عام 1987 كتبت مجلة (نيوزويك) (نادرة هي الأخبار الطيبة التي تصلنا من لبنان, ولكن في نهاية المطاف تبقى فيروز, امرأة صغيرة القامة, وصوتاً شبيهاً بالعسل المصفى, بهذه المعطيات وحدها تستطيع فيروز أن تلقي بسلطانها على جمهور مهرجان فني , يكمن سحرها في جمال صوتها, كما يكمن في انتمائها العميق إلى الأمة العربية, هذه الأمة التي تجد افراحها وأحزانها في أغنياتها) . وبعد أكثر من عشر سنوات كتبت صحيفة (معاريف) الاسرائيلية مؤخرا: (إن صوت فيروز كان ولا يزال يضرب آذان الاسرائيليين من كل المحطات العربية التي كادت تخنقهم, وعلى رأسها إذاعات القاهرة ودمشق وبيروت, وكأنه أمواج من البحر العربي الذي يريد أن يخنقنا, ان أغانيها تصيبنا بالدوار فهي الأغاني التي تنادي بالقائنا في البحر) . كثيرة هي الاحتجاجات التي قدمتها سفارات (اسرائيل) في القاهرة وعمان تطالب بوقف أعمال فنية تنال من اسرائيل و(تعرقل) مسيرة السلام في المنطقة, ولا شك ان حفل فيروز الأخير في الأردن قد أصاب (اسرائيل) بالدوار حسب الصحفي الذي أعد تقريرا مفصلا عن حفلتها نشرته صحيفة (معاريف) الاسرائيلية. ولا شك أيضا ان الحكومة الأردنية قد تلقت احتجاجا على أغنيات فيروز التي شدت بها وخاصة أغاني القدس. هل لا تزال فيروز تكره الاسرائيليين؟ سؤال غبي ألقاه الصحفي الاسرائيلي كاتب التقرير على الدكتور أحمد الطيبي مستشار عرفات ولا معنى اطلاقا لتهرب المستشار من الاجابة, لأن الاجابة كانت معروفة للصحفي الذي أراد أن يورط المستشار بطريقة خبيثة جدا. (اسرائيل) ترصدنا بكل طاقاتها وقدراتها على الرصد, ترصد أغنياتنا وأفلامنا ومحطاتنا الفضائية, ترصد جيوشنا وأسلحتنا واقتصادنا وتعليمنا وتوجهات الشباب لدينا, وقد نشر أخيرا خبر يفيد بأن (الموساد الاسرائيلي) كون لجنة (فنية) لدراسة أغاني عبدالحليم حافظ وتأثيراتها على جيل الستينات أيام عبدالناصر, وكيف كانت هذه الأغنيات تحرك الشارع المصري ضد اسرائيل. واليوم تعتبر اسرائيل ان صوت فيروز كالرعد وأغنياتها تخيف الاسرائيليين وتؤكد استحالة اندماجهم في المنطقة. لن ندافع عن فيروز, ولن نعتبر تقرير (معاريف) فتحا عربيا للفن وللبنان ولنا, ولكننا فقط نتذكر تلك العبارة التي رددناها طويلا على مسامع الأجيال العربية (اعرف عدوك) وبدل أن نعرف عدونا, عرفنا هذا العدو حتى آخر أغنية سمعناها, وآخر دبابة تعاقدنا على شرائها, وآخر شاعر نفيناه خارج خارطة الوطن, وآخر صحفي اعتقلناه, وآخر مدرس مات قهرا في إحدى القرى العربية لأنه لم يقبض راتبه منذ شهور!! في المقابل ماذا نعرف نحن وأجيال كثيرة من أبناء العرب عن اسرائيل؟ ماذا يسمع الاسرائيليون؟ وماذا يقرؤون؟ وكيف يفكرون؟ وما هي التركيبة السكانية التي يعانونها؟ و... ثم كيف يمكن اختراقهم كما أمكن لهم أن يخترقونا حتى وصل الأمر انهم يمولون أغاني العبث والتفاهة وأفلام الهلوسة, لأن هذا الفن هو المطلوب وليس أغاني فيروز وصوتها الذي يرسم الوطن في قاع القلب, ويهز الذاكرة العربية حتى لا تنسى آثار القدم الهمجية التي تدنس تراب الأقصى يوميا.