبدالناصر) بنفسه في لقاء له مع اسرة تحرير (الطليعة) اثناء افتتاحه لمبنى (الاهرام) الجديد, عام 1969, فقد ذكر ان اكواما من التقارير ــ لم يحدد مصدرها ــ كانت تصله ضد جماعة (الطليعة) تعتبرها حزبا هداما يسعى الى السلطة, وانها ظلت تلاحقه, حتى عندما سافر الى (تسخالطوبو) ــ بالاتحاد السوفييتي ــ ليستشفى خلال صيف 1968, وانه عكف بنفسه ــ وعلى الرغم من مرضه ــ على دراسة ما تطرحه (الطليعة) من افكار وحلول لقضايا الوطن, ووجد نفسه يوافق على معظمها, فأزاح كل التقارير جانبا. وبصراحة ووضوح, قال (عبدالناصر) لجماعة (الطليعة) ان (الناس اللي ماسكه الاتحاد الاشتراكي) ضدهم على طول الخط (وانهم ينظرون اليهم باعتبارهم تنظيما ماسونىا, وانه لايستطيع ان يحل هذا الصراع, الا بحل من ثلاثة: ان يغلق (الطليعة) , او ان يعزل قيادة الاتحاد الاشتراكي, او ان يتفرغ لحل الصراع بين الطرفين, ولما كانت الحلول الثلاثة مستحيلة, فهو لايملك الا ان ينصحهم, بأن ينأوا بأنفسهم عن مجالات العمل السياسي المباشر, والا يحاولوا شغل مواقع فيه, وان يقنعوا بالتبشير والتثقيف, الى ان تنتهي المعركة مع اسرائيل, وعندها نشرع في جرد حسابات الاشخاص والمؤسسات والمواقف من جديد. وكان اخرون من جيلي يتقاطرون على المعتقل لنقرأ (لطفي الخولي) ونسخط عليه وعلى جيله وعلى زمنه, ولكن الاسباب مختلفة عن تلك التي كانت تثير غضب (عاصم الوكيل) وغيرهم ممن كانوا يعتبرونه دسيسة ما سونية, وغواصة نجحت في التسلل الى قلب النظام, بينما كان اهلونا ــ بناء على تكليف منا ــ يترددون على مكتبه في (الطليعة) يطلبون تدخله للافراج عنا, فينشط في هذا السبيل, من دون ان يتوقف امام سخطنا, او يعبأ بسخط الذين كان يتوسط لديهم فيتخذون من ذلك, دليلا على انه شيخ المنسر الذي يدافع عن المعتقلين من اعداء النظام.. الى ان نالوا منه, وقادوه الى المعتقل, في مايو 1970, بعد ان دسوا اجهزة تنصت في منزله, وسجلوا له حوارا دار بينه وبين اخرين, ينتقد فيه النظام لانه ينتهك الديمقراطية, ويتعامل مع الجماهير بشكل بيروقراطي. ومات (عبدالناصر) , و(لطفي الخولي) , والذين يسخطون عليه, وعلى جيله وعلى زمنه ــ في المعتقل, وبعد اسابيع من مغادرته له, غادرناه نحن ايضا, ليكون اول ما افعله, ان ازوره في بيته, اذ كان لايزال ممنوعا من العمل والكتابة, مع ان (الطليعة) كانت لاتزال تواصل الصدور, وحين قلت له: .. ولكن (الطليعة) لاتستغني عنك, استشهد ساخرا بعبارة لفولتير يقول فيها: هناك ملايين من الناس في القبور كان يظن انه لايمكن الاستغناء عنهم. وبعد اسابيع وقعت احداث مايو 1971, وفاز (السادات) على يسار السلطة الناصرية, وقادهم الى المعتقلات والسجون, ولعب بذكاء على التناقض بينهم وبين جماعة الطليعة, وغيرها من جماعات اليسار الماركسي, فأطلعهم على مذكرة كانت جماعة الاتحاد الاشتراكي قد قدمتها له, تطلب فيها اعتقال 152 من الماركسيين كان من بينهم (لطفي الخولي) , وعين احدهم نائب وزير, وشكل لجنة لاعادة بناء الاتحاد الاشتراكي, كان لهم فيها ثقل واضح, وخرج (لطفي الخولي) من عزلته الاجبارية, ورفع الحصار عن قلمه, واصبح لاول مرة, عضوا باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ومسؤولا عن امانة الشؤون الخارجية, بل واصبح احد الذين يحرص السادات على لقائهم والاستماع الى ارائهم على امتداد خمس سنوات بين 1971 و1976, لا لكي يستشيرهم كما كان يبدو في الظاهر, بل لكي يختبر مدى ردود افعالهم المتوقعة على بعض ملامح الانقلاب السياسي الذي كان يخطط له, والذي نفذه بالفعل بعد ذلك. وهكذا افترقت السبل بين جيلنا, وبين لطفي الخولي, وعدنا نسخط عليه وعلى جيله وعلى زمنه, اذ كنا نشك في يسارية السادات, وفي ديمقراطيته, وكنا واثقين انه سيمشي على خط عبدالناصر بأستيكه, وصرخ ابي في وجهي: تعارض الراجل اللي طلعك م المعتقل.. وشغلك.. وتقف مع اللي حبسوك ورفتوك؟! انت ايه؟. حمار!! وشعرت ان ازناى قد استطالتا.. فضحكت.. وضحك! لكن لطفي الخولي, الذي بدأت ادرك ايامها انه كان يعرف ما يفعله بالضبط, وانه لم يعط نفسه بالكامل لأحد, او لشيء الا للقضية التي كان يؤمن بها, بدأ ــ من داخل موقعه في الاتحاد الاشتراكي ــ يعارض السادات, بل وشارك في صياغة البيان الذي عرف فيما بعد باسم (بيان توفيق الحكيم) , الذي ايد فيه عدد كبير من المثقفين مظاهرات الطلبة, وطالبوا بخوض معركة التحرير ضد الاحتلال الاسرائيلي, ليستيقظ صباح 4 فبراير 1973, فيجد اسمه, ضمن قائمة الكتاب والصحفيين, الذين فصلوا من الاتحاد الاشتراكي, مع ان بعضهم ــ مثلي ــ لم يكن عضوا به, ومنعوا من العمل, وكانت القائمة تضم كل ألوان الطيف من ثروت اباظة الى صلاح السعدني, ومن علي سالم الى مكرم محمد احمد, وضمت لطفي الخولي ومفردات من جيله, وضمتنى ومفردات من جيلي الذي كان ينظر اليه والى جيله والى زمنه بسخط! وبعد حوالي العام, وفي بداية عام 1974, استأنف السادات لقاءاته مع (لطفي الخولي) ولكن ذلك لم يحل بين (جماعة الطليعة) وبين معارضة التوجهات اليمينية التي كانت تنسبها ــ من باب الملاءمة السياسية ــ الى اجنحة في الحكم وتيارات في المجتمع, في ظل حالة مؤقتة من الاريحية الديمقراطية اصابت (السادات) خلال السنوات الثلاثة التي تلت حرب اكتوبر, حتى ارتفع توزيعها الى اكثر من عشرين الفا, وهو رقم يندر ان تصل اليه مطبوعة شهرية ــ سياسية وفكرية ويسارية وليست محلاة بالصور. وخلال لقاءاته المطولة بالسادات, التي تكثفت انذاك, ادرك ان الرجل بسبيله لكي يغير استراتيجية السياسة المصرية التي ورثها عن عبدالناصر.. فكتب سلسلة مقالاته الشهيرة, التي اختار لها عنوانا يبدو في ظاهرة علميا ومحايدا, ويمكن ان يمر من تحت انف الرقابة على الصحف, لانه يوحى بانه مدح, هو (مدرسة السادات السياسية) وصاغها باسلوب ماكر, يرصد خلالها توجهات السادات استنادا الى المعلن من ارائه, وما عرفه منها خلال محاوراته معه, باسلوب علمي بارد, يعتني بالسرد لا بالتحليل, وبالتوصيف لا بالتقييم, وما كادت الحلقة الاولى منها تنشر, حتى حدث ذلك الذي ظل يحدث مع لطفي الخولي طوال عمره. قال تقرير لجهاز الامن القومي ان المقالات (عمل عدائي موجه للنظام عامة وللرئيس السادات شخصيا, صيغ في اسلوب يتخذ قالب البحث العلمي الموضوعي المحايد من كاتب معروف باتجاهاته الايديولوجية التي تتنافى مع ايديولوجية ثورة مايو ودولة العلم والايمان) .. وقالت عناصر يسارية مصرية وعربية, ان المقالات تجمل وتبيض وجه السادات, وتنظر وتفصل افكاره وسياساته, وذلك من كاتب محسوب على اليسار! اما السادات فقد توقف امام عبارة وصفه فيها بأنه (برجوازي ريفي صغير) وقال له: طبعا استغليت جهل الافندية اللي سلمتهم الصحافة, فلم يعرفوا ان هذا سب وقذف في حقي باسلوب الاشتراكيين.. وطلب اليه ان يحمد الله لانه لو كان قد قال هذا الكلام في بيته ايام عبدالناصر, لذهب الى ما وراء الشمس.. ولكنه لم يعاقبه على هذه العملة, الا بوقف نشر بقية المقالات! اما الذي لم يقله له, فهو انه اصدر امرا بمنعه من الكتابة بالاهرام, وبالبحث عن وسيلة لغلق (الطليعة) , التي اغلقت بالفعل بعد ان حملت الحكومة ــ وليس الشعب او اليسار ــ المسؤولية كاملة عن احداث 18 و19 يناير 1977. وهكذا عاد لطفي الخولي الى قواعده سالما, ليجرى عليه الذي جرى على اليساريين في السنوات التالية سواء كانوا ينتمون لجيله او ينتمون للجيل الذي نظر اليه والى جيله والى زمنه بسخط, ومع ذلك, فقد ظل دائما معهم يدافع عن نفس الاهداف, ويتلقى نفس الضربات: يعتقل ويفصل ويمنع من الكتابة, ويقدم للمدعى الاشتراكي, ولا يكف, على الرغم من كل ذلك عن الدفاع عما يعتقد انه الصواب, يناور بذكاء, ويسعى لتوسيع الدائرة التي يؤثر فيها مستغلا مواهبه المتعددة, ولا يعطي نفسه بالكامل, لأحد او لشيء, الا للشعب الذي اخلص له, وللوطن والامة اللذين انتمى اليهما بلا حدود! وعندما هبت عاصفة تحالف كوبنهاجن قبل عامين, كنت واثقا, انه كان يقوم بدور لصالح السلطة الوطنية الفلسطينية, وبناء على طلب منها, ومع انني عارضته, فقد كنت واثقا طوال الوقت انه يفعل ذلك عن قناعة كاملة بصواب ما يفعل, وادراك بانه يخدم بذلك قضية فلسطين, التي منحها ــ كما منح القضايا القومية ــ كل سنوات عمره, وانه ينطلق في ذلك من وطنية لايستطيع احد ان يزايد عليها, وشرف لاتشوبه شائبة. وكان جيلنا قد شاخ, وبزغ جيل جديد ينظر الى لطفي الخولي وجيله وزمنه, والينا والى زماننا بسخط, حين مات (لطفي الخولي) .. فلم يحفل بموته, بل ان صحيفتين من صحف المعارضة, هما (العربي) ــ لسان حال الحزب الناصري ــ و(الشعب) ــ لسان حال حزب العمل, تجاهلتا المناسبة, بقسوة لاتخلو من جلافة. قلت له: معلش ياعم لطفي.. تلك سنة الله في خلقه وفي ارضه.. يخرج الحي من الميت, ويخرج الميت من الحي.. ويولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار. قال: ولا يهمك.. هناك ملايين من الناس في القبور كان يظن انه لايمكن الاستغناء عنهم. قلت: الا انت!