يمكن اعتبار الاعلانات التلفزيونية, بخاصة التي تقطع البرنامج الواحد أو نشرة الأخبار أو المسلسل أو الفيلم عدة مرات, ضيفاً ثقيلاً فعلاً وغير مرغوب فيه, اذ سرعان ما يظهر التبرم على وجوه المشاهدين, ومع ذلك فشركات الاعلان وادارات التلفزيون, التي تقبض ثمن هذا الضيف الثقيل, تصر على إزعاج المشاهدين واثارة غيظهم وحنقهم باصرارها على تضمين البرامج بمساحات زمنية إعلانية . هناك طبعاً التلفزيونات التي لا تزال تحترم مشاهديها, فتخصص فقرات للإعلانات, أو على أقل تقدير, تذيع الاعلانات بين البرنامج والآخر, لولا أن هذه المحطات قليلة للأسف اليوم, حيث شركات الاعلان, التي تعرف أن المشاهدين ينصرفون عن مشاهدة هذه الاعلانات بعد ان يكونوا قد ملوا منها وضجروا, صارت تضغط على المحطات لكي يصبح الاعلان مفروضاً بالقوة على المشاهد, فكانت النتيجة قطع البرامج من منتصفها, وأحياناً, في مقدمتها, لبث الاعلانات. وبما أن بعض هذه الاعلانات ظريف ولطيف ودمه خفيف ومريح للاعصاب, بوجوهه الحلوة وموسيقاه وتصميمه, فان هناك اعلانات ثقيلة فعلاً ومملة وتثير الأعصاب ومخالفة لأدنى حدود الذوق, فيصبح فرض هذه الاعلانات على المشاهدين بالقوة نوعاً من التعذيب, على تعذيبهم ببرامج التلفزيون, خصوصا العربية منها, المملة والسمجة, فيكون التلفزيون كله قد تحول الى شاشة تنكيل وتعذيب, بدلاً من تسلية ومتعة. وما نعانيه من سطوة للإعلانات وتعذيب يعانيه آخرون أيضاً كالشعوب الغربية ومنهم الألمان, الذين أثبت 70% من مشاهديهم أنهم يضجرون من الاعلانات التجارية في استفتاء تلفزيوني, فقررت شركة من شركات تقنية العروض انتاج جهاز صغير يخلص المشاهدين من هذه الاعلانات, حيث يقوم تلقائياً بمقاطعة القناة التي تقطع برنامجها لعرض الاعلانات والتحول الى قناة أخرى لا تعرض اعلانات في تلك اللحظة. الجهاز الجديد الذي سمته الشركة حورية البحر من المنتظر ان يطرح في أسواق ألمانيا بمعدل ألف جهاز في الشهر, لكي لا يؤثر على أرباح شبكات التلفزيون, حسب مصادر الشركة, غير انه من المتوقع ان يجد طريقه بسرعة الى منزل أكثر من 50 مليون ألماني يعانون من ضجر الاعلانات وثقل دمها وغلاستها, مع وعد من الشركة ان يتم تطوير هذه الحورية بحيث تلبي رغبات المشاهدين, من منع الاعلانات في هذه المرحلة الى منع مشاهدة أفلام الجنس والعنف وهكذا, حسب ارادة المشاهد ومزاجه وتعليماته. المشاهد العربي الذي يقرأ هذه السطور يتمنى لو أن حورية البحر يتم انتاجها للأسواق العربية بسرعة, فهو عنده من المضجرات من برامج التلفزيون ومن السخافات ما يزيد على ما عند الألمان الذين لم يتبرموا حتى الآن سوى من الاعلانات, فيستطيع هذا المشاهد حماية ذوقه وعينيه وأذنيه ومشاعره, من كثير من الأضرار تفوق اضرار الاعلانات أحياناً, من أغاني الفيديو كليب وخلاعتها الى برامج الزعيق والنعيق وليس انتهاء بالمنوعات التي فيها من (الملوعات) أكثر مما فيها من المشهيات, ما يجعلني أناشد بتأسيس جمعيات على المستوى المحلي والقومي لحماية المشاهدين من التلوث التلفزيوني والغش الفكري والجمالي, على غرار حمايتهم من التلوث البيئي والغش الاستهلاكي. غير أن عقل العربي وذوقه لم يثبت أنهما أهم عند الدول العربية من بطنه, مما لا نتوقع أية حماية من هذا النوع, وبدلاً عن ذلك يمكن أن نتوقع حرباً ضد حورية البحر ومنعاً ساحقاً لها في كافة أرجاء الوطن العربي, فمن يستطيع تحمل مغامرة تحرير عقل العربي وذوقه من التلوث الفكري, الذي يكرسه اليوم التلفزيون؟