في اسطورة (الهولندي الطائر) تحكم الاقدار على رجل ان يبقى مبحرا مئات السنين دون ان يكون له الحق في ان يتعب أو يشيخ أو يموت أو يستقر في ميناء من الموانىء . كان شرط (الآلهة) الوحيد للخلاص من هذه اللعنة التي تلاحقه هو ان يتنازل عن ايمانه بالحرية وأن يستسلم لكل ما هو قائم دون اعتراض أو احتجاج أو غضب, في هذه الحالة يمكن ان يعرف الاستقرار, يمكن ان ينعم بالراحة, يمكن أن تحبه امرأة وتبحر معه وتستقر معه وترسو معه وتموت معه. قصة (الهولندي الطائر) هي قصة كل انسان لا يستطيع ولا يستسيغ الحياة دون حرية, لا يقبل البقاء في سجن الامر الواقع, ويحلم بالنور والحق والتغيير وتخليص البشرية من الانياب المفترسة التي تنام في لحمها, لكن .. هذا الطراز من البشر لا تقبل الموانىء ان يرسو فيها, ولا تمنحه المطارات تأشيرات دخول, ولا توافق اسماك القرش أن تصالحه, ولا ترضى العواصف ان تعامله برفق, ولا يفتح القراصنة حوارا معه. ولعلي لا ابالغ لو قلت انني اشعر ان هذا (الهولندي الطائر) يعيش في داخلي وتحت جلدي وأن حياته هي جزء من حياتي, فكثيرا ما ثقبت سفينتي, وكثيرا ما غرقت, وكثيرا ما نهشتني الحيتان, وكثيرا ما وجدت نفسي وحيدا اداوي الجراح بملح البحر ودفء الشمس. وقد سيطرت علي مشاعر (الهولندي الطائر) طوال رحلة استغرقت اسبوعا إلى اوروبا, هبطت فيها ساعات في فرانكفورت وأثينا, وعشت اياما في لندن وباريس, لكن لم يصلني خلالها الاحساس بالثبات والطمأنينة حتى بعد ان هبطت مطار القاهرة. في باريس لم يمنع الصقيع ورذاذ المطر النجمة التي غربت عنها شمس الاغراء (بريجيت باردو) من ان تواصل حملة شيخوختها التي نذرت لها ما تبقى من عمرها, دفاعا عن حقوق الحيوان من قسوة الانسان, ولكن, في غمرة حماسها الشديد لانقاذ الصراصير البرية والذئاب المتوحشة والافيال الباطشة وجدت نفسها تهين المسلمين وتصفهم بالوحشية لانهم يذبحون الكباش والخراف في عيد الاضحى ويلوثون ايديهم بدمائها, وتساءلت في استنكار لا يخلو من جهل عن هذا الدين الذي يفعل ذلك بهذه الحيوانات البريئة؟ .. ثم .. طالبت بالتخلص من المسلمين الذين يعيشون في فرنسا عقابا على همجيتهم, ودعمت بذلك كل الاحزاب اليمنية والفاشية التي تطالب بإلقاء المسلمين في البحر, وقد وجدت انصار بريجيت باردو بالعشرات امام فندقي في الشانزليزيه وقد رفعوا صورا وشعارات عنصرية مهينة. ان المسلمين ليسوا اول من ذبح الخراف فداء وتضحية في الاعياد, اليهود سبقوهم إلى ذلك, في اهم اعيادهم على الاطباق, عيد الفصح, أو البيساح أو الفسح, والفسح كلمة عبرية تعني المرور أو العبور, وهم يحتفلون بهذا العيد في شهر ابريل أو نيسان في ذكرى خروجهم من مصر وراء سيدنا موسى, وهم يحتفلون بهذا العيد بطريقة مؤلمة, فلا يضعون الخميرة والملح في الخبز بدعوى أنه لم يكن لديهم الوقت لذلك عند خروجهم من مصر, وهم يتناولون طعاما كريها ونباتات شديدة المرارة ليتذكروا كيف كانت حياتهم في العبودية قبل ان يخرجوا إلى البرية, واهم طقوس هذا العيد, ذبح شاة, وتلطيخ اعتاب البيوت بدمائها, ويجب اكل لحمها مشويا, ومحرم ان يؤكل مطبوخا بالماء. لكن .. لا تجرؤ النمرة العجوز بريجيت باردو أن تهاجم وحشية اليهود لانهم يذبحون الشاة, والا سلخوها في حديد منصهر اسمه معاداة السامية, ولا تجرؤ على رفض تلطيخ ايديهم بالماء والا لطخوا جسدها بالطين, على انها مستعدة ان تفعل ذلك بجرأة ووقاحة مع المسلمين الذين تعتقد ان حقوقهم لا يمكن ان تطول حقوق الحيوانات التي تكاد تنتحر من اجلها. لقد كنت اعتقد ان اوروبا ــ التي عرفت الاضطهاد والتمييز والحروب وقاست كثيرا من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان ــ لا يمكن ان تصل إلى هذا المستوى من التعصب, لا يمكن ان تدخل الدين في كل نواحي الحياة بما في ذلك طقوس الاعياد. ان الدين عدل وديمقراطية وشورى وخير واخلاق, ولا احد يخاف من دين يحترم الانسان ويدخل معه في حوار ديمقراطي بعيدا عن التعصب والتزمت والقهر وضيق الافق, لكن في غياب الايدلوجيات والنظريات السياسية تحرك الدين ـ هنا وهناك ــ ليسد الفراغ, وكان يمكن للدين ان يصحح كثيرا من انحرافات الحياة لو عرف الذين يستخدمونه التجديد والاستنارة والانفتاح على العصر والحوار مع ما حولهم من مستجدات, لكن ما حدث هو انهم دخلوا الشرنقة, وتحولوا إلى الديكتاتورية, واستخدموا الاساليب الفاشية, ولم يجدوا سوى المسلمين ليجربوا فيهم هذه الاساليب, ولعل السبب هو الانتقام بأثر رجعي من العرب الذين فرضوا بثروات النفط ارادتهم على الحياة في اوروبا, لقد سمعت متحدثا في التلفزيون يقول: إن الله اعطى العرب شيكا على بياض ليشتروا كل شيء في اوروبا, من قصر فرساي إلى برج ايفل, ومن التاج البريطاني إلى ملهى المولان روج, ومن الاميرة ديانا إلى صحيفة لوموند, وقد اصبح هذا الشيك الآن بدون رصيد) , لم تعد اوروبا تكتب من اليمين إلى الشمال, وسبحان مغير الاحوال. بل انهم استخدموا الدين في تزوير التاريخ, وكنا نحن المصريين الضحية هذه المرة, ففي اوروبا الان حمى اسمها اليهودية والفرعونية, ان الحضارة المصرية القديمة لاتزال تملك اللياقة الجسدية والروحية لتسافر إلى العالم, لاتزال مسكونة بالغموض والاسرار التي تجعل العالم عاجزا عن كشفها, وان لم يمنعه ذلك من الاستسلام لسحرها, وقد وجدها اليهود فرصة وراحوا يزورون التاريخ, تاريخنا, ففي السينما فيلم (امير مصر) الذي يقول ببساطة وبراعة ان اليهود هم الذين بنوا الحضارة المصرية وهم الذين هدموها, بنوها عندما كانوا في مصر, وهدموها قبل ان يخرجوا منها, وفي المكتبات سيل من الكتب والروايات تعيد صياغة تاريخنا على هذا النحو, وفي التلفزيون مناقشات وعلماء وخبراء يكررون نفس الافتراءات, حتى اصبح الباطل حقيقة يصدقها الصغار قبل الكبار في اوروبا, وهم يستندون على حجة غريبة هي ما نحن عليه الان, ويقولون: هل يعقل ان نكون ــ وقد عجزنا عن تنظيم المرور ومنع الاتوبيسات من الانتحار من فوق الكباري ــ احفادا لبناة الحضارة المصرية القديمة؟ هل يعقل ان نكون ــ ونحن لا نقدر على فرض النظافة والنظام على الشوارع ــ امتدادا لاولئك الذين شيدوا الاهرامات ونحتوا المسلات واقاموا المعابد التي انتصرت على الزمن؟ ولو كان هذا المنطق سليما لكان علينا ان نجد ارسطو وسقراط وافرودويت في انتظارنا في مطار اثينا, أو نجد الملكة فيكتوريا تصافح زوار بريطانيا في (الهايد بارك) , أو نجد نيرون يبتلع كرات النار في ميادين روما, وهو ينتظر مولد فنان الموناليزا (ليوناردو دفانشي) , ليرسم له لوحة تخلده, أو نجد أنفسنا في حضرة سلاطين الامبراطورية العثمانية وهم يخططون لغزو اوروبا في مقر حكمهم في قصر استنبول والمعروف باسم (طوب قبل سراية) ان الحاضر لا يشهد على الماضي, والا كان العكس صحيحا ايضا, فتصبح الدول التي تحكم العالم الان قطيعا من الرعاع لانهم كانوا كذلك من قبل. على اننا تركنا الساحة خالية تماما لمن يساوي ولمن لا يساوي ليفعل بنا ما يشاء, يقولون نحن اول من اضطهد اليهود, ولا نرد, يقولون ان اليهود هم الذين بنوا الحضارة المصرية, ولا نبالي, يصورون ملوك مصر القديمة في رواياتهم التي تباع بالملايين على انهم حفنة من الشواذ والمساطيل, فلا نهتم, انهم يكذبون ويكذبون حتى يأتي يوم ونصدقهم. من باريس سافرت إلى لندن بالقطار, انها المرة الاولى التي اركب فيها هذا القطار, المعجزة الذي ربط الجزر البريطانية بأوروبا, ويعبر بحر (المانش) في المياه العميقة بسرعة تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة, وقد استغرقت الرحلة من باريس إلى لندن حوالي 3 ساعات, وقد تذكرت القطار الذي ركبته في اليابان والذي يطلقون عليه القطار ـ الرصاصة .. لانه ينطلق كالرصاصة, وهو يقطع مسافة كالتي بين القاهرة واسوان ــ حوالي الف كيلومتر ـ في اقل من 3 ساعات, ويوفر ساعات الذهاب إلى المطار, وساعات انتظار الطائرات, وساعات الطريق من المطار إلى قلب المدينة, والقطار مريح, ممتع, فيه كل وسائل الامان, ولا يمكن ان يحدث لنا فيه ما يحدث لنا في قطاراتنا التي يسقط فيها الركاب من دورة المياه, وتندفع بجنون لتصطدم بالبيوت والناس والاسواق, ولعلني من اشد المؤمنين بان التنمية الحقيقية في مصر تبدأ بمد شبكات السكك الحديدية القوية والسريعة إلى كل شبر في مصر, ان المليارات التي انفقناها على المطارات والطائرات في المناطق المتفرقة بدت كمراكز حضارية متفرقة, غير موصولة ببعضها البعض, ولو كانت هذه المليارات قد انفقت على شبكات القطارات لكان هذا الوطن موصولا بنقاط للحضارة والتنمية ليس بينها مسافات أو فراغات, وليست صدفة ان الانجليز ادركوا هذه الحقيقة منذ اليوم الاول الذي احتلوا فيه مصر, ومن ثم كانت السكك الحديدية في مصر الثانية في الميلاد والترتيب على مستوى العالم, ولا اتصور انها تحظى بأي ترتيب الان بعد كل افلام الرعب والكوارث التي تفرضها علينا, والعرض مستمر. في محطة النهاية التي وصل اليها القطار الذي يسمى (نجمة اوروبا) محطة (ووتر لو) كانت هناك مفاجأة في انتظارنا, كنت مع خمس من اشهر رجال المال والاعمال المصريين يرافقهم صديق ايرلندي, وكان من بينهم من يحمل جنسية اوروبية, وبعد ان انهينا اجراءات جوازات السفر, واصبحنا على وشك الخروج, تقدم الينا ضابط في ملابس مدنية, وطالبنا بجوازات السفر ــ بعد ان سمح للايرلندي بالمرور ـ وراح يسألنا العديد من الاسئلة التي لم نتردد في الاجابة عنها, لكنه لم يكتف بذلك وانما اخذ جوازات سفرنا واختفى, وبعد نصف ساعة جاء ليسألنا, هل نملك (بيزنيس كارت) ... واخذها ... ثم اختفى من جديد وعاد ليقدم لنا جوازات السفر وملامح الأسى تملأ وجهه لانه لم يجد ما يمنع دخولنا لندن, ولم نجد مفرا من التعبير عن غضبنا, خاصة وانه حرمنا من خلال مدة الانتظار من التدخين ودخول دورة المياه, واتهمته مباشرة بالتمييز العنصري, لان من بين ركاب القطار الذين يزيد عددهم عن 250 راكبا لم يوقف سوانا, وشابا جزائريا, ولم يشفع للبعض منا جواز السفر الاوروبي الذي يحمله, وعندما سئل على أي اساس اوقفنا, قال: انها عملية عشوائية, لكننا قلنا له: لماذا يتصادف ان نصاب نحن العرب فقط بعشوائيتك؟ ثم اضفنا بسخرية: لماذا لا تضعون العرب في طابور بمفردهم حتى نوفر عليكم الاختيار العشوائي؟ ثم .. سألناه: كيف نشكو تصرفك؟ فقال في قسم الشرطة, وسألناه عن اسمه, فأعطانا رقمه (1699) دون ان يفقد اعز ما يملك الانجليز, البرود. ولم نتردد في الذهاب إلى قسم الشرطة, فالحق لا يضيع لو كان وراءه مطالب, كما انها فرصة ان تجد نفسك في مجتمع يحب أن تأخذ حقوقك, ولا يعاقبك لو فعلت ذلك أو فكرت فيه, وفي قسم الشرطة عاملونا كما لو كنا وزراء أو لوردات أو امراء من الاسرة المالكة, وقدموا لنا كتيبا يشرحون فيه كافة حقوقنا, وكيفية الحصول عليها, ثم اخذوا اسم الفندق الذي نقيم فيه, وفي اليوم التالي كان عندنا ضابط كبير ومعه مساعده, وفتحوا المحضر في مكاننا, وعندما عرفوا ما جرى شعروا بالخزي والكسوف, ولم يفتح احدهما فمه عندما ابدينا استنكارنا من الحكومة البريطانية التي ترعى الارهابيين وتنفق عليهم وتسمح لهم بالتعبير عن انفسهم واقامة المؤتمرات, ثم توقفنا نحن وجوازات سفرنا تكشف كل شيء عنا, عندما استنكرنا ذلك, تضاعف الاحساس بالخجل, وقد وصل الخجل إلى حد الوعد بالاعتذار وتوصيله حتى بيوتنا في القاهرة. في مطار القاهرة, شعرت ان (الهولندي الطائر) قد وجد مرفأه الطبيعي, انشرح القلب, ولمعت العين بالدمع, وخف وزن الجسد, ان الوطن هو المكان الذي نشعر به بأن الحياة ملونة, وانه لا ثقل فيه للجاذبية الارضية, ولكن ما جرى في لندن, جرى في القاهرة, اختفى جواز السفر في المكاتب الخلفية, السرية, وطال الانتظار, وعندما جاء جواز السفر شعرت برغبة عارمة في ان اعتذر للانجليز, والمقصود مفهوم .. هو احساس (الهولندي الطائر) الذي يبحث عن الحرية, ويحلم بالنور, والعدل, وتخليص البشرية من الانياب المفترسة التي تنام في لحمها, لكنه لا يجد ميناء يقبله, وفي الوقت نفسه, لا تصالحه اسماك القرش, والعواصف, ولا الدوامات المائية.