مع موت الملك حسين تبين وبصورة جلية كم تمتع الملك حسين بسمعة رجل دولة وقائد تجاوز دوره حدود الأردن وصغر حجمه وفقر موارده, الملك حسين كان واحدا من كبار القادة العرب, إذ عاصر كل مراحل وتوترات العصر العربي الجديد الذي ورثناه منذ الخمسينات, فهو آخر القادة المتميزين الذين جاؤوا إلى الحكم في ظروف انتقالية وشديدة التوتر, قاد الأردن من مرحلة إلى أخرى, ارتكب العسكريين الذين انقلبوا على الدولة, ثم أفرج عنهم بلمسة شخصية ليتحولوا إلى موالين لحكمه, هذه الشخصية التي تميزت بمقدرتها على الاحساس بالخطر والاحساس بضرورة التأقلم, في ظل مقدرتها الفائقة على بناء علاقات شخصية عميقة مع أصدقائه هي التي انتقلت من موقف إلى آخر حسب الحاجة وحسب مصالح السياسة, لقد كان الحسين سياسيا من الطراز الأول ونجح لهذا في انشاء وضع في الأردن يميل إلى الانفتاح وتقل فيه انتهاكات حقوق الانسان, نجح في تجنيب الأردن آفة الحكم العسكري أو الحكم الدموي والانقلابي بالرغم من توفر كل الظروف التي تساهم في نشوء هذا النمط من الحكم في بلد فقير في موارده ومتأثر بالقضية الفلسطينية وتداعياتها كالأردن, الخيط العام الذي ميز الملك حسين عن غيره انه لم يكن في يوم من الأيام غوغائيا أو مغاليا بل كان منسجما مع نفسه منذ البداية وحتى موته. ان الأمراء والملوك والرؤساء والقادة الذين جاؤوا لتوديع الملك حسين فعلوا ذلك لقناعتهم بأن الملك الراحل كان نموذجا لمن تصرف بملكه بمسؤولية نادرة وتصرف بحكمته باتزان وانصاف, فهو لم يطغ ولم يظلم حيث استطاع ان يمارس العدل ولم يتجاوز حيث استطاع ان يضع الحدود, ومارس اعتدالا نادرا في منطقة عربية عرفت بتقلباتها, الاجماع العالمي على شخصية الملك حسين ارتبطت بعناصر عكست دوره الاقليمي, فالملك حسين كان رئيسيا في عملية السلام خاصة بعد اتفاق أوسلو عام 1993, بل ان موقف الملك في تشجيع السلام عوضا عن انتقاده وفي ممارسة التوسط في اللحظات الحالكة ساهم في اعطاء دوره بعدا ايجابيا, فقد أثبت الملك قدرة كبيرة على التوسط عند كل منعطف في زمن حكومة العمل ولكن بدقة أكبر تميز في مقدرته على اقناع نتانياهو بضرورة تنفيذ اتفاق الخليل, ثم في دوره الأخير وسط المرض في اتفاق واي بلانتيشن في الخريف الماضي, ولكن الملك حسين حافظ على علاقات دائمة وشخصية مع كل رئيس أمريكي جاء إلى البيت الأبيض, كان ملكا محاورا مع ادارات أمريكية مختلفة وكان لهذا ذاته تأثير على الأجندة الأمريكية في المنطقة, ولكن علاقاته الامريكية لم تكن أقل من علاقاته الأوروبية والبريطانية والدولية الأخرى حيث نجح في توظيف كل هذا لصالح اعطاء الأردن دورا في الميزان الاقليمي والدولي. ولكن موقف الملك في أزمة الخليج ابان الغزو العراقي للكويت أفقده دعم دول الخليج وساهم بخلق شرخ دفع الأردن من جرائه ثمنا كبيرا, حينها أخطأ الملك التقدير حول مدى وخطورة الحل العسكري إذ ضخم حجم خسائره من جراء خسارة السوق والدعم العراقي, كانت النتيجة خسارة الأردن لسوق العمل الأكبر في دول الخليج بما في ذلك خسارة الأردن للدعم الخليجي, لكن الملك استدرك ذلك الخطأ الاستراتيجي, واكتشف بالممارسة ان صدام حسين الذي أوحى له بامكان انسحابه من الكويت لم يكن ينوي الانسحاب وكان يفضل حلا عسكريا للازمة بل اكتشف الملك حسين ان صدام حسين الذي سعى لمساعدة الاردن في رفع العقوبات يقول شيئا للاردن في الصباح ويفعل شيء اخر في المساء بل ربما كان المنعطف الاهم في التأثير على موقف الملك هو قيام صدام حسين بحشد جيشه على حدود الكويت ثانيا في اكتوبر 1994 بنفس الوقت الذي الملك حسين يطرح في اكثر من محفل امكان اعادة تأهيل صدام.. فبعد حادثة الحشد هذه تبين للملك مدى صعوبة تأهيل صدام ونظامة وانه منذ ذلك الوقت خاصة بعد انشقاق حسين كامل عام 1995 بدأ الموقف الاردني يتحرك بالاتجاه الاخر. ترك الملك حسين الاردن في حالة افضل كثيرا مما كان عليه حاله عام تسلمه للحكم في 1952, بل ترك بلدا استقر فيه نظام الحكم بعد ان بدى في الخمسينات في مهب الريح العاتية, ولكن الملك ترك الكثير من المهام لابنه الملك الجديد فهو ترك ايضا بلدا يتطلب الكثير من الاصلاح والانفتاح, وترك بلدا يتطلب الكثير من التطوير الديمقراطي, وترك فوق كل شيء بلدا تنقصه التنمية الاقتصادية التي يجب ان تساهم في حل ازمة البطالة التي تصل في بعض المدن الى 40% وترك الملك لابنه مخاطر ومخاطر التعامل مع مفاوضات الحل النهائي حول قضايا شائكة سوف تترك اكبر الاثر على الاردن (دولة فلسطينية, المقدسات والقدس, اللاجئون وغيره). في انتقال الحكم من الاب الى الابن انتقال لمرحلة من جيل الى اخر, وهذا يعني بداية تحولات في الاردن آن اوانها, ان حاجة الملك الجديد الى الدعم من اجل البناء يجب ان تتحول الى طاقة باتجاه الانفتاح الديمقراطي فالمجتمع لن يتقبل من الابن ما تقبله من الاب, فالاب بنى دوره في ظروف مختلفة ومع جيل مختلف من الاجيال الاردنية والعربية, اما الملك الجديد فهو سيبني دوره وشرعيته في ظل جيل عربي اصغر سنا ولد وسط تجارب الانترنت والانفتاح العالمي, ولهذا فهو جيل يبحث عن مزيد من الحقوق والحرية, وجيل يتساءل عن الخيارات وينتقد المسؤولين ويتطلع نحو مشاركة ذاتية اكبر في صناعة المستقبل, لهذا سيكون لزاما لترتيب البيت الاردني اخذ كل هذا بعين الاعتبار, وفي هذه الظروف سيتحول الاردن الى مختبر لدول عربية عديدة تقترب من المرور بنفس الظروف, فالانتقال من جيل الى جيل سوف يكون وجها سائدا في العالم العربي في السنوات الخمس او السبع القادمة, ان نجاح الملك الجديد يعتمد على تحويل اغلبية سكان الاردن الى مجتمع لديه كل المصلحة في حماية النظام الاقتصادي والسياسي, وهذا لن يتم بلا انفتاح حقيقي وحريات وبناء اقتصادي يخفف من الهوة الكبيرة بين الاغلبية الفقيره والاقلية الغنية. لقد اختفى عن الساحة قائد محنك ومتميز, وزعيم ترك اثره في السياسة العربية والدولية وهو بلاشك سوف يترك فراغا كبيرا لن يكون ممكنا ملؤه في فترة قريبة, بل تبين اثر الملك حسين الكبير من خلال الجنازة التاريخية التي لم تشهد البلاد العربية مثيلا لها, بل يؤكد كل هذا ان العرب قادرون على بناء علاقات متميزة مع العالم وان الدور الايجابي يثمن في كل مكان بينما الدور السلبي هو الاخر يترك اثاره المدمرة, بل كان الاهم في هذه الجنازة التاريخية ان حافظ الاسد كان في نفس الجنازة مع نتانياهو وشارون وشامير وبنفس الجنازة مع البشير وياسر عرفات وشارلز وبنفس الجنازة مع كلينتون وهكذا لقد اجمع كل من شارك في الجنازة على شخصية ودور الملك حسين ولكن هذا يؤكد ان الاجماع في امور اخرى هو الاخر ممكن. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت