لم يعد الرهان على المعارضة العراقية في الخارج في الكفة الارجح الان سواء لدى القوى الدولية التي تسعى لاسقاط صدام حسين, او لدى الشعب العراقي الذي علق في يوم ما آمال الخلاص على المعارضة الوطنية المخلصة فالقوى الغربية بزعامة امريكا قد ثبت لها بالتجربة وباهدار ملايين الدولارات ان توحيد قوى المعارضة في اتجاه صف وطني يهدف لاسقاط صدام وايجاد حكومة جديدة لهو ضرب من المحال وهذا ما اثبتته كبريات المؤتمرات التي عقدت للمعارضة في الخارج بدءا من مؤتمر بيروت في مارس عام 91 اثناء تفجر الانتفاضة في شمال وجنوب العراق, والذي اثبت فشله الذريع بغياب المعارضة الوطنية الحقيقية, وهيمنة وجوه اراد لها الغرب ان تتشدق بالكلمات تحت الاضواء انتهاء بمؤتمر لندن في نهاية العام الماضي والذي فشل في توحيد قوى المعارضة في اتجاه وطني يضمن به نظام جديد يخلص الشعب العراقي من نظامه الحالي ويخرج به من عنق المأساة وهذه القوى الغريبة في الواقع اصبحت تستخدم ورقة المعارضة في الخارج لخدمة مصالحها, بل وقد يكون بصورة غير مباشرة لابقاء نظام صدام حسين اطول فترة ممكنة مع التلويح بهذه الورقة في الوقت الذي تراه وتسلط الاضواء عليهم وتحركهم مع اغراقهم بالاموال ثم اخفائهم بعيداعن الاضواء حيناً اخر وقتما اقتضت ضرورة اللعبة. كما فقدت المعارضة العراقية في الخارج مصداقيتها لدى الشعب العراقي الذي يتطلع في كتمان الى لحظة الخلاص من نظامه الحالي, والتنفس بحرية بعيدا عن القهر والكبت وشعارات المنتصر المهزوم, حيث فقد الشعب العراقي ثقته تماما في المعارضة بالخارج بعد ان وصمتها امريكا وبريطانيا بالعمالة والتواطؤ في تقديم معلومات ساهمت في توجيه الضربات العسكرية الاخيرة للعراق فقد شارك اعضاء من المعارضة العراقية بصورة فعلية في سيناريو الضربات العسكرية التي وجهت للعراق على مدى اربعة ايام, وتقاضي هؤلاء المعارضون مقابل ذلك التعاون 97. مليون دولار امريكي لتوحيد صفوف المعارضة, بجانب وعود بتولي مراكز هامة في الحكومة العراقية الجديدة, التي زعمت امريكا انها بصدد تنصيبها على الشعب العراقي بعد اسقاط نظام صدام حسين, وكان في مقدمة هؤلاء المتعاونين مع واشنطن (احمد شلبي) الذي حاول مؤخرا جمع صفوف المعارضة العراقية تحت لواء (اي ان سي) المؤتمر القومي العراقي وفوزي العلي القائد السابق للفرقة العسكرية الثالثة للجيش العراقي ابان الحرب مع ايران وهو الذي هرب من العراق عام 89, وقد شارك (فوزي العلي) وعدد من المعارضين التابعين للمؤتمر القومي العراقي قادة من البنتاجون الامريكي وزارة الدفاع قبل توجيه الضربات الامريكية باكثر من اسبوع في بروفات سيناريو عملية ثعلب الصحراء بجانب مشاركة عدد من الضباط الامريكيين الذين شاركوا في قوات التحالف اثناء تحرير الكويت وقد اشترطت الادارة الامريكية على احمد شلبي ان يعد قوائم للاشخاص الممكن ان يشكلوا حكومة جديدة للعراق او يتعانوا معها ولقد تسببت هذه التصرفات التي اقدمت عليها المعارضة العراقية في احراق ورقتهم الشعبية لدى العراقيين وقد يكون هذا الى حين او الى الابد فلم يشهد تاريخ قوى المعارضة في اية انظمة عربية وصمة عار كالتي صنعتها المعارضة العراقية في الخارج بتواطؤ معظم فصائلها مع امريكا لتسديد الضربة العسكرية الى اهداف حيوية واستراتيجية استهدفت البنية التحتية للقوى الدفاعية للعراق, وكأن هذا الوطن الذي تأمروا على هدم قوته هو وطن اخر وارض اخرى يمكنهم شراء غيره بالدولارات الامريكية التي ملأوا بها جيوبهم وادراج مكاتبهم في ملاجئهم بالخارج سواء الاوروبية والامريكية. لماذا احترقت ورقة المعارضة؟ لم يكن احتراق ورقة المعارضة لدى الشعب العراقي وليد هذا التواطؤ الاخير مع امريكا, بل لاسباب عديدة سابقة, فعقب حرب الخليج, سعت امريكا ومعها حلفاء ضرب العراق في حينه الى تأسيس ماسمي بالمؤتمر الوطني العراقي, والذي ضم 17 تنظيما من مختلف التوجهات السياسية والفكرية منهم اثنان فقط من الكوادر المعارضة بالعراق هما (الناصريون والشيوعيون) ومنحت هذه التنظيمات امولا بلا حدود من قبل الدول الغربية في مقدمتها امريكا وبريطانيا وكانت هذه الدول تعلم مسبقا ان هذه الاموال تذهب الى جيوب الاعضاء ولايتم توجيهها لتنشيط اعمال المعارضة في الداخل وساندتها لان هذه الدول نفسها لم تكن ترغب في اسقاط صدام حسين الا في الوقت الذي تراه ملائما وقد تكشفت حقيقة النوايا مما ادى الى انسحاب العديد من المنظمات من عباءة المؤتمر الوطني العراقي في الوقت الذي باعت فيه عناصر اخرى معارضة 40 طنا من الوثائق العراقية الهامة التي حصلت عليها اثناء انتفاضة عام 91 وهي وثائق تمس امن العراق ومنطقة الخليج ككل بجانب تورط بعض هذه العناصر في تقديم معلومات لاجهزة المخابرات الغربية بل وكشفت علانية عن اسماء معارضين سريين في الداخل الامر الذي ادى الى اعدام المئات من هؤلاء على ايدي صدام حسين وسلطاته. وقد اسهم كل هذا في فقدان المعارضة في الخارج لمصداقيتها وحسن نواياها لدى الشعب العراقي, لانهم اصبحوا العوبة في ايدي القوى الغربية واجهزة استخباراتها ولم تعد اهدافهم خالصة لوجه الوطن والشعب, بل اصبح من الواضح ان همهم هو الوصول الى السلطة على حساب بعضهم البعض وعلى حساب مصلحة العراق الوطنية. المعارضة وتقسيم العراق اثناء وعقب حرب الخليج الثانية, هرب عشرات الآلاف من العراقيين الى البلدان الاوروبية وامريكا توشحت نسبة لا بأس بها منهم برداء المعارضة كغطاء أو مبرر لطلبهم اللجوء الى هذه البلدان الغربية, وهم أبعد ما يكونوا عن السياسة وتفاصيلها, ولا حكام الدور امام السلطات الاوروبية كون هؤلاء تنظيمات باسماء متعددة وجمعيات سياسية ومؤسسات ادعت جميعها انها من المعارضة, حتى بلغ عددها 84 تنظيما تمركز معظمها في بريطانيا ومعظمها غريب عن الواقع العراقي, والعمل الوطني في بلادهم. غير ان هذا لم يمنع بالطبع وجود مئات من اعضاء فصائل المعارضة العراقية, منهم اعضاء الحزب الشيوعي والمنتمين للتيار الاسلامي الشيعي, بالاضافة الى المنشقين عن حزب البعث العراقي نفسه, الذين شعروا في لحظة انهم مجرد أدوات تنفيذ ولا تصنع سياسة أو تشارك فيها, وتعمل تحت رحمة حاشية الديكتاتور التي تتمتع وحدها فقط بكل الصلاحيات دون حدود, ويمكن تصنيف المعارضين الموجودين في الخارج الى فئات: ـ فئة الضباط الذين فروا من الخدمة العسكرية لمعارضتهم النظام الديكتاتوري واعراضهم على دخول صدام الكويت, وشعوره بالانتصار رغم الهزيمة, وهم من الذين شاركوا في المحاولات الانقلابية بعد حرب الخليج, وقتل صدام أكثر من 1200 ضابط منهم. ـ ثم فئة المثقفين والفنانين والكتاب, الذين قصفت اقلامهم وقيدت عقولهم بالاغلال الديكتاتورية. ـ وفئة البعثيين والساسة والدبلوماسيين الذين عملوا مع النظام سنوات طويلة ثم انشقوا عليه بسبب التصدع النفسي الذي حدث للجميع بسبب الهزيمة والحصار.. والمعارضة العراقية اصبحت بعد حرب الخليج قسمان, الاول له امتدادات في الداخل والخارج, والثاني يتواجد في الخارج فقط ومدعوم من دول مختلفة في مقدمتها الان امريكا وبريطانيا, وهو القسم الذي يهمنا في هذا التناول وتعول عليه الروىء الدولية في تخليص العراق من نظامها الحاكم الحالي, والعودة بنظام جديد يغير وجه التاريخ العراقي, ويتضمن هذا القسم الخارجي اربعة تكتلات يمكن ترسيمها على النحو التالي: 1 ـ التيار القومي ويضم حزب البعث (قيادة قطر العراق) والبعثيين الذين انشقوا عن نظام صدام وشكلوا تجمعات مثل: تجمع الوفاق الديمقراطي بالعراق, وحركة الوفاق, وكذلك القوميين والناصريين. 2 ـ التيار الاسلامي ويضم مجموعة من الاحزاب والمنظمات الاسلامية ذات الاتجاه الشيعي. 3 ـ التيار الديمقراطي ويضم الشيوعيين والتجمع والديمقراطي والشخصيات الديمقراطية المستقلة. 4 ـ الحركة القومية الكردية وتضم مجموعة الاحزاب الكردية, ويعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) والشيوعيون والاشتراكيون هم الاحزاب الاساسية في هذا التيار كما يضم ايضا بعض الاحزاب الصغيرة. ولقد كان النظام الحاكم هو المحرك والدافع الاول لهروب تلك العناصر المعارضة لخارج العراق وممارسة عملها السياسي من الخارج, فالاسلوب الديكتاتوري الذي انتهجه صدام حسين, وتجميده نشاط الاحزاب المعارضة, وتصفية خصومه تصفيات جسدية بمعاونة اعضاء حزب البعث, فقد اشرف صدام حسين بنفسه في عام 93, على اعدام 55 شخصا في ليلة واحدة, بينهم المفكر (عبدالكريم هاني) والضابط عبدالرزاق الشيخ, وبعض من عشيرة صدام حسين نفسه بجانب عبثه بتشريع الدستور والديمقراطية, كل هذا افقد تلك العناصر الأمل في الحصول على حد ادنى من الديمقراطية, او حتى السماح لهم باطلاق اصواتهم. ونخلص من كل هذا ان المعارضة في الخارج لايوجد لها حتى الآن حلف استراتيجي, وتحركاتها تتم وفقا للمصالح الغربية, ولن يكون لها دور حقيقي الا اذا اصبحت معارضة وطنية ومستقلة, وان الامل لا يزال يكمن في المعارضة الداخلية, ونركز هنا على المعارضة داخل صفوف الجيش الذي لايزال يملك القوة والسطوة داخل العراق, ويوجد بين صفوفه آلاف الضباط الذين يرفضون النظام الحالي, كما يشعرون بالمهانة امام الهزائم المتتالية في ظل رئيس لايشعر بالهزيمة ويحولها في نظره الى نصر, ويكمن الامل الثاني في العرب, المطالبون ببذل الجهود وممارسة الضغوط لاعادة العراق للصف العربي, وليس الخلافات فيما بينهم على إعادة تأهيل النظام.