جاء حين من الدهر اعتبر فيه (الكفاح المسلح اسلوبا وحيدا لتحرير فلسطين) . مما حدا بالكاتب السوري النابه, المرحوم الياس مرقص, الى التساؤل مستهجنا (هل لو انسحب الاسرائىليون من الاراضي التي يحتلونها, نستمهلهم, حتى نطلق بعض الأعيرة النارية والقنابل) ؟! باستقراء وثائق منظمات المقاومة الفلسطينية, فيما بين 1964 و1974, يلتقط العجب العجاب, في غير مجال, على ان مايعنينا هنا, حرص بعض منظمات المقاومة وبشكل خاص (فتح) ــ على ادانه ما أسمته (الحل السياسي) , ربما لانهاء استهجان مرقص واضرابه. بيد أن الذين اكتفوا بالكفاح المسلح, واداروا الظهر لبقية اشكال الكفاح, بعد ان استصغروا شأنها, انقلبوا ــ فجأة ــ ليدينوا الكفاح المسلح, ويصموه بالارهاب, وليعلنوا توبتهم عنه, ونبذهم له, ومع كل اشكال الكفاح,. مكتفين بالتحرك الدبلوماسي, بعد ان حرموه من الدعم العسكري الضروري لتعزيز موقف المفاوض الفلسطيني, وتقوية اوراقه. من العثمانيين الى الانجليز اختبر الشعب الفلسطيني, في كفاحه الحديث والمعاصر, شتى أشكال الكفاح, بما يجعل منه حالة نموذجية للدراسة. فقد شهدت عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر هبات فلاحية عدة, فيما أخذت الجمعيات السرية المناهضة لعسف العثمانيين تنتشر في البلاد, وتغمرها بالمنشورات السرية. الى ذلك, حين اثار الاستيطان الصهيوني مخاوف الشعب الفلسطيني, بادر الى شن هجمات مسلحة ضد المستوطنات, منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي, كما عمد الى ارسال مذكرات الاحتجاج الى الباب العالي, في استانبول, فضلا عن توزيعه المنشورات ونشره المقالات والكتب, والقاء نوابه الخطب التحذيرية من فوق منبر (المبعوثات) . ما ان تخلصت فلسطين من العثمانيين, حتى رزئت بمن هو ادهى وأمر: الاستعمار البريطاني, الذي حل بالبلاد (1918), حتى يهيئها للمشروع الصهيوني, فيما فرضت القيادة التقليدية على الحركة الوطنية الفلسطينية اشكال كفاح متواضعة, لاترتقي الى مستوى المواجهة, فلم تتعد مجرد المذكرة والمؤتمر, والوفد, الذي يستجدي حلا من عدونا الاول: الاستعمار البريطاني, والاحتكام اليه في أمر صراعنا مع عدونا الصهيوني المباشر. الى ان كانت هبة البراق, صيف 1929, التي أكدت مدى عقم تلك الاشكال الكفاحية, فمهدت لاساليب كفاح مجدية, توجت بثورة 1936 الوطنية المسلحة, التي دامت ثلاث سنوات متصلة, تخللها اطول اضراب سياسي في التاريخ حيث امتد لزهاء ستة اشهر متصلة (20/4 ـ 13/10/1936). وكانت حركة القسام المسلحة (19/11/1935) (البروفة) الأخيرة لهذه الثورة, التي اندلعت بعد خمسة أشهر من تلك (البروفة) . لكن الثورة ــ كما هو معروف ــ أخفقت في تحقيق أهدافها, في وقف الهجرة اليهودية الى فلسطين, وفي منع انتقال الاراضي الى الصهاينة, وفي انتزاع الاستقلال الوطني. مع اخفاق الثورة, قنطت قطاعات فلسطينية من جدوى مواجهة الاستعمار, وتبلور تيار يطالب بالتفاهم مع هذا الاستعمار, والعمل على تخليص الرأي العام البريطاني والامريكي من براثن الدعاية الصهيونية الخبيثة! وتسارعت عملية فرز الاوراق في القضية الفلسطينية, منذ وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها (1939 ــ 1945) ثم كان صدور قرار تقسيم فلسطين, عن الجمعية العمومية للامم المتحدة (29/11/1947), فالنكبة, التي قوضت البنى الاقتصادية, والاجتماعية, والسياسية, والثقافية, والنقابية الفلسطينية, فاستعصت المقاومة المنظمة, وزاد القمع الذي مارسته (دول الطوق) الأمر سوءاً, واستمرت الاعمال المسلحة الفردية الفلسطينية, ضد الكيان الصهيوني, فتأخر ظهور المقاومة الفلسطينية المنظمة, زهاء عقد ونصف, بعد أن تعافى الاقتصاد الفلسطيني, الى حد كبير, وبعد حدوث شرخ في جدار المنع الرسمي العربي, هنا أطل برأسه شعار: (الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطيني) ! نهوض المقاومة أخلت الحرب النظامية موقعها للحرب الشعبية, تحت ضغط هزيمة 1967 العربية المدوية, لكن ما خفي كان ابعد مايكون عن الحرب الشعبية, بل حفل بالكثير من السلبيات, حتى أفضى الى استنزاف قوى الشعب الفلسطيني, على نحو فاق كل ماهو متوقع, دون نتائج ملموسة, مما سهل على القيادة الفلسطينية المتنفذة أمر ادانته, لاحقا, ونبذه, في جرة قلم, بدءا من خريف 1988, ليتم تزيين اتفاقات الاذعان, والاستسلام لارادة اعداء الامة, واجهاض انتفاضة الحجارة ــ في سياق التنازلات المجانية ــ بعد أن اربكت تلك الانتفاضة العدو الاسرائىلي, في وقت لفظت فيه الاعمال المسلحة انفاسها, مخلفة وراءها جملة لايمكن تقديرها بثمن من الدروس المستفادة. المحددات يستحيل التعامل مع اشكال الكفاح, بالفهلوة, وخفة اليد, أو الانفعال, والنزق, فنحن امام شأن لا مفر من العلم في التعامل معه. وبالاستعراض التاريخي المقتضب لمسار اشكال الكفاح الوطني في فلسطين, يتضح مايلي: ان الامر الأهم ينحصر في اختيار الشكل الكفاحي الملائم, في اللحظة المعنية, ذلك ان الثورة المضادة تعمد على انتقاء اشكال غير ملائمة, بهدف انهاك الشعب, واغتيال قدراته, لاجهاض طموحاته, وتنفيره من الكفاح, وصولا الى تزيين استسلامه لارادة العدو. ان اختيار شكل الكفاح ليس رهنا بمزاج هذا المسؤول أو ذاك, مهما ارتقى موقعه في سدة القيادة السياسية أو العسكرية, فمن العبث الصدور في هذا الاختيار عن رغبة شخصية أو تقدير ذاتي بل ثمة شروط موضوعية لخوض هذا الشكل الكفاحي أو ذاك, فضلا عن ضرورة توفر ضمانات استمراره ونجاحه, ذلك ان اختيار شكل كفاحي بعينه رهن, أولا, بمدى استعداد الشعب لخوضه, وثانيا بملاءمة الشكل لطبيعة المواجهة, وأخيرا بنضج العامل الذاتي, أما ضمانات الاستمرار والنجاح فتنحصر في: الديمقراطية, والحزب المحكم الديناميكي, زي القيادة الجسورة, المتمكنة من نظرية الثورة, والقادرة على اقتراح برنامج سياسي سليم, وممارسة تكتيكات صائبة, ونسج تحالفات صحيحة (محلية واقليمية وعالمية). ان للداخل الحسم في هذه الشروط فيما ليس للخارج إلا الدور المساعد فحسب. هناك فروق جوهرية بين مهادنة العدو وبين مهاودته, حيث قد يحتم الوضع عقد هدنة, تفيدنا في تنظيم صفوفنا وتعزيز خطوطنا الدفاعية وشق صفوف الأعداء, وما إلى ذلك من فوائد, تعمل على تعديل ميزان القوى لصالحنا, بما يؤهلنا لانهاء الهدنة, فيما المهاودة رضوخ لشروط الأعداء. أما الاستفادة من التناقضات في صفوف الأعداء فمطلوبة, لكنها مشروطة أولا بالمامنا الدقيق بطبيعة هذه التناقضات ومدى حدتها, وتعامل أطرافها مع تلك التناقضات, وقدرتها على تهدئتها, ومعالجتها, من عدمه, وثانيا بمدى ارتباط هذه التناقضات بالمواجهة بيننا وبين الأعداء, وثالثا بامتلاكنا قوة يحسب حسابها قادرة على التأثير في تلك التناقضات والاستفادة منها, وفي كل الأحوال لا يجب التعويل تماما على مثل تلك التناقضات مهما بلغت حدتها وأيا كان غباء أطرافها, فالحسم هنا لقوانا الذاتية أساسا. المحاذير ثمة ضرورة قصوى للتمتع بأقصى درجات الحذر, واليقظة والمتابعة الدقيقة لسير المواجهة ومنحنياتها فمواقع أشكال الكفاح عصية على الثبات عند درجة واحدة, وعلى وجه العموم لا يخلو التعامل مع أشكال الكفاح من محاذير في مقدمتها: الحذر من التلاعب بأشكال الكفاح, بحث يتم انتقاء شكل كفاحي لم تنضج الظروف الذاتية والموضوعية لخوضه, اكثر مما عداه من أشكال الكفاح. الحرص على عدم وضع شكل كفاحي في وجه شكل أو عدة أشكال أخرى, فالصحيح ان تتكامل أشكال الكفاح مع بعضها البعض. عدم الحماس السريع والاحباط السريع في التعامل مع أشكال الكفاح, ذلك ان البرجوازية الصغيرة بدافع من نزقتها وترددها, تتحمس سريعا وبشدة لأسلوب كفاحي بعينه, وما ان تخفق حتى تتوهم بأن العيب يكمن في الأسلوب الكفاحي المعني, ما يدفع البرجوازية المعنية إلى الانقلاب على هذا الأسلوب لحساب نقيضه, رافضة دراسة أسباب الاخفاق مصرة على تحميل تلك الأسباب لكل ما عداها هي, وأدائها. هناك المولعون باعتماد شكل كفاحي بعينه, شكلاً رئيسيا أو شكلا أعلى , على نحو سمردي مطلق, بينما لا مفر من تبادل المواقع بين أشكال الكفاح, حيث يتم التقديم والتأخير وفق محددات وضوابط عدة, أولها مسار المواجهة مع الأعداء وحال الوضعين الموضوعي والذاتي, أي ان عملية الاختيار يجب ان تتحلى بأعلى درجات المرونة, شأن بقية الشؤون التكتيكية مقابل الحسم في المسائل ذات الطابع الاستراتيجي. القيادة ــ مطلق قيادة ــ يجب ان ندرك بأن الطريقة التي تتعامل بها مع أشكال الكفاح تنعكس على ما عداها في الميادين المحيطة, فالاكتفاء بأسلوب وحيد في الكفاح يفضي إلى استصغار شأن ما تبقى من أشكال الكفاح, ناهيك عن ادانتها, والتبرؤ منها, في هذا الصدد قدمت القيادة الفلسطينية الكفاح المسلح ردحا من الزمن, فيما عمدت إلى تشويه سمعة غيره من الأشكال الكفاحية, وزعزعت بناها, مثل المؤسسات النقابية من عمالية ومهنية حتى نجحت تلك القيادة المنتفذة في الانتحاء بوظائف تلك المؤسسات, وتحويلها إلى مجرد أبواق لتلك القيادة, التي أدى اكتفاؤها ــ منذ خريف 1982ـ بالتحرك الدبلوماسي وادارتها الظهر للكفاح, بشتى أشكاله إلى الدخول في تراجيديا عبثية, إذ ما من تسوية إلا وتعكس ميزان القوى في ميدان القتال. وهذا السياسي النمساوي الداهية, مترنيخ يؤكد بأنك أعجز من ان تحصل على أرض أبعد من المدى الذي تصل إليه دانة مدفعك, أما القائد الفرنسي الشهير شارل ديجول فيشير الى ان من لا يملك مفتاح الحرب هيهات ان يمتلك مفتاح السلام, مما يضع (اتفاق أوسلو) وما تلاه من اتفاقات, في خانة اتفاقات الاذعان, فهي جميعها استسلام لارادة العدو. وبعد فلعلنا في أمس الحاجة إلى تقليب صفحات اختيارنا لأشكال النضال, على مدى قرن مضى, ما دمنا نتوق إلى تجديد حركتنا الوطنية, بما يضفي اليقين على خطانا في اختيار أكثر الأشكال الكفاحية ملاءمة فضلا عن ضرورة اتقاننا المزج بين أشكال الكفاح على نحو يسهم اسهاما مجديا في التحرير وفلسطين مستقلة ديمقراطية.