قد لايكون للسياسة نصيب وافر في تصنيفهم, ولهذا ليس مستغربا أن يواجه المحلل السياسي صعوبة كبيرة في تصنيف الذين تسنموا قمة الهرم السياسي الأمريكي الى (خانات) أو (فئات) , واشكالية التصنيف هذه ناجمة عن هذا التباين في خلفيات أولئك القادة, أهل الحل والعقد, والحديث هنا ليس عن خلفيات الطفولة والفتوة بل الخلفيات التي أطرت ورافقت التقدم في العمر, ان النظرة العاجلة تكفي لاستكشاف تفاوت هذه الخلفيات بين المحاماة والعسكرية والسينما وتدبير الشأن الجامعي والعلوم التطبيقية والرياضة والادارة .. وهكذا لا تستطيع, كما لا أستطيع, القول بأن الشخص الفلاني مؤهل, وبالتأكيد لتولي منصب الرئىس القادم للولايات المتحدة الأمريكية بحكم خلفيته التي تشفع له احتلاله لهذا المنصب, وبعد ذلك فالمحلل السياسي كثيرا ما يجد ما يبرر الاعتقاد بأن مركزية القوة في المجتمع الأمريكي تعاني التشتت الذي يسلب عن كل قوة القدرة النوعية على التفكير الشمولي والتخطيط والتنفيذ على مساحات واسعة من البنية الاجتماعية, ان (تعددية) القوة تعنى ان يمتلك الرئيس شيئًا, والكونجرس شيئًا, كما ان لكل من الشركات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والدينية والنقابات والجامعات شيئًا يمكنها من ممارسة فعل القوة في نطاق معين. وإذا ما كانت الخلفيات وتشتت مركزية القوة لا تسمحان بابداء رأي قاطع عن القادم الجديد الى البيت الابيض, فلا بد اذن من عامل او عوامل اخرى تساعد على ذلك. وقبل الحديث في هذا الشأن, قد يبدو معقولاً التساؤل عن الدافع الكامن وراء السعي لمنصب الرئاسة واذا ما علمنا ان هذا المنصب لا يدر على صاحبه كثيرا من المال بل يمكن القول بلا تردد ان مجالات عديدة في الصناعة والتجارة تدر من المال اكثر مما يأتي به منصب الرئاسة, فإن كل ذاك يدفع بنا الى ان نتصور (المكانة) دافعا متميزاً لاحتلال كرسي الرئاسة وللمكانة هذه ما يرافقها بالضرورة من نفوذ اجتماعي وسمعة تتجاوز امريكا الى العالم الاوسع لقد قيل للرئيس الاسبق (نيكسون) انه لم يخسر كثيراً في حين دخل اصحابه واعوانه السجن اثر فضيحة (واترجيت) فأجاب معلقاً وسحنة الألم تكسو ملامحة الصلدة, انه خسر اكبر شيء يحلم به انسان, منصب رئيس الولايات المتحدة. ان هناك ما يرجح فوز نائب الرئيس (آل جور) بمنصب الرئيس ان (مكانة) الرئيس تفوق باغراءاتها القوة المحدودة التي يتمتع بها نائب الرئيس وآل جور يرمي بكل ثقله الاجتماعي والسياسي لنيل هذه المكانة انطلاقاً من جملة حسابات تقربه من ان يكون في البؤرة من هالة تلك (المكانة) الفريدة. وتلك الحسابات تسقط منافسة المرأة, ان النساء في الولايات المتحدة الامريكية على الرغم مما يتمتعن به من حقوق, وما وصلن اليه من مراكز, ما زلن اقل نفوذاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً, وما زلن, حتى وان كن في الواجهة, لم يتجاوزن حدود الديكور, وليس هناك من استثناء فلم تكن سيدات البيت الابيض اكثر من (سيدات) في ذلك البيت وعلامات متألقة من علاماته ان هذا الحكم الصارم ينطبق على سيدة البيت الابيض كما ينطبق على (اليزابيث دول) التي حاولت ان تكون السيدة الاولى, فأخفقت باخفاق زوجها, ولن يتردد المتابع السياسي في الحكم على العديد من المنافسين الرجال بافتقاد الفطنة السياسية ان هذا الحكم يشمل لاعب كرة السلة السابق (بيل برادلي) , والمغامر المالي (ستيف فوربس) ورجل الظل (جاري بوير) , ولاعب كرة القدم القديم (جاك كيمب) ورجل الاعمال (لامار الكساندر) ونائب الرئيس الأسبق المعروف بأخطائه الإملائية (دان كويل) ! وقد يكون جورج بوش الابن منافساً قوياً, ولكن نقطة ضعفه تكمن في انه لم يخرج بعد من معطف ابيه بالرغم مما ابداه من مقدرة في حاكميته لولاية تكساس! وهنا نعيد قول من يقول بأن تكون في الصدارة من العمل السياسي الامريكي لا يعني بالضرورة ان تكون ذا خلفية سياسية, فهناك قلة جاءت الى العمل السياسي من خارج الحلبة السياسية كادارة الاعمال والعمل الحكومي البيروقراطي, والى جانب ذلك هناك الذين جرى تأطيرهم في النطاق الحزبي, وتدربوا فيه على العمل السياسي وهم بذلك يتفوقون (فطنة سياسية) على اولئك الاداريين ومحترفي تدبير شؤون الاعمال الصناعية والتجارية. ان آل (البرت) جور هو رجل الحزب الديمقراطي لقد كان نائبه في البرلمان ما بين 1976 و1984 وانتخب عضوا بمجلس الشيوخ ما بين 1984 و1992 ليصبح نائباً للرئيس بيل كلينتون ولقد ظل خلال ممارسته السياسة قريباً من منتخبيه, منشغلاً في المعترك السياسي والاقتصادي في الداخل والخارج, متابعاً قضايا تلوث البيئة وثقب طبقة الاوزون ومشكلات النفايات, مدركا لقوى الضغط وامتداداتها الدينية والاجتماعية والمالية, وله علاقاته الحميمة مع زوجته وابنائه الاربعة وهو الى ذلك متمكن من فن القول ومخاطبته الجمهور , عند اشتداد معارك الانتخاب, ويعنى بأهم موضوعات التكنولوجيا واشدها اثرا في حياة الانسان المعاصر, ذلك هو موضوع الطرق السيارة للاعلام وشبكات (الانترنت) . ان ادراكنا لظاهرة تشتت مركزية القوة في الوسط الامريكي, تجعلنا نفهم بصورة اعمق صعوبة التغيير في المسار السياسي الامريكي, وعلينا الاستفادة من العبر, وان نتعامل مع القادم القديم/ الجديد وفقاً لما تمليه مصلحة العرب. أليست السياسة مصالح؟ وقد يكون محزنا ملاحظة الاغفال العام على الساحة العربية لكيفية التعامل مع القادمين الجدد الى البيت الابيض, وان نترك سياستنا او سياساتنا على الاصح تسير كما تشاء لها الرياح ان تسير واذا صح الاجتهاد بأن المسار الامريكي سيظل كما هو, الا يحسن بنا ان نكيف وسائلنا وخطابنا لكي تتلاءم مع مستجدات هذا القديم/ الجديد؟ ان الرياح والامواج لا تقوى على ارادة ربان السفينة وقدراته, انه يستطيع تحدي الشبح الهائج والريح العصوف, ويحاول بصبره وحنكته ان يكيف مسيرة السفن حتى وان جرت الرياح بما لا تشتهي او يشتهى! خبير اعلامي عربي