باق من الزمن على أولى سنوات القرن المقبل فترة لا تزيد على 22 شهرا وبضعة أيام, أصبح من واجب سكان كوكبنا الأرضي, ومنهم طبعا أهل عالمنا العربي ان يوطنوا أنفسهم لا من أجل التهيؤ مع ظروف ومقتضيات القرن الوشيك أو الحالّ (بتشديد اللام) ولكن من أجل التكيف مع تلك الظروف والمقتضيات . ونظن ان أهم عوامل ودواعي هذا التكيف ستكون في مجال السلوكيات البشرية والأوضاع والأنماط الفكرية والثقافية, وتلك عوامل هي من الأهمية والصعوبة بمكان, فما أسهل ان يتكيف الإنسان مع الأوضاع والطروحات المادية وما اشق ان يتكيف مع الأنماط المعرفية المستجدة أو مع المفردات السلوكية أو الأنماط الثقافية المتغيرة. دافوس والعولمة والحاصل ان علماء المستقبليات ينبهون إلى ان السلوك والنشاط البشري ـ كما عهدناه وخبرناه ـ سوف يكتسب مع حلول القرن الحادي والعشرين طابعا أشمل عن ذي قبل ينطوي على قدر أكبر من صفة (العولمة) وهو التعبير الذي أصبح أثيرا ومأثورا في أدبيات هذه الأيام. وقد كان كما هو معروف محور المناقشات المستفيضة التي شهدها منتدى دافوس الشهير (المعقود في سويسرا عند مطالع فبراير الحالي), وما عليك إلا ان تتأمل ما بلغته وسائل وسبل وتقنيات الاتصال في زماننا الراهن كي تدرك بيقين حقيقة انهيار وتلاشي الحواجز التقليدية التي طالما كانت تحول في العهود والقرون التي سبقت بين التواصل المستمر بين البشر, لا على صعيد البلدان أو المناطق بل على صعيد القارات في اركان المعمورة والناس لا يتواصلون لمجرد الثرثرة أو املاء الفراغ أو حتى ممارسة النميمة (بعضهم يفعل ذلك باستخدام الهواتف الخليوية العابرة للقارات!) ولكن الناس يتواصلون في نسبتهم العظمى وفي الغالب الأعم من أجل ان يعملوا معا, ويتشاركوا في اتخاذ القرارات في مجالات السياسة والاقتصاد وفي دنيا التجارة والأعمال, وكم من مؤسسات تنشأ وتتشكل وتتطور وتنشط من خلال هذه العمليات الاتصالية العابرة للمحيطات وكم من مجاميع تمارس أنشطتها عبر شبكات الاتصال ــ أو هو التواصل الفضائية باستخدام الحواسيب الالكترونية, ولقد نذكر كيف كان الضيف يسأل في الماضي عن عنوان سيادتك وقد يتزيّد فيطلب منك بطاقة التعريف الشخصية (الكارت كما يقول المصريون) وقد يمعن في مضمار التطور فيسأل عن الفاكس, فضلا عن الهاتف الشخصي. اليوم تغير الحال وأصبح الفاكس من مخلفات الماضي (والماضي هنا لا يعدو عقد الثمانينات الغابر كما قد نسميه) الناس تسأل الآن عن رمز البريد الالكتروني (إي. ميل) وبه يتخاطبون ويتحاورون عبر شبكة الانترنت الاتصالية العالمية أو الكوكبية, وبه أيضا يتبادلون المعرفة, والسباب والتعارف والغرام وبه كذلك يرتكبون الجرائم التي أصبح اقترافها تحديا جديدا يواجه فقهاء التشريع وعلماء الاجتماع, وقد باتوا مطالبين بالتماس الصيغ القانونية والسوسيولوجية التي تتوافق مع كل هذه المتغيرات. في هذا المجال يقول رئيس الجمعية العالمية للمستقبل, العالم الأمريكي (ادوارد كورنسن) : ـ نحن نتحول إلى حقبة جديدة غير مسبوقة يعمل فيها الأفراد والمنظمات في ظل أوضاع تكاد تتصور ان ليس من حدود قومية ولا حواجز وطنية ولافواصل طبيعية أو جغرافية تفصل بينهم. التجارة الالكترونية يوميا والاستاذ الأمريكي الذي نحيل إليه في هذا المبحث يدلل على ما ذهب إليه من خلال شواهد شتى منها مثلا حقيقة ان اليابانيين والأوربيين يتسوقون (الكترونيا) مع مطلع كل صباح من متجر كبير يقع في مدينة فريبورت في ولاية (مين) الأمريكية وان الرعاة التقليديين في منطقة توفا القصية (النائية) عند الحدود بين روسيا ومنغوليا يعلنون عن تقاليدهم وطقوسهم الغنائية عبر شبكة الانترنت وما كان العالم الخارجي ليسمع بهم أو يستمع إليهم يوما من الأيام بغير هذه الوسيلة التي استجدت على حياة الكوكب مع مغيب هذا القرن العشرين. نحن اذن بازاء ما يمكن ان يوصف مبدئيا أو اجرائيا بأنه (ثقافة العولمة) , قد نرضى بها أو قد نتحفظ عليها من وجهة نظرنا الوطنية والقومية, لكنها تزداد تجليا ورسوخا لا بحكم كونها أمرا مؤثرا في ثقافة الناس أو في اتجاهاتهم المعرفية بل لأنها تترسخ وتتعمق بفضل اتصالها بالأوضاع المادية في حياة الناس وخاصة في مجالات الاقتصاد والتجارة وكل ما يتصل بسبل المعيشة وما يتصل بها من كسب أو صناعة أو خدمات على اختلاف الأنواع. نعم, عولمة الانتاج الاقتصادي تزداد ترسخا لتصبح احدى حقائق الحياة مع أوائل القرن الوشيك وهي تصبح كذلك, لا بفضل الايمان النبيل مثلا بالنزعة العالمية أو من منطلق التعاون أو التعايش البنَّاء بين البشر وتلك مبادئ ودعوات يمكن ان تصلح للتغني بها في قصائد ومعزوفات. المسألة على خلاف ذلك تماما. وفتش عن التماس الخامات المتاحة وأجور العمالة الرخيصة, وظروف التحايل على الأحوال البيئية, واستهداف تعظيم الأرباح وتضئيل الخسائر وتحجيم الفواقد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا, هكذا بتنا نشهد قطعة غيار حديدية تصنع في ماليزيا لكن يتم تصميمها وتفصيلها ليتم تركيبها في قطعة أخرى مصنوعة في تايلاند حيث يستخدم المركب الجديد لربط قطع غيار أخرى منتجة في جنوب أفريقيا ويتم بيعها في أسواق شيلي, وبها تكتمل دائرة الانتاج والتسويق بين أقصى الشرق والغرب والجنوب من كوكب الأرض, وهي دائرة تتواصل أطرافها يوميا عبر شبكات الحواسيب الاتصالية الدولية ومن خلال نبضات الكترونية تحقق بدقة الأنامل مرهفة عازفة فوق (الكي بورد) وبعدها تلمع شاشة الحاسوب باستجابة فورية من الطرف الآخر المستهدف وإذ يتواتر الدق ويجري تبادل الاستجابات تكتمل دورة الاتصال, ومن خلال هذه العملية يتسرب إلى اطارنا المعرفي من حيث ندري أو لا ندري عامل التنميط أو التقنين أو هو التوحيد القياسي للمعايير التي نعتمدها في كسبنا الحياتي, وفي سلوكنا اليومي, تأمل مثلا كلمة (ماكدونالد) وسوف تستدعي إلى خاطر جنابك على الفور صورة المطعم إياه.. ألوانه المائلة إلى الصفرة, ولافتاته المضاءة الكترونيا الزي البرتقالي الموحد للعاملين فيه كراسيه الخشبية أو البلاستيكية اللامعة, شكل وطعم المأكول والمشروب الذي يقدمه... إلخ وبعدها لن تتعب خاطرك في تحديد موقع المطعم المذكور فكل ما فيه خاضع للتقنين والتنميط والتوحيد القياسي, كما وصفناه سواء كان ذلك في بودابيست أو بكين أو في باريس أو القاهرة أو بلاد الخليج. لا غرو ان كان السيد ماكدونالد هذا هو من أمضى أسلحة أمريكا في (غزو) الحياة السوفييتية وتوجيه آخر الضربات القاضية إلى الكيان الماموث الديناصوري الذي طالما تحداها إلى حد الخوف بل الذعر الذي كان اسمه يوما الاتحاد السوفييتي ولا نقل هذا من باب الاسترسال في الاستعارة, فالذي حدث ان مطبوعة (واشنطن بوست مجازين) الأسبوعية وهي من أكثر الدوريات السياسية الأمريكية عمقا ورصانة نشرت عند مطالع التسعينات رسما كاريكاتوريا وصفته بأنه أحدث لقطة للمكتب السياسي الحاكم في الاتحاد السوفييتي ( في أيامه الأخيرة) وركز الرسم على الصور التقليدية الثلاث التي ظلت معلقة على جدران القاعات الرسمية المهيبة في الكرملين وهي صورة كل من كارل ماركس وصورة فردريك انجلز (وهما صاحبا النظرية الماركسية) ثم صورة الزعيم المؤسس فلاديمير لينين بيد ان الكاريكاتير الأمريكي نشر صورتي ماركس وانجلز وبعدهما جاءت صورة مطعم ماكدونالد وكتب تحتها: أحدث سورة لزعامات الكرملين في الاتحاد السوفييتي, وكان ذلك صحيحا إلى حد ليس بالهين ولا بالقليل, وفي هذا السياق أيضا أعاد الكاتب المصري الكبير كامل زهيري إلى الأذهان صورة سلعة أمريكية أخرى سبقت إلى حكاية العولمة منذ عدة عقود حين كتب زهيري يوما محذرا من غلبة النفوذ الأمريكي على مقاليد العالم العربي فقال: حتى لا ترتفع أعلام الكوكاكولا على العالم العربي. المنافسة مطلوبة.. كوكبيا من ناحية أخرى, فليس في الأمر شرط مطلق ولا هو يشكل سلبية خالصة وما كان له ان يكون فالمطلق مكانه الدين والسياسة تقوم دوما على مبادئ النسبي والتوافق والملاءمة, ان ترسّخ العولمة ينطوي على تفتح وعي الناس في شرق العالم وغربه على ما يدور على الجوانب الأخرى من الأسوار, لن يستطيع أحد يظل يفرض قيودا من العزلة أو يقيم حواجز من الانفصال بين ما يدور داخل بلاده وما يضطرم ويجيش به صدر العالم الخارجي, لن يكون هناك مثلا هيلا سيلاسي آخر يفرض حاجزا من الصمت الشنيع على أنباء مجاعة ألمت ببلاده ـ اثيوبيا وراح ضحيتها الملايين من التعساء الذين سقطوا في ربقة النظام الاقطاعي ـ الامبراطوري بما ضاق به من سوء الادارة وعسف السلطة وشظف المعيشة إلى حد الجوع والهلاك. سوف تخف تكنولوجيا الاتصال إلى نجدة من يتعرضون إلى مثل هذا الخطر من جديد, تماما كما خفت تكنولوجيا الاتصال إلى الشعب الايراني فقدمت لهم حسب موضة السبعينات من القرن شريط الكاسيت البسيط الزهيد, فكان عونا لهم على الانتفاضة لاسقاط نظام امبراطوري آخر كان حلفاؤه يصورونه بأنه واحة الأمان ومحور الاستقرار في الشرق الأوسط وكم كانوا في ذلك واهمين. ولن يقتصر تفتح الوعي على مجالات السياسة بل هو يمتد بداهة إلى مجالات التبادل التجاري والأنشطة المالية والاقتصادية ان المقاييس العالمية المطلوبة لارضاء اذواق المستهلكين كفيلة برفع مستوى الانتاج حيث التسابق والتنافس لن يكون محليا ولا حتى اقليميا بل كوكبيا ان جاز التعبير, صحيح ان كل سلعة سوف تتطلب لمسات تضفى عليها كي تتواءم والطابع المحلي أو تتوافق مع الأذواق والمشارب والأعراف الوطنية والدينية التوجه السائد في هذا الجزء من العالم أو ذاك, لكن الصحيح أيضا أن اللمسات الخاصة أو المتميزة ستكون اضافات لا تمس الجوهر ولا تنال من الأساس. جدل الكوكبية لكن هذه الظاهرة الكوكبية لها أيضا جدلياتها.. انها سوف تنطوي على أضرار وتنذر بسلبيات بقدر ما انها تبشر بايجابيات ونجاحات: كيف لا, وهي تهدد الطابع المحلي واللغات الوطنية والأعراف القومية بأن تحلها في المرتبة الثانية أو الثالثة وربما الأخيرة ان اهتمامات الناس لحساب طابع العولمة ومقتضيات الكوكبة أو الكونية أو اختر ما شئت من مسميات, ثم ان مثل هذا الخطر يزداد استفحالا في بلاد العالم الثالث ذات البنية الهشة المعرضة للأنواء والضغوط والغواية والتهديدات, ولو أصغيت قليلا إلى مجموعة شباب بريء غض العود وهم يتبادلون أحاديث الكمبيوتر أو شواغل الانترنت, فلن تسمع لغة بعينها, لا قومية (عربية مثلا) ولا حتى أجنبية, سوف تسمع ما يكاد يكون رطانة جديدة هي مزيج من مصطلحات الحاسوب العزيز, وهي بدورها مشتقة ومنحوتة من تعابير انجليزية ـ أمريكية بالذات دارجة وأحيانا سوقية ولكنها تفي بالغرض وتحقق المراد, هاهم يكادون يتكلمون (لغة حاسوبية) لم تعرفها ألسنة البشر من قبل, وهم يمضون الساعات الطوال في صمت غريب وفي وحدة مفروضة حيث تنحصر دائرة الاتصال بين الواحد منهم وبين الشاشة الزرقاء المضاءة أمام عينيه, انهم يتواصلون ولا يتكلمون, أين الآن دور اللغة الأم أو اللسان القومي؟ في هذا المجال نعود إلى الباحث الأمريكي كورنسن الذي يقول: ــ في غضون القرن المقبل نتوقع ان تزول لغات واللهجات التي يخاطب بها سكان كوكبنا بنسبة 90 في المائة (!) لحساب اللغة الانجليزية التي سوف يتوسع استخدامها باستمرار وخاصة على مستوى الأجيال الجديدة إلى حيث تصبح الانجليزية بمثابة اللغة الوطنية ــ المحلية ــ الأم لمعظم البشر حول العالم.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. * كاتب مصري