ياقوة الله, ما اعمق حكمته, وما اعجب تصاريفه, مات الرئيس عبدالناصر في الثانية والخمسين من عمره, ومات الملك حسين في الثالثة والستين من عمره, وودعنا لطفي الخولي وهو في السبعين, والمعلم قطب عاش في الجيزة ينام على رصيف البحر الاعظم ويلتقط طعامه من الشوارع , وفي الايام الحلوة كان يتردد على موائد الرحمن. ومات منذ عام وبعض عام في الخامسة والثمانين, دليل على ان الاعمار بيد الله وحده, لا الجاه ينفع ولا المال يشفع ولا الرعاية الطبية تمنع المحظور, والموت يأتيكم ولو كنتم في بروج مشيدة, لا احد يفر من الموت ولا صوت يعلو فوق صوت عزرائيل! وفي الشهر الذي ولى فقدت مصر ثلاثة من اعظم ابنائها, وهو شهر نحس بدون شك, علي الراعي, فتحي غانم, لطفي الخولي, وعمنا علي الراعي كان من المعتزلة, مع انه كان حلو المعشر وخفيف الروح, وفي بعض اللحظات كان يتجلى في قعداته الخاصة, واستمعت اليه مرة وهو يغني اغاني سيد درويش, وكان له صوت جميل واذن موسيقية لا تخطىء. وفتحي غانم زاملته في الصحافة واشتغلت معه فترة من اسعد فترات حياتي. هذا الرجل الساذج الماكر الساهي الفاهم المتواضع كأنه من احاد الناس, المتكبر فيما يخص كرامته كأنه الملك مينا, موحد الوجهين وكان لطفي الخولي هو اخر الراحلين ولطفي ابن عمري.. عرفته منذ 52 عاما, وفي مجلة مسامرات الجيب, وكان في التاسعة عشرة من عمره, وكان خارجا من حادث اصابه بعطب في ساقه, وكان ودودا وعطوفا وهادئا بشكل يغيظ, ولكن في الحق كان اسدا هصورا لايخشى في الحق لومة لائم, زاملني او بمعنى اخر انا الذي زاملته في زنانين, القلعة وفي عنابر معتقل الفيوم, وكنا زملاء في المنفى الذي اخترناه بأنفسنا, هاجر الى باريس وهاجرت انا الى لندن, كان ماركسيا وكنت اختلف معه, ولكن الخلاف مع لطفي الخولي لم يكن يفسد للود قضية, ولم يكن ماركسيا متعصبا مقفول العقل من اياهم, وفي فترة الستينيات مثلا, عندما كان صوت اليسار اعلى من صوت وابور السكة الحديد, اختار لنفسه طريقا متميزا واشترك مع رشاد رشدي اليميني الانفتاحي في تأسيس مسرح الحكيم, وقدم للعبدلله مسرحية النصابين بطولة عادل امام ومحمد رضا وسعيد ابوبكر واخراج سعد اردش, وكانت المسرحية تتناول بالنقد الشديد نموذجا من الماركسيين بتوع الحنجورى, او بتوع الازمز كما كان يسميهم عبدالرحمن الخميس, هؤلاء الذين يتكلمون بالشفق الاعلى المتعانق مع الشواش العليا للبرجوازية المنهارة في طريق السقوط الازلي من اجل خدمة الكومبرادور وعملاء الشركات متعددة الجنسية, ولم يتردد لطفي الخولي في تقديم المسرحية وفي الدفاع عنها, وفي ايام الرئيس السادات لم يتردد في كتابة سلسلة مقالات عن المدرسة الساداتية, و... فجأة, وعندما اكتشف ان المدرسة خرجت عن الخط عارض السادات ولجأ الى باريس ولم يعد الا بعد ان تولى حسني مبارك حكم مصر بفترة زمنية ليست قصيرة, وانضم لطفي الخولي الى الثورة الفلسطينية ودافع عنها بضراوة, وهاجمه الذين ليس لهم رأي ولا موقف, واتهمه البعض بان موقفه المؤيد للفلسطينيين يتيح له الاسترزاق من الثورة ويضمن له تدخين السيجار وتغطية نفقات رحلاته الى الخارج, دليل على تفاهة هذا البعض وعلى عدم فهمهم, وهل الذي يسعى الى الرزق ينضم الى الثورة الفلسطينية؟ انها ثورة غلبانة وتعيش على المعونات ومن هذا الذي ينتظر رزقا من خزائن الثورة الا اذا كان معتوها او معبوطا.. ولم يكن لطفي الخولي بالطبع واحدا من هؤلاء, ومع ان الهجوم كان شرسا وحقيرا الا ان لطفي الخولي واصل تأييده للثورة الفلسطينية ولم يكف عن نصرتها, وعندما تطورت عملية السلام في الشرق الاوسط, وبدا ان هناك حلا ايام رابين, سارع لطفي الخولي الى تأسيس جمعية السلام المصرية, وتصور في تحليله ان الدخول في حوار مع انصار السلام في اسرائيل يخدم القضية الفلسطينية, ولكن الاقلام التي احترفت اتهام الشرفاء وتلطيخ سمعتهم لم ترحم شيخوخة لطفي الخولي, ولم يفتر حماس لطفي الخولي وحمل سلاحه وراح يحارب على كل الجبهات, وبالرغم من ان العبدلله من المتشائمين بالنسبة لمستقبل المسيرة السلمية في فلسطين, بسبب غباء الاسرائيليين, الا انني لم اتردد في الدفاع عن موقف لطفي الخولي باعتباره مشتغلا بالسياسة منذ نعومة اظفاره ومن حقه ان تكون له رؤية خاصة, ومن حقه بعد ان بلغ هذا العمر ان يجتهد, فإن اصاب فله اجران واذا اخطأ فله اجر واحد! ولدينا نحن العرب والمصريون من بينهم عيب خطير جدا وهو توجيه تهمة الخيانة بدون حيثيات ولا ادلة اتهام!! وفي فترة من الفترات اتهم العرب بعضهم بعضا بالخيانة, الشيوعيون اتهموا القوميين, واليمين اتهم اليسار, والتيار الاسلامي اتهم الجميع وهناك حادثة مضحكة في حياة العبدلله, عندما اسند احسان عبدالقدوس لي وظيفة سكرتير تحرير روز اليوسف اقتحم حجرتي الزميل المرحوم عبدالستار الطويلة ولم اكن قد رأيته من قبل ولم يكن قد رآنى, وقال لي في زهو شديد: عبدالستار الطويلة شيوعي! وقلت له ساخرا: محمود السعدني مخابرات امريكية! فرد في ثقة العالم الخبير: لأ.. احنا معلوماتنا انك مخابرات بريطانية!.. تصوروا.. معلوماتهم.. معلومات حزبه الشيوعي كانت تؤكد ان العبدلله مخابرات بريطانية!! وهي تهمة لو صحت لكان جزاء العبدلله شنقه على شجرة في ميدان التحرير, وهذا النوع من الطفولة السياسية لم يكن حكرا للشيوعيين, ولكن.. ما اكثر الجهات التي اتهمت الشيوعيين بالعمالة لموسكو والقبض منها.. تنظيمات وافرادا, وحتى في مجال القوميين حدث نفس الشيء الناصريون اتهموا البعثيين, والبعثيون اتهموا الناصريين, وحتى حزب الله اللبناني.. البؤرة الوحيدة للمقاومة الشريفة ضد العدو الصهيوني متهم بالعمالة لايران, اذا كان حقا فما اشرفها من عمالة وما اشرفها من خيانة, ولكن يبدو ان شعبنا العربي من هواة توزيع الاتهامات على الآخرين وتلطيخ كل الشرفاء وهذا الموقف هو نوع من جلد الذات, وهي حالة مرضية ووباء ينتشر في زمن الهزائم والسقوط. اخي وصديقي وابن عمري لطفي الخولي.. نم في سلام الى جوار ربك, فقد اديت الامانة وقطعت رحلة حياتك شريفا نظيفا, واجتهدت على قدر ما استطعت وسلام عليك عندما اصبت وسلام عليك عندما اخطأت التحليل.. ويارب اغفر لهم.. فانهم لايعلمون!