نتحدث كثيرا عن (العولمة) باعتبارها (الشيطان الاكبر)القادم من افق الغرب وامريكا ليبتلعنا وينهينا تماماً , ويتحدث منظرو الاجتماع والثقافة والاقتصاد العرب وغيرهم من مواطني العالم الثالث عن شرور العولمة باعتبارها مخططا عملاقا من وضع امريكا واوروبا واليابان لجعل الاقوياء اكثر قوة, والفقراء اكثر فقراً. السؤال الذي طرحته د. موضى الحمود نائبة مدير جامعة الكويت للتخطيط في دراسة لها حول العولمة: اذا كانت العولمة تجرى في الدول الكبرى ولحماية مصالحها, واذا كانت بالتأكيد تؤثر على العالم ككل, واذا كنا كدول عربية نامية لا نستطيع ان نعزل انفسنا عنها, فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل لدينا بديل آخر حتى وان نحن نجحنا او تحمسنا لدعوة رفض العولمة؟ ان لغة الارقام العالمية تقول بأن الولايات المتحدة الامريكية تتمتع بأضحم اقتصاد لا يجاريه اي اقتصاد آخر في العالم اذ يتجاوز (الف مليار دولار) من حيث الناتج القومي بما يوازي 26% من اجمالي الناتج العالمي, ثم يأتي الاقتصاد الياباني في المركز الثاني وبعده اقتصاد الاتحاد الاوروبي. كذلك تضم الولايات المتحدة اكبر تجمع للعلماء والمهندسين وخبراء البحث والتطوير, وحسب احصاء 1989 يبلغ عددهم (949300) ثم الاتحاد الاوروبي (610229) ثم اليابان (457522), ويكفي ان نشير ايضا الى ان الولايات المتحدة وحدها تتحكم بما نسبته 65% من المادة الاعلامية في العالم. على ارضية هذه الارقام والكثير منها متوافر وبشكل سهل ومجاني, فاننا لا نستنكر دعوة (بريجينسكي) مستشار الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر للأمن القومي قوله: ان على الولايات المتحدة الامريكية وهي تمتلك هذه النسبة الكبيرة من السيطرة على الاعلام الدولي, ان تقدم للعالم اجمع نموذجا كونيا للحداثه, بمعنى نشر القيم والمبادىء الامريكية وقبل بريجينسكي دعا الرئيس الامريكي نيكسون في كتابه (نصر بدون حرب) الى نشر القيم الامريكية اذا ما ارادت امريكا ان تكون زعيمة العالم. وبرغم هذه الهيمنة الامريكية الا ان الخوف والمبالغة ازاء العولمة اشد ما يكون في عالمنا العربي وتحديدا فيما يتعلق بغزو الفكر والثقافة والهوية, في حين ان صراعا آخر بين العولمة الامريكية من حيث رغبتها في فرض قيمها ونموذجها يدور ايضا في الفضاء الاوروبي والياباني, لكن دون خشية من الذوبان والتلاشي, بل العكس هو الصحيح حيث عكست مفاوضات (الجات) ارساء فضيلة الحوار وتأكيد المصالح وليس الغاء الآخر حسب د. موضى الحمود. اذن هذه الخشية من الغائنا لا تهدف الى اظهار توحش العولمة وعيوبها وشرورها, بقدر ما تعكس رغبة داخلية في التستر على واقع يرزح تحت ثقل تخلف مرعب في كل شيء, وعليه فهو اضعف من ان يواجه هذا التحدى العالمي الشرس, وينكشف امامه بكل نقائصه وتجاوزاته ومعه سينكشف دور القائمين على ما يسمى تجاوزا بخطط التنمية الصورية والتخطيط والتكامل اللاموجود! حيث تقول الارقام العربية ان مستوى نصيب الفرد من الناتج القومي متدن جدا (464 دولارا في اليمن, و837 دولارا في مصر و1054 في الاردن مثلا) كما ترتفع نسبة الامية بشكل مخيف (51% في مصر, 40% في العراق, 61% في اليمن) فاذا علمنا ان سكان الوطن العربي 270 مليونا وانتاجه القومي لعام 1994 بلغ ما قيمته 510 بلايين دولار وهو اقل من الناتج القومي لدولة واحدة في اوروبا مثل اسبانيا, يصبح سؤال د. موضى في محله وساعته, ما هو بديلنا العربي ازاء العولمة؟