لعل أحد أهم مشكلات العرب في أواخر القرن العشرين, يكمن في المقاييس المعتمدة في تقدير التقدم العربي, وهى المقاييس التي يطرحها المجتمع بفئاته المختلفة, والتي لابد وأن تنعكس على مقاييس التقدم التي تعتمدها النخبة العربية الحاكمة, وهى نخبة تأتي من داخل المجتمع ولابد انها متأثرة بما يؤمن به ويعتقد . وتكاد تتفق الفئات الاجتماعية العربية في عموم أقطارها على قول ان الواقع العربي يتقدم للامام, وان التقدم ملموس رغم بعض الملاحظات التي تبديها هذه الفئة أو تلك حيال بعض جوانب الواقع العربي. وإذا توقفنا عند القاعدة الاكبر من المجتمع العربي لاستقراء مقاييس التقدم عندها, يمكن القول ان الفلاحين الذين يشكلون نحو خمسين بالمائة من المجتمع العربي, يعتقدون ان بلادنا العربية تتقدم, ومقاييسهم في ذلك تحسن مستويات حياتهم, حيث ان الطعام صار افضل مما كان قبل عشرين أو ثلاثين عاماً, وان نوعيته قد تحسنت, وقد يضيف الفلاحون الى ذلك قولهم, ان الخدمات الصحية صارت أفضل من قبل بوجود المستوصفات, والاطباء, وبتوفر الادوية, ولابد ان الفلاحين سوف يشيرون الى التقدم الحاصل في موضوع التعليم في توسعه في الريف, وبظهور قدرة لدى عدد اكبر من ابناء الفلاحين على اكمال تعليمهم في المدن وربما في الخارج, الى جانب مؤشرات أخرى. وانتقالا من مقاييس التقدم لدى الفلاحين, يمكن التوقف عند مقاييس التقدم عند ابناء المدينة, والذين بدورهم سوف يلاحظون المقاييس التي عند الفلاحين, ويضيفون اليها مقاييس أخرى من نوع التوسع العمراني الظاهر في المدن العربية, وانتشار الطرق السريعة والعريضة وشبكات الفنادق والمواصلات والاتصالات, والتطور الثقافي والفني المتزايد, وهم لا ينسون في غمرة تعداد تلك الظواهر في مقاييس التقدم العربي الاشارة الى التحسن العام في مستويات الحياة الاستهلاكية ــ التي باتت تشكل عصب الحياة الراهن في ظل قيم ومفاهيم مجتمع الاستهلاك. ويعكس هذا المستوى من مقاييس التقدم العربي نفسه في داخل النخب العربية, فتظهر أوساط واسعة منها احساسها بالرضا عن التقدم العربي الحاصل, ويبلغ رضا النخبويين العرب مداه في صفوف القابعين منهم في سدة السلطة وعلى كراسي الحكم أو المشاركين فيه, إذ ينظرون الى هذا التقدم باعتباره بين منجزاتهم المتحققة, ولعله من الطبيعي جداً أن يسود هكذا تقييم عن مسيرة التقدم العربي بين الحكام والقادة القادمين أصلاً من اوساط المجتمع بفئاته الريفية والمدينية, وان كانت الصفة الأولى ذات غلبة واضحة. وتضيف الفئات الحاكمة العربية الى مقاييس التقدم العربي التي تبسطها الفئات الفلاحية, وتزيد عليها وتطورها الفئات المدينية, مواصفات جديدة تختلط فيها المقاييس السياسية والعقائدية, لتبين ان تقدماً ملموساً قد حدث في الواقع العربي, بل ان الاغلبية من الفئات العربية الحاكمة تصور الدول العربية ــ كل بدولتها ــ على انها بلغت قمة التطور والتقدم, وهى احكام سرعان ما تتهاوى عند أي نظرة سريعة يلقيها محايد أو مدقق في الواقع العربي بدوله ومجتمعاته. إن بين الاهم في مقاييس التقدم العربي السياسية التي تطرحها الفئات الحاكمة موضوع الوحدة الوطنية والاندماج الوطني, وهى حال قائمة على الورق في اغلبية البلدان, حيث اكثرية البلدان العربية تعاني من انقسامات أو استقطابات متخلفة تنتمي الى ما قبل العصر الراهن, استقطابات تقوم على أسس دينية أو طائفية, أو مناطقية أو قومية, مما يسقط الادعاءات بمقولة الوحدة الوطنية والاندماج الوطني, والتي يترافق طرحها مع طرح مقولة الاستقرار السياسي الذي تحقق في ظل السلطة القائمة, وفي عموم البلدان العربية يمتد متوسط بقاء الحاكم العربي في منصبه أكثر من عشرين عاماً, بعضهم قضاها وهو يشذب صفوف معارضيه بالين, وآخرون قضوها وهم يقصون اطراف المعارضة بالمنشار, وسواء بهذه الطريقة أو تلك فقد حقق الحاكم العربي هدفه في البقاء على كرسي السلطة مؤكداً ان هذا البقاء انما تعبير عن استقرار النظام السياسي. وتضيف السلطات العربية الى ما تقدم من مقاييس التقدم العربي السياسية القول بتحقيق الحرية والديمقراطية, وتسوق على ذلك دلائل على وجود مجالس تمثيلية في غالبيتها مجالس معينة أو انها (انتخبت) وسط ترتيبات, اختير فيها الاقربون الى السلطة وللحاكم العربي. وبصفة عامة, فإن مقاييس التقدم العربي السياسية والعقائدية التي تطرحها معظم السلطات والحكام العرب, تبدو مقاييس غير حقيقية وغير موضوعية, وبهذا المعنى فهي تتوافق مع تلك المقاييس الشكلية التي تطرحها الفئات الفلاحية والمدينية العربية بوصفها مقاييس للتقدم العربي, أو مؤشرات للدلالة عليه, وبهذا المعنى تنسجم رؤية الحاكم والمحكوم في دلالات ذات أهمية قسوى بالنسبة للواقع العربي راهناً ومستقبلاً. وكي لا يكون الرأي متطرفاً ومجانباً للحقيقة, فإن القول بوجود آراء أخرى في مقاييس التقدم العربي في العالم العربي هو قول واقعي, لكن اصحاب هذه الاراء لايمثلون اكثرية من جهة, وغالباً هم خارج موقع القرار والفعل في العالم العربي. إن الخلاصة في خطأ مقاييس التقدم السائدة في العالم العربي, انما يمكن رؤيتها من جملة حقائق يبرزها القول ان الواقع العربي يسير من سيىء الى أسوء في بناه الاجتماعية ــ الاقتصادية والسياسية, ولعل الابرز في دلالات ذلك واقع التردي الذي يظلل الحياة العربية ومن تعبيراته الفقر والعسف المتزايد الذي يلحق بالفئات الدنيا, والذي يصل الى درجة تهميش وافقار الفئات الوسطى العربية, وأدى الى دمار الدولة بمؤسساتها واجهزتها من خلال الفساد العام وما يرافقه, وكله يترافق مع تدني مستوى الانتاجية العربية ولاسيما في قطاعات الزراعة والصناعة, لدرجة يمكن القول معها انه لولا مداخيل النفط وما يماثلها, وما يرتبط معها لانخفض مستوى الموارد الى حدود لايكاد يصدقها عقل, والأمر في مثل ذلك في موضوع التعبيرات السياسية, حيث يسود الحكم الاقلوي في معظم البقاع العربية, وهو حكم معزول عن قاعدة شعبية, يمنع ويحد من المشاركة, ويقصر التعددية ــ إذا وافق عليها ــ في أضيق الحدود. ولعل تلك الخلاصة, تبين ضرورة اتخاذ مقاييس جديدة وحقيقية في معايير التقدم العربي, مقاييس تستند الى معطيات الانتاج المتحقق باعتباره منتجاً حقيقياً في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية, ومن تعبيراته زيادة الانتاج الزراعي والصناعي, والتشغيل الامثل للطاقات المادية والبشرية, وربط التعليم بحاجات المجتمع, وأقرار وتطبيق الديمقراطية والتعددية, واشاعة الحريات العامة, وافساح حيز أوسع للمشاركة الشعبية في السلطة, والاهم من ذلك اقرار مبدأ التداول على السلطة, واختصار المتوسطات التي يمكث فيها الحاكم في سدة السلطة, فهل من مجال لاعتماد مقاييس كهذه لمعايير التقدم العربي؟