الكثير من المؤسسات الدولية القائمة الآن مطلوب مراجعة أدوارها, والعمل على تصحيح مساراتها طبقا لروح النصوص التي قامت عليها, والأهداف التي تم انشاؤها من أجلها, حتى يمكن بالفعل أن يتسق عملها مع الواقع الحقيقي للكثير من الأمم الصغيرة , التي تحولت مع الوقت الى ضحية لتلك المؤسسات, دون أن تجد طريقا للدفاع عن نفسها سوى الصراخ والعويل في وجه تلك المؤسسات, دون إلقاء ولو ببعض اللوم على من يحرك هذه المؤسسات لخدمة أهداف خاصة تتعارض مع الشعارات الكثيرة التي تغطي جدران تلك المؤسسات من الداخل والخارج. من تلك المؤسسات الدولية تلك المؤسسة الجبارة التي يطلقون عليها اسم (صندوق النقد الدولي) , والتي ترفع شعارا براقا يقولون أنه تطبيق حرفي لنص إنشائها كمؤسسة دولية, وتحقيقا للهدف منها, وهو (مساعدة الدول في التنمية وتحقيق الرفاهية لشعوبها) , لكن هذا الشعار اصبح مع مرور الوقت غريبا جدا, ومطلوب رفعه من على الحوائط التي يزينها, على أن يوضع بدلا منه شعار يقول (صندوق النقد مؤسسة استعمارية في خدمة الشركات متعددة الجنسيات والاستعمار الجديد) , أو (صندوق الافلاس العالمي) , خاصة بعد أن اصبح كل إفلاس يقف من ورائه هذا الصندوق ومن يوجه سياساته, صندوق النقد تحول الى قائد غير حكيم لقطار الافلاس العالمي, ويوجهه حيث تريد رؤوس الاموال. هذا الشعار الجديد نتائج خبرة السنوات القليلة الماضية, وله ما يبرره على الأقل في الوقت الحالي, الذي اصبحت فيه انباء الانهيارات الاقتصادية, وإفلاس دول ذات شأن من المسائل اليومية العادية, ويتم التعامل معها إعلاميا وكأن الأمر يتعلق بانهيار شركة لبيع الصابون, أو بإفلاس رجل أعمال يملك بضعة آلاف من الدولارات يضارب بها في بورصة الاوراق المالية, وهو مشهد لم يعد له أهميته لتكراره اليومي. قام صندوق النقد الدولي منذ منتصف عام 1997 بقيادة خمس عمليات انقاذ كبرى, وكانت النتيجة طبقا لرأي كبار المحللين الاقتصاديين خمسة انهيارات اقتصادية كبرى> كان آخرها في البرازيل التي تعتبر قوة اقتصادية عالمية, نظرا لحجم اقتصادها وتأثير سوقها الداخلي. هذه العملية الأخيرة التي بدأت مع الانتخابات الرئاسية التي ثبتت الرئيس انريكي كاردوسو على كرسي الرئاسة لفترة ثانية انتهت قبل ايام بأكبر كارثة تحل بهذه الدولة الغنية بثرواتها الطبيعية, والمكبلة بأكبر ديون خارجية يمكن تخيلها في العالم كله, ويمكن لهذا الانهيار أن يمتد خلال الاشهر المقبلة الى باقي دول امريكا اللاتينية, ويحول دون تحقيقها اي تقدم اقتصادي حقيقي, بل ربما يدفع بها للارتماء في أحضان صندوق النقد الدولي لتتذوق طعم مساعداته وقروضه المريرة. لكن صندوق النقد الدولي ــ طبقا لآراء الكثير من المحللين ــ ليس مسؤولا وحده عن تلك الانهيارات,ولكن شريكه في هذا وزارة الخزانة الامريكية والحكومات التي قبلت شروطه ايضا, لأن جميعهم يعملون لصالح المؤسسات المالية التي تتخذ من شارع وول ستريت في واشنطن مقرا رئيسيا لها. بمعنى أصح ان سياسة الانقاذ التي يتفاخر بها صندوق النقد الدولي ليست في خدمة الدول التي تطلب عونه, بل سياساته في خدمة المؤسسات المالية التي تمتلك اموالا داخل تلك الدول لحظة حدوث الانهيار الاقتصادي. عادة ما تكون مدة القروض العاجلة التي يقدمها الصندوق 90 يوما, خلال هذه الفترة المحدودة تقوم المؤسسات المالية الاجنبية بسحب اموالها المستثمرة في تلك الدول من خلال إجبارها على بيع الدولارات طبقا للسعر الرسمي, وتهرب بأموالها بعد أن تكون تلك المؤسسات قد حصلت على أعلى ارباح ممكنة. البرازيل تعتبر نموذجا حيا على فساد سياسة من يعمل من خلال صندوق النقد الدولي ومن يوجهونه, لان الاقتصاد البرازيلي كانت بادية عليه علامات الانهيار منذ عام 1994, عندما كانت معدلات التضخم تصل الى 2000 في المائة, وهو أمر سهل دخول رؤوس الاموال الاجنبية لكنه في الوقت نفسه (خنق) الصادرات إلى الخارج, وللابقاء على رؤوس الاموال الاجنبية حصلت البرازيل على عدة قروض عاجلة لدعم عملتها المنهارة (الريال) , وتم رفع اسعار الفائدة لتصل الى ارقام خيالية يصبح معها من المستحيل على الدولة ان تتخلص من ديونها الخارجية, خاصة بعد ان وصل سعر الفائدة الى حوالي 50 في المائة. مع القروض الاولى تمت عملية تعويم الاقتصاد البرازيلي بشكل اصطناعي, وانخفضت معدلات التضخم ولكن بقيت عمليات التصدير على حالها نظرا لعدم قدرتها على المنافسة في الاسواق الخارجية, لان التضخم خلال السنوات السابقة ادى الى زيادة كبيرة في تكلفة الانتاج في الوقت الذي بقيت عليه الاسعار على حالها, واصبح من المحتم على البرازيل ان تترك عملتها حرة في مواجهة الدولار, وهذا بالتالي يدفع بها الى الانخفاض السريع مما يعرض رؤوس الاموال الاجنبية للخسارة. ثم كان الانهيار الكبير في جنوب شرق اسيا الذي زاد من رعب رؤوس الاموال الاجنبية في البرازيل, هذا الانهيار الذي ادى بالفعل الى وقوع الاقتصاد البرازيلي فريسة لركود كبير, امتد طوال عام 1998. عندما بدأت علامات الانهيار على اقتصاد البرازيل قامت المؤسسات المالية في وول ستريت بالضغط على وزارة الخزانة الامريكية التي وجهت بدورها دفة صندوق النقد الدولي لاقناع الحكومة البرازيلية بطلب قروض عاجلة قصيرة الاجل تمكن اقتصادها من تهدئة الاوضاع من خلال الدفاع عن العملة المحلية التي انهارت في مواجهة الدولار. تحت ضغوط المؤسسات المالية ووزارة الخزانة الامريكية طلبت البرازيل قروضا عاجلة من (صندوق النقد الدولي) , الذي قرر تقديم قرض عاجل بقيمة 41مليار دولار امريكي, لكن الهدف الخفي الذي كان يسعى اليه صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الامريكية ضمان انسحاب رؤوس الاموال الاجنبية بأكبر قدر ممكن من المكاسب, وهو امر يقول الخبراء ان حكومة البرازيل ما كان يمكنها اللجوء اليه. بل كان من الأفضل ان تقوم البرازيل خلال تلك الفترة خفض اسعار الفائدة بشكل متدرج, وترك عملتها حرة في مواجهة الدولار حتى تحصل على قيمتها الحقيقية, لكن صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الامريكية بدلا من تقديم المشورة الصحيحة لانقاذ البلاد من الانهيار, قدما للحكومة البرازيلية حبل الاعدام الذي يقضي تماما على آلام الاقتصاد المريض الى الابد, دون التفكير ولو للحظة واحدة في شعب تلك البلاد, الذي سيظل يعاني عقودا طويلة من التأثير المدمر لتلك القروض. القرض العاجل الذي قدمه صندوق النقد الدولي الى الحكومة البرازيلية بقيمة 41 مليار دولار, لم يدخل الخزانة البرازيلية, بل تم دفعه الى المؤسسات المصرفية لتهرب بأموالها بعد ان حققت ارباحا خيالية خلال فترة كانت فيها اسعار الفائدة تفوق 50 في المائة. ولدفع ارباح تلك القروض لصندوق النقد الدولي اضطرت الحكومة البرازيلية الى تحميلها على دافع الضرائب الذي اصبح عليه ان يدفع ضرائب اعلى, اضافة الى خفض الميزانيات الموجهة للخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم ومواصلات. من خلال آخر التجارب الفاشلة لصندوق النقد الدولي في البرازيل, يمكن تبين حقيقة سياساته الموجهة في التعامل مع دول العالم المتخلف, (روشتة) صندوق النقد الدولي ليست سوى شهادات بالاعدام, ومسكناته ليست سوى دواء للاسراع بالموت. لا امل سوى بالعودة الى تلك الشعارات الكاذبة وازالتها من على حوائط صندوق النقد الدولي, او بالمواجهة مع من يخدم اغراضهم, من خلال البحث عن مؤسسة جديدة بديلة تعمل حقيقة على تحقيق تلك الشعارات, التي كانت الهدف من انشاء هذه المؤسسة الاقتصادية. كاتب مصري مقيم في اسبانيا