أكثر من توجه, وأكثر من قناعة لم يستطع الغرب وأمريكا أن يغفرها للزعيم الراحل جمال عبدالناصر, و لذلك فقد كان ولا يزال النكهة القيادية غير المستساغة من منظورهم, ويكفيه اتهاماً ــ من وجهة نظرهم ــ أن عبدالناصر قد قرر أن يجمع الشتات العربي ويعيد صياغته بلون قومي لم يرق اطلاقا للذائقة الغربية الباردة, كما شرع بالفعل في أن يوطد للعرب قاعدة صناعية صلبة كانت بدايتها السد العالي! وكلنا يعلم كيف قامت القيامة على ضفاف الأطلسي شرقه وغربه, وكيف تساءل (الأصدقاء) ماذا سيكون آخر هذه القاعدة اذا كان السد العالي أولها؟ فأعلنوا (تضامنهم) ضده وقرروا وضع النهاية لعبد الناصر, فكانت حرب الامتناع عن تمويل مشروع السد, ثم عدوان 56, وفاجعة الهزائم في 1967. اليوم وبعد أن رحل عبدالناصر الرجل الذي أرَّق الغرب كثيراً, ماذا بقي منه؟ اسأل نفسي كثيرا كيف أن دولنا العربية كانت تفاخر بوجود قاعدة صناعية ضخمة لصناعات ضخمة في مصر والجزائر والعراق, وهيئة عربية للتصنيع الحربي وفرص كثيرة لتقدم أكبر ودخول أضخم ومستقبل أجمل, كيف تحولت هذه الدول إلى منظومة ضعيفة, لا تنام الليل خوفاً من شبح العولمة, وشبح اسرائيل, وشبح الفقر بسبب انهيار أسعار النفط وأشباح أخرى كثيرة؟؟ في حقيقتها لاتبدو هذه المفردات مجرد مخاوف وعراقيل نضيع الوقت في الحديث عنها اعلاميا فقط, وهي ليست أشباحا في واقع الأمر, انها تحديات وجود, أكبر من قدرتنا على تخيل مدى شراستها, لكنها في النهاية قادرة على وضعنا في الخانة الأضيق وطرح السؤال الصاعق في وجوهنا: إلى أين؟ سؤال على طريقة: نكون أو لا نكون؟! نبقى أو ننتهي؟! في الجامعة العربية ملف ضخم يحكي (تراث) نصف قرن من الخلافات العربية وهو موضوع الملف المعنون بـ (تنقية الأجواء .. )! في هذا الملف حكايات لا حصر لها لخلافات عربية ــ عربية تمت تسويتها اما في دهاليز المؤتمرات, أو بتصفية الخلافات إعلاميا, أو بتحويلها إلى صياغات سياسية على شكل شكاوى قدمت للجامعة العربية أو محكمة العدل الدولية, أو بتحريك الجيوش على الحدود في بعض الأحيان أو .... في كل الأحوال ظلت هذه الخلافات تستنزف الجهد والمال والوقت العربي, المفترض توظيفه لصالح برامج البناء وخطط التنمية, مما يعني أن هذه الخلافات سحبت أغلب الرصيد حيث أن تكلفتها الاقتصادية كانت باهظة جدا, ونمت على حساب فرص كان مخططا لها أن تواصل رؤى ومنهجية عبد الناصر, لكنها تحولت إلى فرص ضائعة التهمت كل الأرصدة والحسابات التي ما زال بعضها (جاريا) إلى الآن, حتى غدت حساباتنا مكشوفة, وموازناتنا مختلة, وديوننا في تزايد مستمر, والنتيجة معروفة سلفا, لصالح من؟ ومن هو الطرف الخاسر؟ فعلى أي الايقاعات يعزف الزمن العربي الحالي, إذا كانت أغلب معزوفاته السياسية والاقتصادية والصناعية قد تحولت إلى مأزق واختناقات لم تفرز إلا واقعاً صعباً للغاية؟