ربما تكون حادثة مقتل السياح الغربيين الأربعة أخيرا في اليمن هي التي قصمت ظهر البعير, غير أن الحادثة ليست مقطوعة الجذور, فطوال الأسابيع والأشهرالماضية لم تفتر حوادث خطف الأجانب والتفجيرات وتخريب أنابيب النفط . وتلقي السلطات اليمنية عادة بتبعة هذه الحوادث على عاتق مخربين وجماعات معادية لليمن, وهو أمر قد يصح وقد لا يصح. بيد أن الملاحظ مع ذلك ان هذه الجماعات وهي تنتمي الى قبائل يمنية معروفة تبدو مصرة أو على الأقل مسرورة بما تقوم به. ويمكن تبين بعض الحقيقة في المطالب التي يتقدم بها هؤلاء ثمنا لاطلاق سراح رهائنهم, والتي تعترف بها صنعاء أيضاً من خلال تفاوضها مع الخاطفين على تنفيذ كل أو بعض هذه المطالب. وهي تشمل المال بشكل أساسي والامتيازات الحكومية وبعض المنافع المحلية كشق الطرق وإقامة منشآت في مناطق تلك القبائل .. إلخ. وفي أحيان عديدة يصل الأمر حد الدهشة بالنسبة للمراقبين حين تطالب بعض القبائل بحصة من النفط المكتشف في هذه الأرض أو تلك والتي تقول أنها تقع ضمن أراضيها! ورغم صدور قانون جديد ينص على إنزال عقوبة الإعدام بكل من يقوم بخطف السياح الأجانب, فالواضح أن القانون ورغم شدة العقوبة لم يحل مع ذلك دون حدوث عمليات الخطف. وربما فهم بعض رجال هذه القبائل إن القانون المذكور هو لتهدئة الرأي العام الخارجي أكثر منه لردع الخاطفين. فالموت في النهاية هو أحد الخيارات المحتلمة التي تنتظر أي خاطف في حال فشلت المفاوضات. وغير ذلك فان حقيقة عجز الحكومة عن وضع حد لهذه الأعمال, يعني اعترافا منها بالعجز عن مواجهة الواقع القبلي في اليمن. وهو أمر حاول أن ينفيه رئيس التجمع اليمني للإصلاح عبد الله الأحمر وهو زعيم قبلي بقوله قبل أيام (هذه مبررات يطلقها بعض المسؤولين في أجهزة الأمن والحكومة لتقاعسهم, فالقبائل تتكون من مواطنين وشيوخ القبائل مع الدولة وهم عيونها إذا استعانت بهم, وكلهم لديه الاستعداد لمعاونة الحكومة في القضاء على الانفلات الأمني) . العنصر الجديد في الوضع هو دخول الحركات الأصولية المتطرفة على الخط وقيامها باختطاف 16 سائحا غربياً قتل منهم أربعة خلال محاولات قوات الأمن مداهمة المخبأ الذي كانوا يتحصنون فيه. وتراوحت مطالب الخاطفين بين إطلاق سراح زملاء لهم تعتقلهم الحكومة وبين رفع الحصار عن العراق! الجديد هنا إذن ان هذه الأعمال أصبحت تمارس تحت دوافع سياسية بعد أن كانت حتى الآن مجرد مطالبات اقتصادية معيشية. فهل ستتحرك الحكومة لوضع حد للجماعات الأصولية, سيما بعد أن تبين, وجود متطرفين عرب في صفوف الجماعات اليمنية! ونسبيا يظل العنف الأصولي مقدوراً عليه, لأنه مجرد إفراز للوضع القبلي المنفلت أمنيا واجتماعياً. وهو لا يحظى في اليمن شأنه شأن باقي البلدان العربية الأخرى, بأي تعاطف أو جاذبية في أوساط الغالبية من المواطنين. بيد أن الخطورة تكمن في الوضع القبلي نفسه, الذي تغذيه مجموعة روافد بعضها اقليمي وأكثرها واقع اقتصادي داخلي متأزم وآخر سياسي غير مستقر. هذا الوضع مرشح للتفاقم في حال لم تجر معالجته بشكل جدي. ومن إن حالة الانفلات القبلية ليست شيئا جديدا أو طارئا في اليمن, وأنها من خصوصياته, غير أنها تصبح شديدة الخطورة في ظل الأوضاع الحالية أو أوضاع أخرى شبيهة قادمة. كاتب وصحافي بحريني