كلما حل يوم الثامن من فبراير من كل سنة, يقف أبناء المغرب العربي الكبير اجلالا لاحياء ذكرى ساقية سيدي يوسف. وهو اليوم الذي دكت خلاله - عام 1958 - طائرات الاستعمار قرية هادئة آمنة تقع على الحدود بين تونس والجزائر ولهذا العدوان قصة وعبرة إلى يومنا العربي هذا حتى نستعين ببعض ماضينا لانارة حاضرنا واستشراف مستقبلنا, فلعل كلمة الإمام علي كرم الله وجهه تنفعنا حين قال: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار . مر الآن واحد وأربعون عاما على تدمير ساقية سيدي يوسف بقنابل النابلم, وقد استشهد فيها مئات من تلاميذ مدرستها وأولياؤهم المتجولون في سوق القرية الاسبوعي. وقد قام الاستعمار بقصف القرية لمعاقبة الشعب التونسي على الدعم الأخوي الطبيعي الذي يقدمه لأبطال جيش التحرير الجزائري... وكانت المعارك الدائرة بين المستعمرين وأبناء الجزيرة وتونس في تلك القرية وحوالي (خط موريس) معارك مشهورة تناقلتها الذاكرة المغاربية إلى اليوم وكان من بين أبطالها رئيس الجمهورية التونسية زين العابدين بن علي حين كان ضابطا شابا من ضباط الجيش التونسي عام 1958 في مرحلة حرب التحرير الجزائرية التي دامت من 1955 إلى تاريخ استقلال الجزائر عام 1962. وكان الجيش الفرنسي في الجزائر تحت قيادة أحد الجنرالات المتطرفين وهو (سالان) الذي بلغ حد التمرد واعلان العصيان على الدولة الفرنسية المركزية عام 1961 حين كان الجنرال شارل ديجول رئيسا للجمهورية الفرنسية. ولكن لنعد إلى عام 1958 وإلى الثامن من فبراير بالذات, حين كانت ثورة التحرير الجزائرية على أشدها وكانت تونس مستقلة رسميا لكن في الواقع كان الاستعمار يحتفظ بقاعدة بنزرت البحرية وببعض التحصينات في الجنوب التونسي وكان يراقب مناطق الحدود بعين الجنرال جيل الذي كان قائدا لمنطقة قسنطينه العسكرية. وكان الشعب التونسي يعتبر ان مساندة الثورة الجزائرية ودعمها ومؤازرتها أمر مفروغ منه وغير قابل حتى لمجرد النقاش. فقد سالت دماء التونسيين والجزائريين والليبيين في نفس المعارك في أحيان كثيرة... وكان المغرب العربي مثلا أعلى مكتوبا بالدم قبل أن يكتب بالحبر على الوثائق ولم يكن هنا أي فرق في حدودنا بين القبائل والعشائر فأولادنا جميعا يرتادون نفس المدارس دون معرفة على أي أرض تقع ونحن كنا نتسوق في نفس الأسواق دون تحديد جنسية البائع والتاجر من سوق الخميس إلى سوق الأربعاء إلى سوق أهراس. ونحن حين نذكر ساقية سيدي يوسف في ذكراها الحادية والأربعين فللتأكيد على ان تلك الحادثة عصفت بالجمهورية الرابعة الفرنسية وجاءت بعد شهور قليلة بالجنرال ديجول إلى سدة الحكم. لقد كان قصف الساقية زلزالا دمر آخر حكومة في الجمهورية الرابعة وفتح الباب واسعا أمام استقلال الجزائر واستكمال استقلال تونس. واستعملت الدولة التونسية آنذاك بذكاء ثنائية الدبلوماسية والكفاح المسلح وكان التنسيق كاملا مع قيادة جبهة التحرير الجزائرية إلى أن أدت مفاوضات مدينة ايفيان إلى استقلال الجزائر بعد نضال طويل ومرير. وإذا قلنا في أول المقال ان تجربة التعاون الأخوي المغاربي مفيدة لحاضر العرب اليوم فلاعتقادنا بأن ما يحدث في فلسطين هو كفاح تحريري ضد استعمار - استيطان - أجنبي احتل أرضا وشرد شعبا واستعبد مقدسات, وحوالي فلسطين نجد جنوبا لبنانيا صامدا أو هضبة جولان محيدة ومحتلة وشعبا مصريا عروبيا وشعبا أردنيا أصيلا. ففلسطين هي بصورة أو بأخرى جزائر الأمس وهي تسند ظهرها وجنبها إلى اخوة عرب ومسلمين ومسيحيين يناصرونها ويذودون عنها... ولا بد من النصر وان طال وان تشعبت سبله وادلهمت شعابه. إن وحدة المغرب العربي الكبير مطلب شعبي مرفوع منذ الدولة الأغلبية والموحدية والحفصية.. إلى اليوم ولا بد أن يضعها قادة المغرب العربي المخلصون نصب أعينهم.. حتى لا يكون دم شهداء الساقية يوم الثامن من فبراير 58 وشهداء آلاف القرى والمدن التونسية والجزائرية والمغربية والليبية والموريتانية... دما نزف وسال سدى وهدرا. ويمكن اعتبار قرية الساقية أما أو جدة لقرية قانا اللبنانية, حيث كانت المجزرة بنفس الفظاعة, لكن قصف الساقية وقع توظيفه لاذكاء الروح الوطنية في المغرب العربي من جهة وللمزيد من تنسيق جهود الحركات التحريرية الوطنية هناك ولاحراج قوى الاستعمار إلى درجة اجبار الحكومة الفرنسية على التراجع والاستقالة بل وغرقت الجمهورية الفرنسية الرابعة لتحل محلها الجمهورية الخامسة برئاسة شارل ديجول.. وهي الجمهورية التي اختارت أخف الضررين... أي التفاوض والجلاء عن المغرب العربي. ذلك كان رمز الساقية وتلك كانت عبرتها. * أستاذ بقسم الاعلام - جامعة قطر