رغم اني لا استريح كثيرا للاستشهاد بأصوات (الاخر) في سياق شؤون الخصوصية الثقافية والهوية, فاني ازعم ان هناك حاجة, أو اضطراراً في بعض الاحيان, لإيراد بعض الامثلة, لاسيما الغربية منها لتحقيق ذلك الهدف خاصة ونحن في زمان امتلك فيه هذا (الغرب) الوسائل التي تكسب الاشياء بريقا ولمعانا , معهما تختفي سائر الاصوات والنماذج الاخرى, واذا اردت دفع التردد بشأن هذا القول فما عليك الا ان تستعرض اثار وسائل الاعلام الغربية ونفوذها الهائل في توجيه الرأي العام الوجهة التي يراد لها, ولا شك ان الايام الماضية قد اثبتت بما لا يدع مجالا للشك مدى التأثير القوي في اخراج الرموز التي لها تعلق بالنموذج الغربي بأي شكل يريد تصويره. ما يهمنا في سياق حديثنا عن الخصوصية الثقافية هو ذلك الصوت الغربي الذي نستشهد به اليوم, صاحبه الممثل الفرنسي البارز والشهير آلان ديلون, ونشرت صحيفة (فيجارو) الفرنسية له تصريحات مثيرة تضمنت شكواه المريرة من (الطغيان) الامريكي في مجال السينما, والذي اكتسح صناعة السينما الاوروبية اكتساحا دفع ابطال تلك الصناعة إلى رفع الرايات البيضاء مخلية المجال لثقافة الكاوبوي لتصول وتجول في تلك الساحة, وفي هجوم شديد على الامريكان وصف ديلون ما يحدث بأنه (استعمار ثقافي) ! وتجلت نبرة اليأس في حديثه عندما اعلن قائلا: ان السينما انتهت على الصعيد الشخصي, والسبب في ذلك: انه لا علاقة له مع صناعة السينما الحالية التي يهيمن عليها الامريكيون, واضاف ديلون: ان السينما والمسلسلات الامريكية تهيمن في كل مكان, واختفت السينما الالمانية والاسبانية والرومانية والبولندية عن الساحة, وتنطفىء السينما الايطالية بهدوء, لكن بشكل اكيد, ويبقى فتات من السينما الفرنسية, وفي لهجة عتاب وجه خطابه للشعب الفرنسي حيث كان قد حذرهم من تلك الموجة (الغازية) منذ فترة طويلة دون ان تجد صرخته تلك اي صدى ايجابي يقول ديلون: عندما كنت أؤكد قبل ثلاثين عاما ان الامريكيين (يستعمروننا) ثقافيا, كنت اتهم بقول حماقات, لقد احكموا سيطرتهم علينا الان, يذكرنا حديث ديلون الاخير بالموقف المتشدد الذي تبناه جاك وزير الثقافة الفرنسي في مطلع الثمانينات تجاه مهرجان الفيلم الامريكي السنوي الذي يقام في فرنسا, ولم يكتف لانج بمقاطعة المهرجان, بل قاد حملة كبرى ضد ما اسماه (الامبريالية الثقافية) الوافدة عبر الاطلسي. كما يذكرنا ايضا بالموقف الذي يتخذه غلاة (المستغربين العرب) وحساسيتهم تجاه أي دعوة تطالب بالمحافظة على الخصوصية الثقافية وصيانتها من التأثر السلبي, أو الذوبان في الثقافات الاخرى, بل ان بعضهم يستنكر فكرة (الخصوصية) هذه ويتندر بها وبعضهم يعلن دون تردد أو خجل ان التقدم والتحضر يكمنان في هذا النموذج الغربي بخيره وشره. ثقافة الكاوبوي والكوكاكولا يلاحظ من خلال تصريح ديلون ان الامريكيين, وفي سياق ترويجهم لصناعة السينما, قد سلكوا في شأن هذا الترويج نفس الطريقة التي يتبعونها عند تسويق الاطعمة والمشروبات, ويقول: بان الامريكيين فهموا ان السينما ليست فنا فقط, بل انها تجارة وصناعة شأنها في ذلك شأن الكوكاكولا وماكدونالدز. وحول شواهد (الاجتياح الامريكي) يذكر الاستاذ فهمي هويدي ان انعكاسات ذلك (الزحف الامريكي) تجاوزت حدود الاقتصاد إلى التأثير في السلوك والتقاليد في المجتمع الفرنسي ذاته, بل على نمط الحياة في اوروبا ذاتها. فقد اخترقت الكلمات والمصطلحات الامريكية الدارجة الفرنسية بشكل لافت للنظر, وأصبحت العبارات المتداولة على ألسنة ابطال المسلسلات التلفزيونية رائجة على ألسنة الشباب وعامة الناس, وفيما كانت باريس هي عاصمة الازياء و(الموضة) فان المسلسلات جعلت من الامريكيات مثلا يحتذى بين شرائح غير قليلة من الباريسيات, بل واصبحت الوجبات الامريكية السريعة تهدد المطعم الفرنسي العريق, وتجاوز الامر هذه الحدود حتى اصبحت ناطحات السحاب الامريكية نموذجا معماريا اخترق سياج العمارة الفرنسية, واصبحت تلك الناطحات التي ظهرت في انحاء باريس, شاهدا يعلن على الكافة حقيقة الاختراق الجديد, هكذا. الخصوصية المطلوبة تبدو ثمة ضرورة قصوى لاثبات امور هامة عند الدعوة إلى المحافظة على الخصوصية, وما تحمل هذه الدعوة من مضامين وابعاد ثقافية وحضارية, لاسيما وان مجرد الدعوة إلى هذه الخصوصية تواجه في احيان كثيرة بردود افعال تتراوح بين الغمز والهمز, إلى الاتهام الصريح بالرجعية والانغلاق, أو ربما شن حملة شعواء توجه عادة إلى دعاة (الخصوصية) بحسبانه وفئة لا صلة لها بالواقع المعاش الذي تسوده مظاهر الحضارة والمدنية, والحافل بالمتغيرات المعاصرة الهائلة, فهم في نظر مروجي مقولة (الثقافة العالمية الواحدة) من الظلاميين المنتمين إلى ثقافة بائدة, المتشبثين بعصور البؤس والظلام والتخلف. بسبب من ذلك, يجب التأكيد على أن الدعوة إلى (الخصوصية) لا تعني خصومة مع (الاخر) , أو قطيعة له, بل تعني اثباتا لخصائص الذات التي لا يمكن لأي عاقل انكارها فهي, أي تلك الخصائص متجلية في مظاهرنا وسلوكنا وعاداتنا وتقاليدنا المنبثقة عن ثقافتنا, وليس في هذا الامر استعلاء على الاخرين, كما لا تعني افضلية على اي حال, بقدر ما هو تقرير لسنن الاختلاف الموجودة بين البشر, فاللغات تتعدد, واللهجات تختلف وتتنوع, والشأن كذلك في العديد من المظاهر الاخرى كالزي واللباس والسلوك والعادات الاجتماعية وغير ذلك. ومع المحافظة على تلك (الخصوصية) والدفاع عنها في مواجهة الاخطار التي تهددها, تأتي الدعوة, وبشكل متواز, إلى التفاعل الانساني الايجابي, فكما ان هناك خصوصية ثقافية هناك مشترك انساني يلتقي عليه البشر, ويكون هذا (المشترك) مجالا للتعاون والانتاج والاسهام في صالح مختلف الجهات التي تلتقي على ذلك الاسلوب من الحوار والتواصل. في مقام سابق استشهدت بكلام دقيق للمفكر المعروف الدكتور محمد عمارة, أورده في كتابه (الغزو الفكري: وهم أم حقيقة؟) في شأن المشترك العام, ملخصه ان العالم هو اقرب ما يكون إلى منتدى عالمي لحضارات متميزة, تشترك اممها في عضوية هذا المنتدى ومن ثم فان بينها ما هو (مشترك حضاري عام) وأيضا, فان هذه الامم كذلك تتمايز حضاريا, الامر الذي ينفي الوحدة الحضارية, ويستدعي الحفاظ على الهويات الحضارية المتميزة, لا لمجرد الحفاظ عليها رغم اهميتها, انما لاسباب وطنية وقومية وعقدية تلعب دورها في انهاض امم كثيرة من كبوتها وتراجعها, لما لهذه الخصوصيات من قدرات على شحن شعوب هذه الامم بالكبرياء المشروع والطاقات المحركة للابداع. ويبقى ذكر كيفية التمييز بين ما هو (مشترك إنساني) وبين ما هو من قبيل (الخصوصية الحضارية) , ذلك ان خلطا متوقعا قد يحدث بينهما, والسبيل إلى دفع ذلك الخلط يكون ببيان ان التمييز بينهما تحكمه وتحدده معايير موضوعية لا تدع مجالا للبس أو الغموض أو الاعتباط فكل العلوم التي موضوعها الطبيعة وظواهرها, والمادة وخصائصها هي من قبيل الفكر الذي هو مشترك انساني عام, وذلك لان مناهجها تتميز بالحياد العلمي, ولان التجربة الملموسة بالحواس المادية هي السبيل لاكتشاف حقائق هذه العلوم, وهي الحقائق التي لا تختلف باختلاف مذاهب وعقائد واجناس وفلسفات المكتشفين, ومن ثم فهي لا تتغاير بتغاير القوميات والحضارات, بل هي واحدة على المستوى الانساني. اما الشق الاخر المتعلق بـ (الخصوصية الحضارية) , والتي تتمايز بتمايز الحضارات, فهو ذلك الذي تكون (النفس الانسانية) موضوعا لعلومه وفنونه وآدابه واذ تبين الفرق بين ماهو مشترك انساني وبين الخصوصية التي نريدها فان التحدي الاكبر يكمن في تحقيق تلك المعادلة الصعبة المتمثلة في تحصيل تلك العلوم والمعارف, التي هي من قبيل المشترك الانساني, بالتواصل مع (الاخر) والافادة منه, مع المحافظة على الهوية الثقافية وخصوصيتها التي نتحدث عنها, وهو امر لا استحالة فيه, لكن القدر المتيقن ان هناك صعوبة كبيرة في التوفيق بينهما, خاصة وانك في عصر امتلك فيه (الاخرون) كل عوامل المدنية المشهودة ومقومات الحياة المادية ووسائل التكنولوجيا, بينما تراجع العرب والمسلمون إلى درجة مخيفة. والافدح من ذلك ان نكون في عصر التحديات دون ان نملك مشروعا حضاريا ذا اهداف واضحة وخطط وبرامج قابلة للتنفيذ, وتحدد فيه الوجهة التي تسير اليها هذه الامة. هذه الخاتمة ليست دعوة لليأس والقنوط, بقدر ما هي وصف للواقع, لا شك انه مؤلم, ولكن الخطوة الاولى تكمن في اثارة المياه الراكدة حول قضايانا الهامة, ثم استنهاض الهمم نحو تفكير جدي بشأن المسائل التي أشرنا إلى طرف منها. * مدير جامعة زايد بالانابة