ينسب لفولتير قوله: (اضحك واجعل غيرك يضحك, وفكر واجعل غيرك يفكر) . وهكذا كان يعيش أديب وفيلسوف فرنسا الكبير الذي ما ان ولد حتى أعلن الأطباء انه لن يعيش أكثر من بضعة أيام, فعاش 84 عاما كانت من أكثر سنوات بلاده تألقا, وكان هو الشخصية الأكثر ازدهارا . وإذا كان فولتير بكل تناقضاته التي عرفها عنه معاصروه ودارسو شخصيته قد استطاع أن يثري حياته, وحياة أمته والإنسانية, وان يمازج بين تناقضاته, ويكسب الكثير من الود والعداوات بسببها, والكثير الكثير من التقدير والمعاناة, الا ان أشخاصا ودولا وحكومات تتناقض مع نفسها بشكل لا تجيد فيه فن الحياة والتعايش مع الآخرين بطريقة ايجابية كما فعل فولتير. الدولة العظمى في العالم - الولايات المتحدة - لا يمكن لاحد أن ينكر قوتها ونفوذها المرتكزين على أسس من الاداءات السياسية والاقتصادية والدستورية الناجحة في أغلبها بل والقوية أيضا, برغم بعض الخروقات أو التجاوزات, لكن لماذا لا يعترف منطق القوة لدى أمريكا بفلسفة فولتير (اضحك واجعل غيرك يضحك) ؟ أمريكا تضحك ملء فمها, ورئيسها يبتسم ويرسم تعابير وجهه المعروفة, ويتحرك بكل العنفوان والاناقة, بينما المجلس التشريعي الضخم يجتهد ليل نهار في مساءلته ومحاكمته, والصحافة لا تألو جهدا في تلويثه وبكل الوسائل, أمريكا الضاحكة وعلى الهواء مباشرة رغم كل المطبات, تستكثر على العالم أن يضحك حتى على نفسه! ولذلك تملؤه بالاختناقات والحروب والأزمات وتمول حروبه القذرة أحيانا, ثم تلعب على التناقضات فيه. أمريكا (القوية) لا تريد أن يسود أو ينتشر مبدأ فولتير بطريقة (كن قويا واجعل غيرك قويا) ! لانها بذلك لن تصبح زعيمة العالم بلا منازع, فمبدأ الزعامة لا يعترف إلا بعالم الأقزام والضعفاء والمحتاجين والشحاذين, خاصة بعد أن أصبح الاتحاد السوفييتي - بجلالة قدره - من أكبر هؤلاء الشحاذين. لكن أمريكا في الوقت نفسه تصبح أكثر إيمانا بمبدأ فولتير من فولتير نفسه مع اسرائيل, ولو كان بيدها لحولت كل الترسانة والامكانيات الرهيبة التي تملكها لصالح (شعب الله المختار) حتى يزدادوا تبخترا على الشعوب المجاورة والجيران الحمقى الذين لا تريد لهم أمريكا لا قوة ولا ضحكا ولا تفكيرا. أمريكا تفكر ليل نهار في اسقاط صدام, وهي تعرف انها لن تسقطه وهو لن يسقط من الخارج, ولو كانت تستطيع لاسقطت (كاسترو) في كوبا الذي تعتبره عدوها اللدود منذ تولى الحكم في الجزيرة التي لا تبعد عن شواطئها أكثر من (145) كيلو مترا, لكنها وبرغم تسليح المعارضة وتمويل الحركات المناوئة والغزو المباشر لشواطئ الجزيرة... إلخ إلا انها لم تستطع أن تزحزحه بوصة واحدة ومنذ 40 عاما. أمريكا تفكر بطريقتها ولا تريدنا أن نفكر بطريقتنا, لان ذلك ليس في مصلحتها, وتضحك ولا تريدنا أن نضحك لان ذلك ليس في مصلحتنا! وتقوى ولا تريدنا أن نقوى لان ذلك ليس في مصلحة اسرائيل. مبدأ أمريكا يقول: (أنا الأقوى فأنا أفعل ما أريد) والأقوياء لا يخطئون ولا يعترفون بأخطائهم حتى يبقوا أقوياء, ثم ان السياسة لا تعترف بتناقضاتها أبدا بعكس الفلاسفة والأدباء.