هل ثورة المعلومات نعمة ام نقمة؟ وهل ستساعد في التخفيف من مشكلاتنا ام تزيدها سوءا؟ والاجابة تأتي على لسان فريقين لكل منهما رؤى متباينة حول الاثار السلبية والايجابية لثورة المعلومات . وبداية يبدو الحديث عن مخاطر تكنولوجيا المعلومات خروجا عن سنة الاعجاب السائدة بتقنياتها ومزاياها, بيد انه مع الاقتناع بالفوائد الجمة لها, فإنها لم تؤد الى تحقيق نوعية جيدة من الحياة للبشر, فهي تسرع من خطى الحياة بشكل يجعل المرء يلهث وراءها, بدون جدوى حقيقية, وتفرز ثقافة اقرب للترفيه والاستغلال التجاري منها الى ثقافة المعلومات المفيدة التي تقود حركة المجتمع والافراد, وهي تحشي رؤوس البشر بمعلومات كثيرة تنتج تخمة معرفية ومعلوماتية, فقد قدرت موسوعة المستقبل ان المعلومات العلمية المتاحة للبشر تتضاعف كل 12 سنة, وان المعلومات العامة تتضاعف كل سنتين ونصف, وهو مايعني وجود تراكم معلوماتي ومعرفي, يفرز ضغوطا نفسية وعصبية, مما يقلل في المقابل من الانتاجية في العمل ومن التركيز في اماكن الدراسة والبحث, كما قللت هذه التخمة من القيمة الذاتية للمعلومة, ومن استخدام الحاسة النقدية والتحليلية وادت الى تراجع في (كم وكيف) التفكير المستقبلي حيث قللت هذه الثورة من اثارة المستقبل وعجائبه, وجعلت من الصعوبة التنبؤ بصور المستقبل او التفكير فيه بطريقة منظمة. ويضيف الفريق الذي يؤكد على الجانب السلبي لثورة المعلومات انه لم تصاحبها مساواة اجتماعية ومعرفية بين الدول بل خلقت فجوة معرفية بين الدول وبين الفئات الاجتماعية حتى قيل ان العالم مهدد بنوع من الابرتهايد المعلوماتي, فهناك المنتفعون بقوة المعلومات وهناك الاميون في هذا المجال المعرضون للتهميش بسبب عدم توافر البنية التحتية اللازمة لالحاقهم بهذه الثورة, ومع انتشار ما يسمى بالواقع الافتراضي اي واقع هو من صنع الخيال ولا اساس لوجوده في الواقع الحقيقي, فبوسع المنتفعين بهذه الثورة ان يتلاعبوا مع الصور, وبالتالي مع الحقائق وان يصطنعوا صورا للواقع لا وجود لها, مما يمكنهم من التلاعب بمقدرات عالم المهمشين وهذا امر من شأنه الاساءة اخلاقيا وادبيا وحضاريا الى المنتفعين بهذه الثورة. ويرصد هذا الفريق جوانب اخرى سلبية في ثورة المعلومات تتمثل في اتهامها بأنها قضت على خصوصية الافراد وحقهم في الحفاظ على حرماتهم واسرارهم الخاصة, فقواعد المعلومات المرتبطة ببعضها والتي تحتوي على اسماء الافراد وعناوينهم ووظائفهم بل وحالتهم الاجتماعية والصحية بل ونوعية مشترياتهم ــ عن طريق التزايد في استخدام الكروت الائتمانية والممغنطة وغيرها ــ يهدد مستقبلهم وقد يعرضهم لمخاطر لم تكن في حسبانهم, فمن المتوقع في المستقبل القريب ان تزداد قدرة الآخرين على رصد تحركاتنا, بل ان احدى الشركات الامريكية اعلنت مؤخرا استعدادها لاطلاق قمر اصطناعي للتجسس الشخصي, حيث يمكن للفرد العادي دفع مقابل مالي معين ليرصد تحركات ومواقع شخص اخر وفي الناحية الاخرى تقتحم ثورة المعلومات خصوصية ثقافة المجتمعات وتهدد ذاتيتها الثقافية وهي مشكلة ليس لها حل سوى العمل على التقليل من آثارها. وعلى صعيد علاقة ثورة المعلومات بالسياسة يرى الفريق الذي يؤكد على الجانب السلبي لثورة المعلومات انها لم تحقق شيئا يذكر لدعم الديمقراطية, على الاقل حتى الآن, فبالرغم من الوعود بدعم عمليات المشاركة الجماهيرية من خلال الوسائل الالكترونية التي تحقق الفورية والتفاعلية والحوارية, وما يقال عن الاجتماعات الالكترونية للمدينة او القرية من خلال شبكات الاتصال, فلم يحدث شيئا ذا بال حتى الآن, حتى قيل انه كلما زاد المجتمع تعقيدا, كلما ابتعد الناس اكثر عن السياسة وفضلوا عليها الترفية الالكتروني. ومن ناحية اخرى فإن ما افرزته ثورة المعلومات من سرعة في نشر الاخبار يشكل احد الجوانب السلبية من وجهة نظر الحكومات, فقد ادى التطور الكبير في وسائل الاتصال الى جعل الناس يعرفون الاخبار الجديدة بسرعة شديدة, وخاصة اخبار الازمات الخطيرة او الموضوعات ذات الحساسية, ويؤدي ذلك الى ممارسة ضغوط على الحكومة من اجل سرعة حل هذه الازمات في حين يحتاج المسؤولون الحكوميون الى وقت كاف لدراسة هذه المشكلات, ووضع البدائل والتخطيط. كما تمثل ثورة المعلومات تهديدا للامن القومي للمجتمعات, فمثلما نستطيع ان نشن حروبا معلوماتية وحملات دعائية, فإننا في الوقت نفسه عرضة لمثل هذه النوعية من الحروب والارهاب المعلوماتي, بفعل السموات المعرفية والمعلوماتية المفتوحة, والعولمة التلفزيونية. فقد اصبح العالم قرية صغيرة تكاد معلوماتها تكون على المشاع ما لم تتوافر امكانيات فاعلة لصيانتها من الاختراق. كما ان لتكنولوجيا المعلومات وجها خطيرا في عالم التجسس. فبعد انتهاء الحرب الباردة وتغير اساليب الصراع الدولي, وغلبة الصراع التكنولوجي والتجاري والاقتصادي على الصراع العسكري تغيرت اولويات التجسس بين الدول فتنازل التجسس العسكري والسياسي عن عرش الاولوية, وحل محله التجسس التكنولوجي والتجاري, وظهرت صور اخرى للتجسس, كما اصبح بمقدور هواة او مبتدئين, اختراق برامج وفك شفرات والاستحواذ على معلومات سرية, كما اثبتت الاقمار الصناعية فاعليتها في التجسس الفضائي لجمع المعلومات العسكرية والتكنولوجية والتجارية, حتى اصبحت اقمار التجسس منافسة لطائرات التجسس العسكرية في دقة التصوير ووضوح الصور, واصبح تسويق هذه الاقمار تجاريا على مدى واسع امرا واقعا ومرشحا للتزايد خلال السنوات القليلة المقبلة. اما عن تأثير ثورة المعلومات على النظام والقانون, فقد آتت بآثار سيئة, فجرائم الكمبيوتر تلحق خسائر فادحة بأصحاب الاعمال والحكومة, كما زادت ظاهرة التجسس التجاري والاقتصادي بين الشركات والدول, ومع زيادة المنافسة العالمية ستزداد دوافع التجسس التجاري حدة بعد بدء تنفيذ الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (الجات) واكتمال آليات تنفيذية بالنسبة للدول النامية بحلول عام 2002 ومن ناحية اخرى زادت وضعية قضية حقوق النشر سوءا, فقد اتاحت الاقمار الصناعية ونظم الكابل امكانية التقاط برامج التلفزيون من محطات اخرى تبعد آلاف الاميال, وتسجيل هذه البرامج وبيعها بدون موافقة, كذلك انتشرت آلات التصوير التي تطبع آلاف النسخ من الكتب بدون الحصول على موافقة المؤلف او الناشر على حقوق النشر, وينطبق الشيء نفسه على برامج الراديو والتلفزيون وافلام السينما مما يهدد نظام حق النشر, وحماية المؤلفين. (لثورة المعلومات ايجابيات عديدة) ولكن هل ثورة المعلومات ذات سلبيات فقط؟ الاجابة بالقطع لا, فنحن الآن نتمتع بانجازاتها في مجالات عديدة, في التعليم, الطب, الاتصالات, الفضاء, الاعلام, الترفيه... الخ ويقول المناصرون لها انها ادت الى اختزال المسافات وساعدت في تحرير الانسان من قيود حجمه وايقاع زمنه وانها مفيدة للبيئة, فالاقمار الصناعية وخرائطها مثلا تساعد في التنقيب عن الثروات المعدنية وتحديد حالة واتجاهات الطقس, مما يفيد في جدولة عمليات الطيران والسياحة, كما تفيد في مجال الزراعة, وفي تحديد حالة المحاصيل والتنبؤ بانتاجية الاراضي المزروعة وتقدير حجم المعروض من المحاصيل, مما يفيد بالتالي في قرارات التسعير والتسويق عموما, كما تفيد هذه الاقمار الصناعية في اغراض المساحة المدنية والعسكرية وتخطيط المدن والمناطق السياحية, ومن ناحية اخرى فقد افرزت تكنولوجيا معلومات الانتاج فيضا من تصميمات المصانع والسلع والعمليات الانتاجية الاكثر رشاقة وكفاءة, كما استخدمت تكنولوجيا معلومات التسويق, طرق البيع الالكتروني للسلع والخدمات, مما غير وسيغير شكل واداء المتاجر الحديثة, وسيخفض تكلفة التسويق. ويضيف المدافعون عن فوائد ثورة المعلومات بإن المجتمعات الصناعية نجحت في تسخير التكنولوجيا لخدمة مجتمعاتها كما منحت القوة والمكانة لاناس عديدين, وحققت فوائد كثيرة للجمهور ــ فلم يعدوا متلقين سلبيين, حيث اصبح لهم دور ايجابي ومؤثر من خلال عمليات الانتقاء والاختيار والتي تمكنهم من التكيف مع انفجار المعلومات والسيطرة عليه كما وكيفا. ويتوقع هؤلاء ان تلعب المعلومات دورا مهما في تاريخ العالم مثلما لعبت قوة العمل والحجر والبرونز والارض والمعادن والطاقة ويرون انه لكي نواجه المستقبل لا يمكن ان نظل نستخدم المفاهيم نفسها التي كنا نستخدمها في المجتمع الصناعي, وان المعلومات تعد موردا فريدا في حد ذاتها, فهي تتسع وتتزايد بكثرة استخدامها, كما انها لا تنضب, وهي اقل جوعا وتعطشا من الموارد الاخرى, وهي قابلة للنقل والتسرب والتشارك, وكلما زادت تقنية المعلومات كلما قلت الحاجة للطاقة والمواد الخام, فالمعلومات تستطيع ان تحل محل العمل ورأس المال. واخيرا فاذا اتفقنا ان لثورة المعلومات ايجابيات وسلبيات, فقد يظل يوجد خلاف بيننا حول الحجم النسبي لكل من الايجابيات والسلبيات وايهما يفوق الآخر, مع الاخذ في الاعتبار عامل الوقت ــ الآن وفي المستقبل ــ في تقدير قيمة هذا الحجم النسبي لكليهما, ولكن يظل مطلوبا ايضا اجراء تحليل نقدي عميق لآثار ثورة المعلومات من اجل مستقبل أفضل.